عزاء في مالطا

29/07/2019 - 14:51
عزاء في مالطا

خلد المغرب الأسبوع الماضي الذكرى العشرين لرحيل الملك الحسن الثاني، وفي زحمة الأحداث المتواترة التي تعرفها بلادنا، فإن الذكرى لم تحظ كفاية بما تستحقه لما تحفل به من معاني ودلالات، خاصة أن ما نشهده اليوم، هو شديد الصلة بما تحقق من توافق بين القوى الوطنية والراحل الحسن الثاني، وكان من المفترض بعد كل هذه السنوات التي تمثل اليوم جيلا كاملا، أن تكون بلادنا قد حققت ما يكفي لقيام دولة ديمقراطية مكتملة البناء، ذلك أن الديمقراطية كانت هي الهدف منذ حصول المغرب على الاستقلال، معنى ذلك أن قياس فترات الحكم، ليست بأهمية السنوات، بل بالمنجز الديمقراطي على الأرض.

شاءت الصدف أن أغادر المغرب ليلة وفاة الراحل الحسن الثاني يوم 23 يوليوز 1999 في اتجاه «فاليتا» عاصمة «مالطا»، وذلك للمشاركة في الجامعة الصيفية والمؤتمر السنوي لاتحاد الطلبة الديمقراطيين الأوروبيين، وشاءت الصدف، أيضا، أن يتحول العرض الذي كنت سأقدمه رفقة الأخت مونية غولام من المجلس الوطني للشبيبة الاستقلالية، بخصوص تجربة التناوب التي كان المغرب في سنواتها الأولى، أن يتحول إلى أهم عرض في المؤتمر بحضور ممثلين عن الأحزاب الشعبية الأوروبية وفريقها في البرلمان الأوربي ووزراء بكل من إسبانيا ومالطا وألمانيا وفرنسا. وشاءت الصدف مرة أخرى أن يقف المشاركون جميعا دقيقة صمت ترحما على الملك الحسن الثاني، وأن يخصص المنظمون جناحا خاصا في الفندق لنتقبل تعازي الوفود المشاركة من كل أنحاء العالم…،

كنت ساعتها شابا بلغت بالكاد 23 سنة، لم يحصل أن التقيت أبدا بالراحل الحسن الثاني، لكنني وجدت نفسي فجأة أتلقى التعازي في رحيله من أكثر من أربعين جنسية عبر العالم، ساعتها تأكدت كيف يُدرك العالم أن الملكية تسكن قلوب المغاربة، وأن ثقل الملكية يتجاوز البعد السياسي إلى البعد الاجتماعي والثقافي.. بل إن المنظمين عرضوا علينا إلغاء كل الأنشطة الموازية للمؤتمر، والتي كانت تتضمن سهرات فنية، فأجبتهم بلباقة شاكرا، وطلبت منهم أن يحافظوا على فقرات برنامج المؤتمر كما هي، مع تفهم عدم مشاركتنا كوفد مغربي فيها.

اليوم، وبعد كل هذه السنوات يبدو المغرب في حلة أخرى مختلفة عن السابق، تحققت أشياء كثيرة لا يمكن سوى لجاحد أن ينكرها، لكن في الطريق كانت هناك حوادث سير وكان هناك تردد لا نملك أن ننفيه، ولعل أسوأ ما حصل خلال هذه السنوات، هو العودة إلى تنشيط ممارسات من الماضي، ما جعل الشك يحل محل اليقين الذي ترسخ في النفوس لفترة لم تطل كثيرا، كما أن الآليات التي وضعها الملك الراحل للحكم، ظلت كما هي وإن بوجوه جديدة تختلف مساراتها ورؤيتها للدولة والمجتمع، عن الرؤية التي حكمت جيل الحسن الثاني.

جرت مياه كثيرة تحت جسر المملكة، وعرف محيطنا الإقليمي والجهوي تحولات عميقة لازالت ممتدة إلى اليوم، وتجاوزت البلاد منعطفات حادة كادت تكون لها نتائج وخيمة، فتحمل الجميع مسؤوليته لتجنيب بلادنا ذلك المصير، لكن ما يجري اليوم يصيب بالإحباط ويطرح آلاف الأسئلة من صنف، لماذا؟ خاصة وأن البلاد مستقرة وليس هناك خلاف حول ثوابتها، وحتى عملية التحول الديمقراطي البطيئة جدا، أصبحت جزءا من الخصوصية المغربية، ومقبولة إلى حد كبير من طيف واسع من الطبقة السياسية، و أن هناك مجالات كثيرة للسلطة ليست موضع نقاش أو مطالب…، لكن مع ذلك لم نتقدم في المسار الديمقراطي رغم المقدمات التي كانت مبهرة وتحمل بين طياتها عرضا سياسيا واقتصاديا متكاملا وواعدا، وهو ما لم يعد بالإمكان الإقرار به اليوم، بل إن جزءا كبيرا من الرصيد الإيجابي للبدايات، يتم تبديده اليوم بشكل يثير الدهشة…، لقد حقق المغرب خلال عشرين سنة منجزات ومشاريع لم تحقق منذ الاستقلال، لكن يبقى السؤال عن أثرها الاجتماعي واستفادة أوسع فئات المجتمع من ثمارها هو أبرز الأسئلة المقلقة، فإذا كان بالإمكان تمديد زمن انتظار تحقق الديمقراطية دون حوادث جانبية، فإن ذلك لا ينجح دائما عندما تكون التحديات تهم ما هو اجتماعي واقتصادي، مع ما يصادف ذلك من تحولات عميقة على المستوى الدولي وحالة عدم استقرار في جوارنا الاستراتيجي، فهل يكون الوعي بهذه التحديات مدخلا إلى مرحلة جديدة؟

شارك المقال