خوان غويتيسولو بالعربي.. مرض الديكتاتور -الحلقة19

25/07/2019 - 22:20
خوان غويتيسولو بالعربي.. مرض الديكتاتور -الحلقة19

لا يمكنك أن تطلب ما تجهله. فالديمقراطية تفرض معرفة مسبقة بالقيم العلمانية التي تغذيها. وهذه المعرفة لا أثر لهافي أي بلد عربي بذلك التجذر والعمق الكائنين في تونس. استطاعت حكومة الحبيب بورقيبة، منذ الاستقلال إلىثمانينات القرن المنصرم، تثبيت قواعد دولة علمانية وديمقراطية. وحده نظام تربوي وتعليمي منفتح على مبادئ وقيمالعالم الحديث، ووضع اعتباري عال مقارنة بدول الجوار، ومستوى عيش مقبول مقارنة بالجوار، رغم غياب نعمةالبترول، يجعل المواطنين واعين بحقوقهم. وهذا هو مربط الفرس الذي يفسر البون الشاسع بين تونس وباقي الدولالعربية في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.

انهيار حكم بورقيبة، وضربة زين العابدين بنعلي في القصر، المراد منها افتراضيا الحفاظ على الديمقراطية، تحولاإلى كابوس. تحت ذريعة التعايش مع التهديد الإسلامي، وكسب الدعم غير المشروط للدول الأوروبية، أقام زينالعابدين بنعلي، رويدا رويدا، دولة بوليسية انتشرت شبكاتها في المجتمع بأسره مثل انتشار خيوط العنكبوت. إذسُحقت المعارضة السياسية بلا رحمة ولا شفقة، بطرق تذكرنا بأسوأ أساليب الاستبداد. في زيارتي الأخيرة لتونس،قبل 11 حولا، أتيحت لي الفرصة لأعايش وأقف عن كثب على المضايقات التي كان يتعرض لها الديمقراطيون، ممنلم يكونوا في السجن ولا في المنفى، وعلى المراقبة البوليسية لكل من يتواصل معهم.

كل هذا كان صادما وأكثر، لأن الأمر يتعلق ببلد متقدم اجتماعيا وثقافيا. بلد ضحية جنون عظمة الدكتاتور (زينالعابدين بنعلي)، والتشبث المطلق بالحكم، وثراء جماعة زوجته، العائلة الشهيرة السيئة الذكر الطرابلسي. واقعاستسلام المجتمع لمثل هذا الضغط وهذا النهب، لا يمكن أن يستمر في الزمن. فالتجربة الديمقراطية البورقيبيةتجذرت في المجتمع، وفقط تنتظر الفرصة المواتية لتبعث من جديد. العمل المشترك لتسريبات ويكيليكس، والعددالكبير من التونسيين المرتبطين بالأنترنت وبمنتديات النقاش في ما بينهم، والهجمات السيبرانية للهاكرز المجهولينالذين شلوا المواقع المحسوبة على النظام، واستشهاد محمد البوعزيزي، المعلوماتي العاطل البالغ من العمر 26 عاما، مضرما النار في جسده، بعدما قلبت شرطية بوحشية عربته المحملة بالخضر والفواكه تحت ذريعة أنه لا يتوفرعلى رخصة البيع.. كلها كانت عناصر الانفجار الشعبي الذي أدى إلى إسقاط الديكتاتور، وفتح صفحة جديدةمفعمة بالأمل والآفاق في تاريخ بلده. نحن أصدقاء الشعب التونسي يجب علينا أن نهنئ بعضنا البعض على ثورةالياسمين، وأن نتذكر تضحيات محمد البوعزيزي، البطل الذي يستحق وسام شرف البطل في تونس جديدة منفتحةوعلمانية وديمقراطية، حيث لا مجال لأن يضرم أي كان النار في جسده لا لشيء إلا لإسماع صوته.

شارك المقال