اصطياد الهفوات ليس تخصصا نريده لأنفسنا في مسعانا إلى إظهار الحقائق السياسية كما حقيقة السياسيين. لكن الهفوات -أو زلات اللسان- يمكن أن تشكل نافذة لرؤية ما يدور داخل البيت. كان علي بن أبي طالب يقول: «ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه»، وهي الصيغة الرصينة لتحليل سيغموند فرويد بعده عندما لخص قائلا: «الحقيقة تظهر مع زلات اللسان».
لدينا مثال نموذجي للسياسي الذي يكثر الهفوات. يمكنك تصيد هفوة في كل خطاب يمتد على الأقل إلى سبع دقائق. اسمه رشيد الطالبي علمي. لدى الطالبي سجل حافل من الألقاب، فهو مدير الشركات، والوزير المنتدب، ورئيس البرلمان، والوزير كامل الأوصاف، كما هو رئيس الجهة، ورئيس الجماعة. تنقصه صفة رئيس حزب، وبعدها لا يستطيع أن يعثر على شيء مختلف يفعله.
ورجل بمثل هذه الأعباء يخطب كثيرا، ومن الضروري أن يواجه النسب المُحتملة للوقوع في زلات اللسان.
لكن زلات الطالبي مختلفة، فهي ليست، على كل حال، حركات بهلوانية، أو أفعالا مشينة، أو سوء إدارة مستفحلا. كلا؛ زلاته هو بالضبط مغايرة، لكنها شبيهة بتلك التي كانت لصيقة بعبد الإله بنكيران، وأودت بمساره في نهاية المطاف. لكن الطالبي طائر فينيق، لا تحطمه زلة لسان طائشة.
يمكن عملية إحصاء شاملة يجريها الباحثون في المادة السياسية، بشأن كلفة الهفوات لدى السياسيين المغاربة، أن تكشف لنا الصِّلة السببية بين الوقائع الدالة في دورة حياة السياسيين، لكن، ليس هناك بحث علمي أجري بهذا الخصوص، ولست، بدوري، بصدد المجازفة بأي استنتاجات متسرعة، لكن، من الواضح أن زلات اللسان ليست مجرد هفوات نستمد منها مرح الانتشاءة المؤقتة على الشبكات الاجتماعية، كما هي ليست محض لقطات مشتتة وهامشية في الفعل السياسي. إن الهفوات لدى السياسيين المغاربة -ويمكنني المجازفة هنا- هي التعبير العلني عن الموقف المضمر، أي أنها تنفيس منفرط من القيد العقلاني الذي يكبح السياسيين في مجال مفرط في الانزياح إلى الظل. بمقدور زلة لسان أن تفكك تفكيرا مركبا لدى السياسيين المرغمين على التقيد بضوابط التحفظ، والاستئذان، والتذلل، كما الحيطة والحذر.
وللهفوات مستويات، فقد تكون خطرة كما هي عند بنكيران يوم بلغت به الجرأة، في مقابلة مصورة لصالح صحيفة «الأول»، أنه قدم رضا أمه عنه على رضا الملك. وقد تكون متوسطة الخطورة عندما لمح بوضوح إلى وجود شكوك في طريقة مقتل زميله عبد لله باها. وقد تكون ضعيفة المخاطر عندما تنخفض درجة حرارتها وتمس خصما سياسيا عاديا، مثل أخنوش أو لشكر.
بنكيران مات مقتولا بسبب زلات لسانه أكثر من أي شيء آخر. الهفوة في الكلام عبارة عن رصاصة قاتلة، لا يفحصها الخبراء الجنائيون، وإنما يحملها النمامون، ويضعون فوقها طبقات من التأويل حتى ترتد حكما نهائيا بالإدانة السياسية.
وفي الواقع، فإن زلات اللسان صك للاتهام كما الإدانة، لكنها مكاشفة صريحة يجب أن تكون محط الانتباه العام.
الطالبي علمي، عندما يتحدث، فإن شخصيته المركبة، وهي تتغذى من الولاء غير القابل للبرهنة كل مرة، والسعي الحثيث إلى حصة من الغنيمة، تنحو إلى الانفجار عندما تصبح المصالح مهددة.
ومثل قنابل، تشكل التوصيفات التي يطلقها ما يشبه شكل الفطر، لكنها، بشكل غريب، لا تطلق الرياح الحارة في طريقها لتدمير ما حولها.
لقد كان الطالبي محقا وهو يصف ما حدث لحزبه في ذلك التعديل الذي قاد إلى تشكيل «حكومة كفاءات». لم يفكر مليا وهو ينطق كلمة «مصيبة». نعم، بالنسبة إلى شخص ينظر إلى نفسه باعتباره تجمعيا أصيلا، فإن تركيبة لا تشمله هو، ليست، في نهاية المطاف، سوى مصيبة. وعلى كل حال، فإن هذه المفردة، شديدة الوطء على نفوس أعضاء الحزب دون غيرهم، جرى مسحها بشكل فوري من المخيال الجماعي لحزب التجمع الوطني للأحرار.
لكن، بعدها بأسبوع فحسب، تعود هفوات الطالبي إلى الظهور. الطالبي ليس شخصا عاديا في هذا الحزب الذي يملك أخنوش ناصيته بصك غفران. يسري الاعتقاد بأن للطالبي مقدرة عجيبة على لي عنق التنظيم الحزبي، تجعل أي رئيس للحزب يتوجس منه خيفة. وبقدر ما في هذه الصورة من مبالغة، فإن الطالبي لديه ما فيه الكفاية من الدهاء لقصف العقل التجمعي بهذه الدعاية.
دعونا من هذه، قبلها زل لسانه وهو وزير للشباب والرياضة، وجعل من صلاة الفجر تعذيبا للأطفال. لنتذكر أن صلاة الفجر هذه أنهت مسار سياسية محنكة مثل نزهة الصقلي، عندما دعت، وهي وزيرة، إلى خفض مستوى صوت أبواق الأذان فجرا. الصقلي لا تمثل في الوقت الحالي أي شيء ذي قيمة. على نقيضها، مازال الطالبي يتصرف وكأنه لم يحدث شيء.
وبالفعل، لا شيء يمكنه أن يهز الطالبي، لا مشاكله مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولا عقده إزاء صلوات الفجر، ولا مصيبته وهو يُجرجر خارج منصبه الحكومي. إذا أردتم أكثر، حتى قدرته على أن يستخدم خطابات أسوأ الديكتاتوريات العسكرية لن تضر الطالبي في شيء.
الطالبي ليس مقدسا، لكنه يسعى إلى أن يكون كذلك، والوقائع تسند ذلك. لقد تحدث في طنجة بارتياح، وهو يرمق الحشود المستقدمة بأجر أو دونه، وهي تصفق على أي جملة بعض النظر عما إن كانت مفيدة. لقد نطق بها: «نريد تفويضا». التفويض ليس سوى التوصيف الدقيق للعملية الديمقراطية. لا يمكنك أن تحكم دون تفويض من الشعب مصدره ذلك الصندوق الشفاف للاقتراع. الطالبي، وهو يشعر بالحماسة، مطلع على الحقائق الأساسية؛ حزبه بالكاد يمكنه المنافسة في المرتبة الثانية، لكنه يقفز خارج قواعد اللعبة، ويطلب تفويضا. لا يحتاج ذلك إلى مظاهرات. حزبه لا يدعو إلى مظاهرات، ولا يخرج في واحدة منها. ببساطة؛ لا يملك متظاهرين مستعدين لذلك. بقدر كون تعبيره سطحيا بشكل فج، فهو أيضا يخلق ظروف تشويش غير مناسبة في سياق الحشد المختلق الجاري حاليا للناس.
دون شك، فإن الطالبي يختزن كما هائلا من المعلومات والتقييمات، حصل عليها طيلة مساره. ولقد أصبحت عبئا وهي تقوده إلى نقيض ما كان يسعى إليه. نحن بحاجة إلى مزيد من التدقيق حول ما يقصده بالتفويض. من المؤكد أن الرجل لا يقصد أن تهُب الملايين وراء حزبه. ذلك مجرد سراب. لكن آليات التفويض متعددة، وزلة اللسان هذه كما هي بيزنطية، فهي أيضا علامة تحذير. يمكن التفويض الذي حصل عليه رئيسه، عزيز أخنوش، في 2016، أن يخلق لنفسه شكلا جديدا. من يدري؟.