قصة مثيرة لشقيقتين قاصرتين تعرضتا للاغتصاب ورفضت المراكز الاجتماعية إيواءهما

27 أكتوبر 2019 - 23:42

طفلتان شقيقتان تواجهان مأساة ثلاثية تنتظرهما جلسة مواجهة باستئنافية مراكش، نهاية الشهر المقبل، مع مشتبه فيه باغتصابهما، متابع في حالة سراح، أما والدتهما فتمضي عقوبة حبسية بابن جرير لإدانتها بـ”إهانة قاضية”، فيما تقبعان هما حاليا بمركز لحماية الطفولة بالدار البيضاء، منقطعتين عن الدراسة، بعد أن رفضت المراكز الاجتماعية بعاصمة الرحامنة إيواءهما.

قاضية وعاملة نظافة

قصة مأساة القاصرتين “سارة” (13 سنة) و”مروة” (10 سنوات) بدأت منذ سنوات بسبب طلاق والديهما، ولكن فصولها الأكثر تراجيدية انطلقت الخميس 26 شتنبر المنصرم، ففي منتصف زوال ذلك اليوم توجهت أمهما إلى مكتب قاضي الأحداث بالمحكمة الابتدائية بابن جرير لتستفسر عن مآل الطلب الذي سبق لها أن تقدمت به لديه من أجل إصدار حكم قضائي بالموافقة على إيواء ابنتيها بأحد المراكز الاجتماعية بالمدينة، لعدم قدرتها على تربيتهما وعجزها عن توفير حاجياتهما الضرورية، لتغيّبها المستمر عن المنزل، بسبب اضطرارها للاشتغال كعاملة نظافة، نظرا لرفض طليقها الإنفاق عليهما.

ظلت الأم “بشرى.ب” (39 سنة) تنتظر أمام مكتب قاضي الأحداث يمزق الحزن قلبها بين نارين، فلا هي تستطيع توفير الحد الأدنى للعيش الكريم لابنتيها، وفي الوقت نفسه يعزّ عليها أن تفارقهما، في تلك الأثناء ردّت على اتصال هاتفي، قبل أن تجد نفسها في قلب قضية لم تكن تتخيلها، فقد خرجت موظفة شابة حسناء من أحد المكاتب، تؤنبها وتطلب منها إما أن تخفّض صوتها أو أن تغلق هاتفها نهائيا، فما كان من بشرى، أمام حالة الحزن التي كانت عليها، إلا أن دخلت في نوبة غضب، متوجهة إلى الموظفة بالقول: “إن المكان ليس منزل والدها”، وسألتها: “هل تريدين التباهي بالسروال الذي ترتدينه وأحمر الشفاه الذي تضعينه؟”…

تقرير إخباري

تسارعت وتيرة الأحداث بشكل مطرد في ذلك اليوم، فلم تكن تعرف بشرى بأن الموظفة التي صبّت عليها جامَ غضبها هي قاضية بالمحكمة، وليست أية قاضية بل إنها المكلفة بالقضايا الجنحية الابتدائية، والملفات التلبسية، وعضو في الهيئة التي تبت في الملفات العقارية.

لحظات قليلة بعد ذلك، وجّهت القاضية المذكورة ما سمّته بـ”تقرير إخباري” إلى وكيل الملك، الذي كان يقضي عطلته السنوية وكان ينوب عنه نائبه الأول، تطلب منه “اتخاذ ما يراه مناسبا لرد الاعتبار لحرمة المحكمة”، وتشير فيه إلى أنها، وفي حدود الواحدة زوالا، وبينما كانت تقوم بدراسة قبلية للملفات التلبسية، سمعت صوتا شوّش على تركيزها، وأثناء خروجها لتفقد الأمر وجدت امرأة في قاعة الانتظار الخاصة برئيس المحكمة تتحدث هاتفيا بصوت عالٍ، ولما طلبت منها خفض صوتها انهالت عليها بوابل من السبّ والشتم وعبارات ماسّة بالشرف (…)، بشكل أثار انتباه الجميع، مضيفة بأنها تركتها وأخبرت المسؤول هاتفيا، دون أن تحدد هوية هذا المسؤول، لافتة إلى أن ذلك تم بحضور الحارس الخاص بمكتب رئيس المحكمة وكاتب الضبط المكلف بالتحقيق وأحد المتهمين الماثلين أمام قاضي التحقيق.

لم ينتظر رئيس المحكمة طويلا، فقد وجّه، بدوره، “إخبارا بواقعة” إلى وكيل الملك، ملتمسا منه فتح بحث عاجل في موضوع قال إنه يمسّ بهيبة ووقار القضاة، ولكنه لم يحدد اسم القاضي المعني، مكتفيا بالإشارة إلى أنه أُخبر من طرف القضاة بأن إحدى المتقاضيات كانت جالسة بقاعة الانتظار وتتحدث هاتفيا بصوت مسموع أزعجهم، وعند مطالبتها باحترام المؤسسة والعاملين بها انهالت عليهم بوابل من السباب والشتائم الماسة بالعرض والشرف.

وتوالت الأحداث متسارعة، فقد تم اقتياد بشرى إلى مكتب النائب الأول لوكيل الملك، وهي في حالة غضب تصرخ وتبكي، قبل أن يتم إخراجها منه وتجلس ببهو بجانبه يُستغل كقاعة انتظار، وهي اللحظات التي يؤكد شاهد عِيان بأنه شاهد خلالها بشرى وهي ترتعش وتصرخ بأنها لم تأت للمحكمة من أجل التجول وإنما لحلّ مشاكل عائلية، جازما بأنها لم تتلفّظ، وقتئذ، بأي عبارات نابية في حق أي موظف، بل قال إن رجل أمن أمسكها بقوة من كتفيها وأرغمها على الجلوس، فيما كانت تطلب منه أن يتوقف عن تعنيفها.

عصر اليوم نفسه، صدرت تعليمات كتابية من طرف النائب الأول لوكيل الملك بوضع بشرى تحت الحراسة النظرية، عاهدا للشرطة القضائية بإنجاز بحث تمهيدي أثمر محضرا يتكون بالكاد من أربع صفحات: واحدة للمعاينة والتوقيف، وصفحتان للاستماع إلى شاهدين، وصفحة أخيرة للاستماع إلى المشتبه بها.

وقد استهل محضر الضابطة القضائية معايناته بأن المشتبه بها، ورغم تواجدها بالمحكمة، فإنها لا تحترم المرفق العمومي المذكور، مستدلا على ذلك بأنها كانت في حالة انفعال قصوى، وتُردّد في كل مرة عبارة “حتى أنا مواطنة”، كما أنها تعمدت الانبطاح أرضا حتى لا يتم اقتيادها على متن سيارة الأمن.

المتهم الشاهد

في حدود الساعة الثالثة وأربعين دقيقة من بعد زوال اليوم نفسه، كانت الضابطة القضائية شرعت في الاستماع إلى إفادة الشاهد الأول، الذي لم يكن سوى الشخص الذي أشار إليه “التقرير الإخباري” للقاضية المشتكية باسمه الكامل، على أنه “أحد المتهمين الماثلين أمام قاضي التحقيق”، وقد صرّح بأنه وبينما كان داخل مكتب قاضي التحقيق، في إطار دعوى جارية بالمحكمة عينها، سمع ضجيجا مسترسلا لصوت نسائي أزعجهم جميعا، وفي اللحظة التي فُتح فيها الباب لمعرفة مصدر الضوضاء، سمع صوت امرأة تسب أخرى، مشيرا إلى أن الأولى هي نفسها المشتبه بها، وإن كان لم يصرّح بأنه شاهدها، بينما قال إنه علم فيما بعد بأنها كانت تقصد قاضية بالمحكمة.

الموظف الشاهد

أما الشاهد الثاني الذي استمعت إليه الشرطة القضائية، صباح اليوم الموالي، فلم يكن سوى موظف بالمحكمة عينها، والذي صرّح بأنه وبينما كان يزاول مهامه بمكتب قاضي التحقيق، فوجئوا بصوت مرتفع، وهو ما اضطرهم لفتح الباب لمعرفة مصدره، مؤكدا بأنه شاهد المشتبه بها وهي في حالة انفعال جد متقدمة، ولم يثنها عن مواصلة صراخها محاولات القوات المساعدة تهدئتها.

وفيما سبق للقاضية المشتكية أن أكدت في “تقريرها” بأنها كانت بصدد دراسة قبلية للملفات بمكتبها لحظة سماعها للصوت الصاخب، رجّح الموظف الشاهد بأن تكون القاضية نفسها، وبعد عودتها من قاعة الجلسات وأثناء توجهها لمكتبها، قد نهت المشتبه بها عن إثارة الضوضاء، غير أنه قال إن هذه الأخيرة لم تحترمها، وسمعها تتلفظ في حقها بعبارات وشتائم ماسة بالعرض والشرف، بل إنه صرّح بأنها هددتها بأن تلقي بها من الشُّباك.

ملف سريع

دقائق قليلة قبل إجراء مسطرة تقديمها أمام النيابة العامة، استمعت الضابطة القضائية، في حدود التاسعة و10 دقائق من صباح اليوم الموالي لتوقيفها، للمشتبه فيها التي نفت معرفتها بمهنة المرأة التي طالبتها بإغلاق هاتفها، مشيرة إلى أنها لم تعد تتذكر ما تلفظت به في حقها باستثناء عبارات من قبيل:”المحكمة ليست منزل والدها”، و”أنها تتباهي بالسروال الذي ترتديه وأحمر الشفاه الذي تضعه”.

أجري لها التقديم أمام النيابة العامة، على الساعة العاشرة صباحا من اليوم ذاته، و لم تستغرق هذه المسطرة سوى دقائق معدودة، قبل أن يتقرّر متابعتها بتهمة “إهانة موظف عمومي أثناء مزاولته لمهامه”، وتُحال، في حالة اعتقال، على المحاكمة لتُدان، ثلاثة أيام بعد ذلك، بستة أشهر نافذة، دون أن تستطيع توكيل محام للدفاع عنها بسبب العوز المالي.

حكم بإيواء القاصرتين

في اليوم نفسه الذي وُضعت فيه أمهما تحت الحراسة النظرية، أصدر قاضي الأحداث، بناء على ملتمس من النيابة العامة، أمرا باتخاذ تدبير لفائدة الحدثين “سارة” و”مروة” قضى بإيداعهما بمركز جمعية “عائشة أم المؤمنين” بابن جرير للتنمية الاجتماعية بابن جرير، معللا إياه بأن الوثائق والمستندات المدلى بها تؤكد بأنهما توجدان في وضعية صعبة لعدم قدرة والدتهما على تحمّل أعبائهما وحاجياتهما الضرورية وعجزها عن تربيتهما بسبب تواجدها الدائم خارج المنزل لمزاولة مهنتها كعاملة نظافة، كما أقرّ الحكم القضائي بأن السبب الرئيس في ذلك هو إمساك والدهما عن الإنفاق عليهما.

وعهد قاضي الأحداث لمدير المركز بتنفيذ الأمر، داعيا إياه إلى مواكبة الحدثين وموافاته بتقرير كل ثلاثة أشهر، ومشددا على أن تبدأ الإجراءات بعرضهما على الفحوصات الطبية، وتحرير تقرير طبي في شأنها.

فحص طبي صادم

خلال اليوم نفسه الذي أدينت فيه والدتهما بنصف سنة نافذة، سلمت الشرطة الطفلتين “سارة” و”مروة” للمركز الاجتماعي، بعد عرضهما على الفحص الطبي، ولكن “التقرير” الطبي الأول، الذي أنجزته طبيبة بقسم المستعجلات بالمستشفى الإقليمي بابن جرير، لم يكن في الواقع سوى شهادة طبية حول القدرات البدنية، تشمل قياس النظر والطول والوزن للطفلتين، وليس تقريرا طبيا حول أوضاعهما الصحية، وخلوهما من الأمراض الخطيرة من عدمه، قبل أن تقوم الجمعية المشرفة على المركز، في اليوم الموالي، بعرضهما على طبيبة أطفال بالمستشفى نفسه، والتي فجّرت مفاجأة من عيار ثقيل، فقد رجّحت بأن القاصرتين قد تكونا تعرّضتا لاعتداءات جنسية إحداهما على مستوى عضوها التناسلي والأخرى في مؤخرتها، ملتمسة إحالتهما على طبيب شرعي لإنجاز تقرير في الموضوع.

وجّهت الجمعية إخبارا للنيابة العامة، التي أمرت بإحالة الطفلتين على طبيبة شرعية بمستشفى “ابن زهر” (المامونية) بمراكش، التي أعدت تقريرا طبيا شرعيا قالت مصادر مطلعة إنه أكد فرضية الاعتداء الجنسي، لتفتح الشرطة القضائية بحثا تمهيديا استمعت خلاله للضحيتين المفترضتين، اللتين صرّحتا، تمهيديا، بأن ابن صديقة لوالدتهما، يُدعى “أنوار.د”، يبلغ من العمر حوالي 17 سنة، كان يتردد على منزلهما، مستغلا غياب أمهما، إذ مارس الجنس أربع مرات على الطفلة “سارة” بطريقة شاذة، قبل أن يصطحب معه للمنزل صديقا يكبره سنا، والذي مارس الجنس، بدوره، على الطفلة نفسها، في مناسبتين اثنتين، فيما كان”أنوار” ينفرد خلالها بشقيقتها الصغرى ويهتك عرضها.

وقد أجريت للمشتبه به “أنوار” مسطرة التقديم أمام أحد نواب الوكيل العام للملك لدى استئنافية مراكش، الذي أحاله على قاضي التحقيق بالغرفة الثانية بالمحكمة نفسها، ملتمسا منه إجراء تحقيق إعدادي في شأن الاشتباه في ارتكابه لجريمة “استدراج قاصر وهتك عرضها”، قبل أن يتم إخلاء سبيله ويتقرّر متابعته في حالة سراح، بعد انتهاء جلسة استنطاقه الابتدائي، التي أنكر فيها التهمة الموجهة إليه، ليتم تحديد تاريخ 26 نونبر المقبل تاريخا للاستنطاق التفصيلي، وإجراء مواجهة له مع الضحيتين المفترضتين، فيما سبق للبحث القضائي التمهيدي أن أشار إلى أن الشرطة القضائية بابن جرير لم تتمكن من تحديد هوية المشتبه به الثاني، في الوقت الذي أشارت فيه مصادرنا بأن إحدى القاصرتين صرّحت للجمعية بأن اسمه “محمد”، و كان يتردد على محل بقالة غير بعيد عن منزلهما بالحي الجديد.

رحلة البحث عن مأوى

ما كادت بشرى تضمّد جرح الحكم القاسي بخبر الموافقة على إيواء ابنتيها بمركز اجتماعي، حتى وصلها الخبر الصادم وهي تمضي أيامها الأولى بالسجن، فيما كانت ابنتاها تنتظرهما رحلات شاقة على متن سيارة أمن للبحث عن مأوى بمدن أخرى لم يسبق لهما حتى زيارتها، بعد أن رفضت المراكز الاجتماعية بمسقط رأسيهما إيواءهما.

فما إن تم فتح بحث أمني في شأن تعرّضهما لاعتداء جنسي مفترض، حتى راسل المركز الاجتماعي نفسه قاضي الأحداث يطلب منه إصدار أمر آخر يقضي بتغيير التدبير السابق في حق الطفلتين، معللا طلبه بأن “حالة الاعتداء الجنسي الذي تعرّضتا له أثّرت على حالتهما النفسية، إذ أصبحتا محتاجتين للمساعدة الاجتماعية والتطبيب النفسي”، في حين تقول رسالة الجمعية المسيرة لهذا المركز الخاص إنه يعمل بشكل تطوعي ويعتمد على إمكانياته الذاتية، ولا يستطيع أن يوفر لهما مساعدة اجتماعية وطبيبة نفسية، كما لا يتوفر على وسيلة نقل تقلهما إلى مدن أخرى لتلقي حصص الدعم النفسي.

دار الطالبة وباقي المراكز الاجتماعية العمومية الأخرى بالمدينة رفضت، أيضا، استقبالهما بذريعة أنها لا يمكن أن توفر لهما خدمة الإيواء الدائم أو أنها تُعنى بفئات أخرى من الأطفال، ليتقرّر نقلهما إلى مقر جمعية “الكرم” لرعاية الطفولة في وضعية صعبة بمراكش، الذي لم تلبثا فيها سوى ساعات قليلة قبل أن يعودا أدراجهما مجددا لابن جرير بمبرّر “عدم كفاية الطاقة الاستيعابية”، قبل أن يصدر قاضي الأحداث قرارا آخر بنقلهم إلى مركز حماية الطفولة “عبد السلام بناني” للفتيات بالدار البيضاء، التابع لوزارة الشباب والرياضة، والذي تُحال عليه فئات، بينها ضحايا الاستغلال الجنسي أو الاغتصاب، يقيمان فيه حاليا دون أن تستطيع الطفلة الكبرى متابعة تعليمهما بمستوى السنة الأولى إعدادي، والصغرى بالسنة الثالثة ابتدائي، بعد أن اضطرتهما قسوة الظروف إلى مغادرة مدينتهما الصغيرة.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.