لعبة إسقاط الأقنعة.. مدخل إلى مشروع الرواية السياسية -الحلقة18

24 يوليو 2019 - 23:20

ماذا يجب على كتاب الرواية السياسية أن يفعلوه كي يصبحوا أكثر إثارة للاهتمام؟ هذا الفن ليس سهلا، فهو يحمل رسالته في ذاته. رسالة ممتعة بقدر ما هي خطرة. في هذه السلسلة، يحاول الكاتب أن يؤسس لتصور حول مشروع للطريقة التي ينبغي أن تكون عليها الرواية السياسية.

تتشكل علاقة جد معقدة وملتبسة بين المثقف والسلطة، باعتبار المثقف ضمير الأمة والمجتمع، والشخص الحارس على اختراق مختلف أشكال السلطة إلى كيانه. فهو القائم بالمهمة النقدية لمواجهة كل أشكال السلطة التي تمارس عليه؛ من سلطة سياسية، وسلطة ثقافية، وسلطة رجال المال والأعمال (السلطة الاقتصادية)، وسلطة دينية… وهو في كل الأحوال يروم من خلال عملية التفكير النقدي فضح أعيب هذه السلط، ودفع الجماهير إلى الوعي بها، وتجنب الخضوع السلبي لها. إيمانا منه بأن كل سلطة تسعى إلى إخضاع الجمهور، وتوجيهه نحو وجهة معينة وفق اختيارات معلنة أو مضمرة، وكأنها السلطة الأبوية التي تمارس على الأبناء القاصرين.

غير أن الحداثة وما بعد الحداثة عملت على تغيير موقع المثقف في المجتمع، وغيّرت من قدرة خطابه على التأثير في الطبقة الحاكمة والطبقة السياسية، لاسيما عندما تحولت الأمور من مقولة النضال الاجتماعي إلى مقولة النضال الفردي، وأصبحت الكثير من المقولات السياسية والنضالية فارغة من المعنى أو تم إفراغها من المعنى إن صح التعبير؛ من قبيل الثورة والتغيير والإصلاح… وأصبح الكل في المجتمع ينزع نحو الفردانية مهموما بشؤونه الخاصة والتمتع بملاذ الحياة الزائفة.

والأكيد أنه في ظل هذه التغيرات الجوهرية، يلزم إعادة الاعتبار في الكثير من الأطروحات الفكرية حول دور المثقف في المجتمع، ومراجعتها على ضوء التغيرات التي تشهدها الساحة السياسية والتحولات التي تعرفها الكثير من مفاهيم السياسة، وعلى رأسها دور الدولة ودور النخب المثقفة في ظل العولمة، وسيادة المجتمعات الرقمية وتبدل أنماط السلطة والمعرفة.

وفي كتابه النقدي “التاريخ السياسي للمثقفين” بين آلان مينك Alain Minc، كيف أن “المثقف يشعر بالمسؤولية عن الشأن العام الذي لا يملك حق توجيهه وتدبير أموره”. وأن “ما يهم بين المثقفين هو شبكات القوةles réseaux de pouvoir “. فهناك العديد من التحولات السوسيو- تاريخية التي غيرت من موقع ووظيفة المثقف في علاقته بالمجتمع والسلطة، الشيء الذي يجعل التساؤل عن قدرة المثقف الكلاسيكي على التغيير في زمن ظهور “الجماعات الضاغطة” مشروعا، ويطرح فرضية إمكانية التفكير في أطروحة “موت المثقف”.

ويمكن اعتبار كاتب الرواية السياسية مثقفا، يسعى من موقعه كأديب وكعنصر فاعل في المجتمع الذي ينتمي إليه إلى التعبير بالصوت المسموع عن رؤيته السياسية لأمور بلده. كما أنه يناضل بوصفه بطلا إشكاليا من أجل تغيير الأمور نحو الأحسن، كما أنه يقدم نموذج الإنسان الذي طلق همومه الشخصية ليتبنى هموم المجتمع وأمور تدبير الشأن العام، في ظل واقع سياسي فاسد وحياة اجتماعية زائفة.

وسنقارب علاقة المثقف بالرواية السياسية من زاويتين:

الزاوية الأولى تتعلق بالكاتب بوصفه مثقفا عضويا، وفيها نسلط الضوء على الكاتب بوصفه إنسانا يناضل من أجل واقع أفضل. بالرغم من الشعور بالخيبات وفقدان الأمل في تغيير من الأمور نحو الأحسن في الكثير من الأحيان، فما عساه يفعل المثقف في ظل منظومة التعقيد التي آلت إليها أمور تدبير الشأن العام؟

الزاوية الثانية تتعلق بكون الرواية السياسية في حد ذاتها تصور المثقف في المجتمع كشخصية مفهومية من خلال رسمها لشخوص الرواية السياسية، والتي يتخذ فيها المثقف حسب سياق السرد الروائي تلاوين عدة. وفي هذا المستوى سنراجع متون أشهر الروايات السياسية التي تجعل من بطلها مثقفا من طينة معينة، يقف في مواجهة الصراع الاجتماعي والسياسي هادفا إلى تغييره. فتصوره كانسان يسعى إلى الحفاظ على الهوية القومية من خلال نموذج المثقف التراثي، أو تصوره كمثقف ثوري يساري يسعى إلى التغيير الجذري لأمور الدولة والحكم، أو تصوره كمثقف لامنتم يلزم الحياد وينفرد بالتفكير الهادئ في أمور الشأن العام..

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.