عبد الحق بلشكر يكتب.. عودة تهريب الأموال

22/10/2019 - 18:01
عبد الحق بلشكر يكتب.. عودة تهريب الأموال

يثير إطلاق الحكومة عملية عفو جديد عن مهربي الأموال إلى الخارج، مقابل تصريحهم الإرادي بممتلكاتهم، تساؤلات كثيرة حول هذه الخطوة. فالمفروض أن هذه العملية، التي أطلقت أول مرة سنة 2014، كانت استثنائية، وجاءت في سياق خاص عاشه المغرب بعد الربيع العربي، وظهور حركة 20 فبراير، وما نتج عنه من خوف طبيعي لبعض رجال الأعمال وجزء من الطبقة المتوسطة من غموض المستقبل، ولجوئهم المكثف إلى تهريب أموالهم إلى الخارج، ما أدى إلى الإضرار بالاقتصاد الوطني. أما اليوم، فما هو مبرر هذه العملية التي وردت ضمن مشروع قانون المالية 2020؟ هل عادت ظاهرة تهريب الأموال بقوة في السنوات الأخيرة بسبب فقدان الثقة؟ وهل الإجراءات القانونية والرقابية عاجزة عن مراقبة هذه العمليات وردعها؟

في 2014، لجأت حكومة بنكيران إلى اقتراح عفو عن مهربي الأموال مقابل التصريح تلقائيا بممتلكاتهم العقارية والمالية في الخارج، وأداء نسبة مالية لفائدة الدولة، مع إعطاء ضمانات للمهربين بعدم كشف أسمائهم، والتعامل مع ملفاتهم بسرية تامة من لدن الأبناك التي يصرحون لديها. وكانت هذه أول مرة يجري فيها تسليط الضوء على ظاهرة تهريب الأموال في المغرب، وجاءت حصيلة هذه العملية مفاجئة، لأن الحكومة توقعت جمع تصريحات لا تتعدى 5 ملايير درهم، فإذا بها تحقق رقما قياسيا بلغ حوالي 28 مليار درهم، صرح بها 19 ألف شخص. وكسبت الأبناك سيولة من وراء تحويل أموال من الخارج إلى حسابات أصحابها، بلغت حوالي 8.5 ملايير درهم عبارة عن عملات أجنبية. أما 9.5 ملايير درهم، فهي عبارة عن تصريحات بعقارات في الخارج، و9.8 ملايير درهم عبارة عن تصريحات بأصول مالية، وهي كلها أموال يفترض أنها مرشحة للدخول للمغرب في حال بيعها في أي وقت، لأنها مصرح بها قانونيا. أما مداخيل خزينة الدولة من هذه العملية، فقد وصلت إلى 2,3 مليار درهم وجهت إلى صندوق التماسك الاجتماعي.

أظهرت هذه العملية معطيات يجب الوقوف عندها، أولا: الأرقام المصرح بها عن حجم الأموال المهربة من المغرب كانت مخيفة، وتكشف أن جزءا من الطبقة الغنية والمتوسطة في المغرب يلجأ إلى تهريب أمواله بحثا عن ملاذات آمنة، أو بحثا عن مستقبل أفضل للأبناء، وقد تزايد تهريب الأموال بعد الربيع العربي، وما رافقه من اضطرابات في عدد من الدول العربية. ثانيا، أن ما ساعد في نجاح عملية استرجاع الأموال، هو الضمانات التي وفرتها الدولة للمهربين، بعدم كشف أسمائهم، وعدم ملاحقتهم، لذلك، لم تكشف تفاصيل هذه العملية، سواء لائحة المهربين، أو الدول التي تعد الملاذ المفضل. ثالثا، أن الإصلاحات السياسية بعد دستور 2011، وإجراء الانتخابات وتشكيل الحكومة، أسهمت في تهدئة الوضع، وبث الثقة في النفوس، ما شجع رأس المال الهارب على العودة. لكن، ماذا حدث منذ 2015، تاريخ انتهاء هذه العملية؟ أجريت انتخابات 2016، وحصل بلوكاج تشكيل الحكومة مدة 6 أشهر، واندحرت الأحزاب، وتراجعت السياسة، وتأثر الاقتصاد، وتراجع منسوب الحقوق والحريات، وعادت أجواء انعدام الثقة من جديد، إلى درجة أن الأبناك بدأت تشعر بسحب الأموال من الحسابات، ما أفقدها السيولة لتمويل الاقتصاد، لذلك، عادت الحكومة من جديد لإعلان عفو جديد عن المهربين، مقابل إعادة أموالهم أو التصريح لها.

السؤال المطروح هو: لماذا لا تلجأ الحكومة إلى مواجهة مهربي الأموال مباشرة، دون حاجة إلى استمالتهم بخطة للعفو؟ فمن جهة، تملك الحكومة لائحة 17 ألف شخص صرحوا، في 2014، بأنهم هربوا أموالهم، وحصلوا على عفو مقابل تسوية وضعيتهم، ويمكن بسهولة مراجعة وضعية هؤلاء، وهل عادوا إلى عادتهم القديمة أم لا. ومن جهة ثانية، هناك الاتفاقيات الدولية، التي دخلت حيز التنفيذ، والتي نصت على رفع السر المهني عن أسماء الأشخاص الذين يملكون حسابات مجهولة في «الجنات الضريبية»، وعلى التبادل الأوتوماتيكي للمعلومات بين الدول. جرى الشروع في تنفيذ هذه الاتفاقيات في 2017 و2018، ويمكن الحكومة، من خلال التعاون الدولي، أن تتعرف على المهربين وتعاقبهم، وحتى تجمد أصولهم. فهل يبقى الإطار القانوني عاجزا عن مواجهة هذه الظاهرة، أم إن هناك حسابات أخرى وراء هذه العملية الجديدة، التي لم توضح الحكومة بعد حجم المبالغ التي تنوي استرجاعها من ورائها.

شارك المقال