ثمة مفارقة ينبغي الالتفات إليها في اللحظة السياسية التي نمر بها، تتمثل في الانشغال الكبير للدولة بالشباب، طبعا باعتبارهم فئة مقلقة لها، وربما تنظر إليهم بوصفهم تهديدا، في مقابل غياب الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني التي يصعب أن نعثر، في انشغالات معظمها، على برنامج مثير للاهتمام يخص فئة الشباب.
سياق هذا الكلام، إحداث الحكومة في مشروع القانون المالي لسنة 2020 «صندوق دعم تمويل المبادرة المقاولاتية»، ستُرصد له 6 ملايير درهم على مدى ثلاث سنوات، سيجري تدبيره في إطار الشراكة بين الدولة وبنك المغرب والمجموعة المهنية للأبناك، على أن يُخصص لدعم الخريجين الشباب، وتمكينهم من الحصول على قروض بنكية لتمويل مشاريعهم.
يندرج هذا الإجراء في إطار مواصلة الحكومة تنفيذ بنود الخطاب الملكي لـ20 غشت 2018، والذي تضمن توجيهات عملية لفائدة الشباب، أعقبتها سلسلة إجراءات تعكس جوابا للدولة بشأن تحديات الشباب، الذي تحول في العقد الأخير إلى الفاعل السياسي الأول في المنطقة العربية ككل، وما حركة 20 فبراير عنّا ببعيد. ومن بين تلك الإجراءات، إعادة تفعيل التجنيد الإجباري، بهدف إشراك الجيش الملكي في مواجهة المعضلة، ثم مخطط تعميم التعليم الأولي لتشغيل 50 ألف مربٍّ ومربية في أفق 2028، وإطلاق المرحلة الثالثة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (2019-2023)، باستثمار قدره 18 مليار درهم، وأولويات على رأسها تكوين وتشغيل الشباب، ثم برنامج جديد لتأهيل منظومة التكوين المهني، وتكليف صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ببناء وتجهيز مراكز التكوين الجديدة.
نحن إزاء معالم سياسة عمومية تجاه فئة الشباب، هدفها تقليص «مخاطر» هذه الفئة على الاستقرار السياسي والاجتماعي، أما دواعي ذلك فلا تخفى على أحد. لقد صار الشباب قوة اجتماعية وسياسية في المغرب وفي المنطقة، بفعل انتشار التعليم، والثورة الرقمية، وتركيز الثروة، والاستبداد السياسي، والانتقال الديمغرافي، وهي العوامل العميقة التي كانت وراء ثورات الربيع العربي، سواء في الموجة الأولى سنة 2011، أو موجته الثانية في سنة 2019، وهي الهزات التي لم يكن المغرب في منأى عنها، دليل ذلك حركة 20 فبراير سنة 2011 ثم حراك الريف واحتجاجات جرادة في سنة 2017.
وللتذكير، يمثل الشباب المغاربة، المتراوحة أعمارهم بين 15 و34 سنة، أزيد من 34 %، وفي 2021 إلى 2022 ستصل هذه الفئة إلى الذروة من حيث نسبتها في الهرم السكاني للمغاربة، قبل أن تبدأ في الانخفاض والتراجع، علما أن قاعدة المسنين آخذة بدورها في الارتفاع، وقد تبدأ مشاكلها مع حلول سنة 2030، كما سبق وأن أشارت إلى ذلك توقعات المندوبية السامية للتخطيط.
هناك تسابق مع الزمن في عمل الدولة من أجل نزع الفتيل حتى لا يشتعل، لكن الملاحظ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، أن بقية المؤسسات، خصوصا الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، تبدو وكأنها غير معنية بهذا التحدي. وباستثناء انشغال بعضها بالتأطير والتكوين، مثل شبيبة العدالة والتنمية التي تلقت تكريما ملكيا على ذلك من خلال استوزار كاتبها الوطني في النسخة الجديدة للحكومة، يصعب الحديث عن أي برنامج حزبي أو نقابي أو مدني أثار انتباه الناس إليه، يؤكد انشغال هؤلاء الوسطاء بالتحدي الشبابي في العمق، ما يسمح بالقول إن دينامية الدولة في واد، ودينامية الأحزاب وباقي الوسطاء في واد آخر.
إن تقاعس الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني عن الاضطلاع بوظيفة التأطير والتكوين السياسي والمدني، من خلال برامج مقنعة، يطرح تساؤلا جديا: لماذا تموّل الدولة الأحزاب والنقابات إذا كانت مجتمعة لا تستطيع تأطير أزيد من 1 في المائة من الشباب؟ ولماذا هي موجودة إذا كانت لا تستطيع القيام بوظيفتها الأساس، أي التنظيم والتأطير والتكوين؟
الجواب الشائع أنها أحزاب سلطة لا أحزاب مجتمع، وهذا صحيح بالنسبة إلى بعضها ممن تأسّس أول مرة ليحكم لا ليؤطر الناس، لكن الواقع اليوم يؤكد أنه حتى الأحزاب التي خرجت من رحم المجتمع أصبحت عاجزة عن التأطير والتكوين السياسي، بل أضحت مجرد هياكل فارغة في المركز كما في الأطراف، أي دون روح سياسية أو فكرية.
مهما عملت الدولة من أجل توفير التكوين والشغل للشباب، فإنه يبقى عملا ناقصا، ما لم تنخرط الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، من جهتها، في الاضطلاع بدورها السياسي والمدني، وهذا يتطلب أحزابا مستقلة وديمقراطية قادرة على الإقناع والتأطير والتكوين، وهو ما يفتقر إليه شباب الثورة الرقمية اليوم، وينبغي التفكير فيه جديا.