أمين معلوف: لن نستطيع تجنب الغرق -حوار

30 أكتوبر 2019 - 10:01

يعترف أمين معلوم، الكاتب اللبناني المقيم بفرنسا والبالغ من العمر 70 عاما، بأن الصورة نفسها تطارده أخيرا؛ سفينة حديثة عملاقة عابرة للمحيطات، تعتبر غير قابلة للغرق، تمخر بلا هوادة صوب الانهيار.. والمسافرون هم نحن. هذا ما يحكيه هذا الكاتب في كتابه «غرق الحضارات». ويرى أن فشل الشرق في إيجاد مشروع للتعايش والتكامل هو الذي يقف وراء التقوقع الهوياتي الذي يعيش العالم برمته على إيقاعه اليوم.

لنبدأ بما هو راهني؟ الاحتجاجات في لبنان؟ هل هي دليل حي على فشل نموذج هذا البلد الذي تحدثت عنه في الكتاب؟

ذلك أمر بديهي جدا. إنه فشل ضارب في القدم. يشعر الناس بأنهم تعرضوا للنهب والسلب والسرقة، وأن هناك طبقة سياسية فاسدة وتفتقر إلى الكفاءة تستغلهم. الناس معهم حق. مربط الفرس هو معرفة ما سيترتب على كل هذا. لا أعرف. أتمنى أن يأتي مسؤولون يمثلون جميع المكونات ولديهم نظرة مختلفة. إنه من الصعوبة بمكان أن يفرز حراك تلقائي قيادة منه للتعبير عن غضبه وتطلعاته.

«لقد انطفأت أنوار الشرق، ثم زحف الظلام على العالم. وبالنسبة إلي، لا يتعلق الأمر بصدفة عادية»، تقول في كتابك «غرق الحضارات». لماذا تمركز الشرق هكذا؟

إنها المنطقة الأكثر رمزية. إنها مهد أكبر الديانات التوحيدية. إنها المنطقة التي يولي إليها المسيحيون والمسلمون واليهود وجوههم. ولو كان هناك تعايش وتكامل بين المجتمعات المحلية، لكان انتشر في العالم بأسره إحساس بناء وإيجابي. فالعالم برمته ينظر إلى الشرق، ويرى كيف أن هذه المجتمعات تتناحر في ما بينها ولا تتواصل وتتباغض، ما ينشر في العالم إحساسا سلبيا وأشياء مدمرة. إن تأثير الشرق في العالم يتجاوز وزنه الاقتصادي والاستراتيجي.

ألست متفائلا؟

لا. كانت هناك بعض الأوقات كان يبدو فيها أننا سنصل إلى حل للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني. مع اتفاقات أوسلو سنة 1993، وبعد ذلك مع خطاب أوباما في القاهرة عام 2009، والذي عبر فيه عن تصور لشرق متصالح، لكنه، للأسف، لم يذهب إلى أبعد من ذلك. اليوم لدينا إحساس بأنه لن يكون هناك حل للمنطقة. المشاكل ستزداد تفاقما، لذلك، من الصعب أن تكون متفائلا.

ما سبب هذه النظرة المختلفة تجاه بلد مثل ألمانيا وصوب العالم العربي، والتي تشير إليها في كتابك؟

الكثير من الشعوب تمر بحقب تقوم فيها بسلوكيات تعارض ما أظهرته في أوقات تاريخية أخرى. حدث هذا في ألمانيا إبان النازية. في العالم العربي بزغت في العقود الأخيرة سلوكيات، من وجهة نظري، لا عاقة لها بالتطور الطبيعي للتاريخ. وأتمنى -وهنا أتحدث عن أمل أكثر من كونه توقعا- أن يتجاوز العالم العربي هذه المرحلة في يوم من الأيام. في الحقيقة، كان هناك تعايش في العالم العربي، لم يكن مثاليا، لا في الأندلس ولا في أي مكان آخر، لكن مقارنته بما كان سائدا في مختلف مناطق العالم، فإنه كان مشرفا حقا. استطاعت عائلتي، المسيحية، العيش عدة قرون في عالم أغلب سكانه مسلمون. لو كنت مسلما من صقلية، لما تمكنت من البقاء عدة قرون في بلدتي.

للأسف، كان هناك تراجع، فيما كانت بقية المجتمعات تتطور بشكل مواز. العالم الغربي، الذي لم يكن بالضرورة متسامحا في السابق، أصبح اليوم أكثر تسامحا؛ فيما العالم العربي الذي كان، نسبيا، متسامحا، أصبح اليوم أقل تسامحا، إلى درجة أن الفارق بين العالمين أصبح شيئا صادما.

عندما ننظر من العالم الغربي إلى ما يجري في العالم العربي والإسلامي، يتبادر إلى الذهن أن الأمور كانت على هذا النحو دوما. في السنوات الأخيرة كان هناك تشدد، تطور نحو المزيد من اللاتسامح والمزيد من التعصب، لكن، إذا كان هذا تغيرا عارضا، فيمكن أن يتغير من جديد. يمكن أن تسير عقارب الساعة في الاتجاه الآخر. فكرة أنها النهاية عبثية.

وصفت العالم في كتابك بأنه طفل مدلل نوعا ما، إذ إنه في الوقت الذي يمتلك فيه كل الإمكانيات التقنية لتحقيق العصر الذهبي، يسير في الاتجاه المعاكس…

تطور العالم علميا وتقنيا بوتيرة متسارعة. هذا التطور من المفروض أن يكون مصحوبا بتطور مواز في طريقة تدبير وإدارة العلاقات بين المجتمعات الإنسانية، والتي طبعها الجمود، بل التخلف. هذا مفهوم تماما، لكنه لم يكن حتميا. في الحقيقة، عندما يكون التطور سريعا جدا، لا يتوفر لدينا الوقت الكافي للتكيف معه فكريا واجتماعيا. هناك عوامل أدت إلى تأخر الوعي بهذه الأمور والتكيف مع التغيير. ما حدث في الشرق لعب دورا؛ لكن كذلك سقوط جدار برلين وسلوك الولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تشيد، حقا، نظاما جديدا.

ولماذا أنت متشائم الآن، إذا ما استحضرنا أننا خرجنا بالأمس من حربين عالميتين، ومن الهولوكوست؟

صحيح أن العنف أقل بكثير في قرننا هذا مقارنة بسلفه. الأمر لا ينتطح فيه عنزان. لكن الفرق هو أنه في قرننا هذا هناك إمكانية حقيقية للخروج من طريقة معينة في بناء التاريخ وتشييد شيء مختلف، لأن الإنسانية، اليوم، في حاجة إلى صياغة رؤية مختلفة عن رؤيتها الحالية. أقسو على هذا القرن لأنه لدينا إمكانيات لم تكن لنا في السابق، وعار علينا تضييعها وعدم الاستفادة منها. عالم اليوم مختلف كليا، ومن الطبيعي أن ننتظر منه شيئا آخر غير ما استطاع أن يمنحنا إياه في القرن العشرين.

لماذا ترى أننا نعيش حقبة مظلمة ولا بوادر أمل للخروج منها، كما يتضح من كتابك؟

لأنه عندما أنظر إلي محيطي أخرج بانطباع أنه ليس هناك وعي حقيقي. أنظر إلى القادة العالميين، وينتابني القلق. في أمريكا وإنجلترا والهند والبرازيل وتركيا.. كلنا في عالم مقلق نوعا ما. عالم تنعدم فيه آليات الخروج من الأزمة. لا أحد لديه السلطة الأخلاقية. ليست هناك شخصية كبيرة، ليست هناك إيديولوجيا مشتركة، ليس هناك بلد عظيم يمارس حقا السلطة الأخلاقية. لا أحد. العالم ليس بخير، وسينتهي بالخروج من مرحلة الاضطرابات هذه، لكن ذلك سيكلف وقتا وجهدا ومعاناة.

من يمكنه أن يكون ربان السفينة؟

ربان سفينة الإنسانية في السنوات الثلاثين الأخيرة كان من المفروض أن يكون أمريكا، لكنها فشلت في ذلك. الربان المساعد كان يمكن أن يكون أوروبا، لكنها لم تمنح نفسها وسائل للقيام بذلك. في الواقع، ليس هناك ربان. أحس بأننا لن نستطيع تجنب الغرق. سيحدث حتما، لكننا لا نعرف كيفية وقوعه. ليس هناك وعي حقيقي يسمح بتجنب الانهيار. مثلا، في قضية المناخ، فقط هناك الكثير من الكلام والأقوال دون الأفعال. الكل يزعم، لكن، في الواقع لا يجري القيام بأي شيء لتجنب الجنوح الذي بدأ. إنه تغيير تجميلي وإعلامي سطحي دون شيء عميق.

ماذا تقصد عندما تتحدث عن الانهيار؟

لا أعرف الشكل الذي يمكن أن يتخذه. يمكن أن يكون مرتبطا بالاضطرابات المناخية، ويمكن أن تحدث أشياء خطيرة للغاية، أو تحدث أشياء مقرونة بسباق التسلح، تروع الناس في يوم من الأيام. ويمكن، أيضا، أن تنفجر أزمة اقتصادية كبيرة.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.