وأخيرا، أعلنت وزارة الخارجية والتعاون مشاركتها في ورشة البحرين، موضحة في الوقت عينِه الثوابت التي تحكم موقف المغرب المبدئي من النزاع العربي الإسرائيلي.
مؤكد أن التدبير الزمني للموقف كان مهما بالنسبة إلى الدبلوماسية المغربية، كما أن حجم المشاركة وضوابطها، تعطي صورة عن الموقف وطريقة إدارته.
فمنذ اللقاء الذي جمع الوفد الأمريكي بالمسؤولين المغاربة بالرباط، تناسلت التكهنات، وبدت المؤشرات أكثر ميلا إلى رفض المغرب المشاركة في هذه الورشة، أو على الأقل التحفظ من طرح صفقة الاستفادة من أموال أو استثمارات للفلسطينيين، مقابل التنازل عن الثوابت العربية والفلسطينية.
ضمن المؤشرات تم رصد التنسيق المغربي الأردني لتصليب الموقف تجاه صفقة القرن، والشق المرتبط فيها بقضية القدس، وتثمين الأردن رسميا لموقف المغرب، فضلا عن الدعم الرسمي القوي للمسيرة التضامنية مع القضية الفلسطينية والرافضة لصفقة القرن التي نظمت الأحد الماضي.
في الجهة المقابلة، كان هناك حديث أثناء زيارة الوفد الأمريكي للمغرب عن عروض أمريكية بخصوص ربط مشاركة المغرب بورشة البحرين بدعم لمبادرته للحكم الذاتي لحل مشكل الصحراء، بل تكهنات عن تهديدات أمريكية لعدد من الدول العربية، في حال رفضها المشاركة في هذه الورشة.
لا يهمنا الوقوف عند قوة هذه المؤشرات، ولا صحة تلك التكهنات، مادام تأكيدها أو نفيها متعذرا، لكن ما يهم أن المغرب أخذ وقته، وتتبع مسار التوتر الأمريكي الإيراني في المنطقة، ودرس الاتجاهات التي يمكن أن يأخذها، لا سيما بعد إسقاط إيران للطائرة الأمريكية، واضطرار ترامب إلى إلغاء الضربة العسكرية لإيران، وتغير لغته لجهة تنشيط دينامية الوساطة مع إيران، للتوصل إلى اتفاق نووي آخر على غرار اتفاق إدارة أوباما، وتأكد له من رصد كل هذه التطورات وتحليلها، أن مستقبل صفقة القرن معرض لهزة عنيفة، وأنها بالصورة التي يتم التبشير بها، لا تمتلك مقومات النجاح، وأن أفضل طريق لمواجهتها، ليس رفضها من الخارج، وتعريض البلد لإكراهات غير محسوبة، وإنما السبيل لذلك، هو المشاركة من الداخل، لبيان عدم نجاعتها في حل الصراع العربي الإسرائيلي. ولعل هذا بالضبط ما يفسر لجوء المغرب إلى ربط مشاركته ببيان موقفه الثابت من القضية الفلسطينية، ومن قضية القدس. مؤكد أن مشاركة المغرب في الورشة لن يمر من غير انتقادات شعبية قوية، سواء تم ربطها بتأكيد الثوابت في التعاطي مع القضية الفلسطينية أم لم يتم ذلك، وسواء أكان حجم التمثيلية عاليا أم واطئا، فمختلف مكونات الشعب المغربي، لا تريد للمغرب أن يصطف مع المحور العربي الثلاثي (السعودي ـ الإماراتي ــ المصري) في تسويق صفقة القرن والتطبيع معها، وهي لا تفهم التمايزات في شكل تدبير الموقف الرافض، ولا الإكراهات التي تواجهها الدول، ولا تطمئن كثيرا للإعلانات المبدئية حين تكون ديباجة لتسويغ موقف مرفوض شعبيا، وليس عنوانا لصمود ومقاومة.
التقدير أن الحكم على الموقف المغربي ينبغي أن يأخذ مداه في الزمن، حتى يتم فهم خلفية إعلان المشاركة مرفوقة بالموقف المبدئي، وهل كان ذلك تسويغا للموقف لرفع الحرج أمام شعب شاركت فعالياته في مسيرة حاشدة لرفض صفقة القرن، أم كان شرطا معلنا موجها للقوى الساهرة على ورشة البحرين، وللقوى العربية التي لا تساير المحور الثلاثي في دعايته وحماسته لصفقة القرن.
الخلاصة، أن الحكم على الموقف المغربي، ينبغي أن يكون بناء على تقييم مشاركته في ورشة البحرين، وما يتلوها من خطوات مقبلة، وهل نجح عربيا في رفع إعلانه المبدئي إلى خيار ثالث في التعاطي مع الخطط الأمريكية في التعاطي مع قضية الصراع العربي الإسرائيلي، بعدما ارتسم تجاهها خطان، مشارك منافح على شاكلة المحور الثلاثي، ومقاوم رافض على شاكلة الموقف الفلسطيني. خيار ثالث، يضعف الاتجاه المتحمس لتصفية القضية الفلسطينية، ويوسع قاعدة الرفض المعتدل لهذه الصفقة، ويستثمر في تطورات الحدث الدولي والإقليمي، لا سيما إن اتجه التوتر الأمريكي الإيراني إلى حل دبلوماسي يخفف من وطأة “الرهاب” العسكري الأمريكي في المنطقة.
من السابق لأوانه التنبؤ بالديناميات التي سيعرفها الموقف المغربي، لكن من المؤكد أن ثمة تنسيقات قبلية لتدبير المشاركة في ورشة البحرين وما بعدها، لمحاولة إقناع الأمريكيين أنه من الصعب أن يتم تدبير القضية الفلسطينية بمنطق التجار، بعرض المال والاستثمارات مقابل تسويغ القبول بالإجهاز على الثوابت العربية والفلسطينية.