عبد الحق بلشكر يكتب: البطالة والمقاولة والأبناك

04 فبراير 2020 - 18:00

شكل البرنامج الملكي الخاص بتمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة ودعم مبادرات الشباب حاملي الشهادات، ودعم التشغيل في العالم القروي، مناسبة لإطلاق نقاش عمومي إيجابي حول ثلاثة إشكالات مترابطة؛ أولا مشاكل بطالة الشباب، خاصة حاملي الشهادات. ثانيا، مشكل تنافسية المقاولات المغربية ودورها الضعيف في خلق فرض الشغل، وثالثا دور القطاع البنكي.

بخصوص بطالة الشباب، فقد أصبحت مشكلة بنيوية، سببها ضعف نمو الاقتصاد الوطني، وهشاشة النسيج المقاولاتي المغربي. فالاقتصاد الوطني لا يخلق سوى ما بين 80 و120 ألف منصب شغل سنويا، يضاف إليها حوالي 35 ألف منصب توظيف سنويا في القطاع العام، إذا احتسبنا موظفي أكاديميات التعليم، وهو عدد غير كافٍ لاستيعاب مئات الآلاف من الخريجين، دون الحديث عن المنقطعين عن الدراسة. وتصل نسبة الحاصلين على شهادات الذين لا يجدون عملاً إلى 17 في المائة، أما بطالة حاملي الشهادات العليا، فتتجاوز 20 في المائة. هذا دون أن نتحدث عن الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، والذين يوجدون خارج المدرسة ولا شغل لهم، ويقضون وقتهم في التسكع. هؤلاء يشكلون حاليا 30 في المائة من مجموع الشباب في هذه السن، أي حوالي مليوني شاب. إذن، نحن أمام قنبلة اجتماعية شبابية تهدد بانتشار اليأس والسخط، وتفتح المستقبل على كل الاحتمالات السيئة.

ومن هنا الرهان على تطوير المقاولات المغربية الصغرى والمتوسطة لتكون رافعة للتشغيل، وهو طموح مشروع، لكن، مع الأسف، تواجهه تحديات. ويمكن الاطلاع على المعطيات المثيرة التي كشفها عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، في مجلس النواب الأسبوع الماضي، والتي تبرز الهشاشة التي تعانيها هذه المقاولات وتحد من دورها التنموي. فالنسيج المقاولاتي المغربي يضم 87 في المائة من المقاولات «الصغيرة جدا»، فيما 10 في المائة فقط عبارة عن مقاولات متوسطة، أما المقاولات الكبرى، فلا تشكل سوى 1 في المائة. 77 في المائة من المقاولات المغربية لا يتجاوز رقم معاملاتها 1 مليون درهم، و10 في المائة يقل رقم معاملاتها عن 3 ملايين درهم. وفضلا عن ذلك، فهي مقاولات «غير شفافة»، لأنها لا تقدم تصريحات ضريبية صحيحة، لذلك، فإن الأبناك لا تثق في المعطيات التي تقدمها للحصول على تمويلات. وليست هذه أول مرة تخصص فيها ميزانية لدعم تمويل المقاولة، فقد سبق إنشاء صندوق الدعم المالي للمقاولات الصغيرة والمتوسطة سنة 2014، من لدن بنك المغرب والمجموعة المهنية للبنوك وصندوق الضمان المركزي، بهدف التمويل المشترك للمقاولات الصغيرة جدا والمتوسطة «التي تعاني صعوبات مؤقتة»، وجرى تزويده بـ3.6 ملايير درهم، خصصت لتمويل 476 مقاولة، والمحافظة على 61 ألف منصب شغل، خاصة في قطاعات الصناعة والبناء والأشغال العمومية والتجارة. كما تدخل بنك المغرب والحكومة لحل مشاكل المقاولات المرتبطة باسترجاع الضريبة على القيمة المضافة، وحسَّنت الأبناك تمويل المقاولات ليصل إلى 37 في المائة سنة 2018، وهو مستوى أعلى مما سجل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وفي بعض الدول الصاعدة. إذن، يبدو أن المشكل لا يكمن في تمويل المقاولة، إنما في مجال آخر يتعلق بالحكامة والإبداع والابتكار ومواكبة التطورات وتطوير التنافسية.

أما بخصوص الأبناك، فهذه أول مرة تُعبَّأ فيها بهذا الشكل، خاصة أنه مطلوب منها تخصيص 3 ملايير درهم لصندوق تمويل المقاولات، وسيكون عليها أن تتواصل عن قرب، وتخرج أطرها من مكاتبهم الزجاجية المكيفة، لتنفتح على برامج الشباب، ولمحو الصورة السلبية عنها، بكونها «تبحث فقط عن الربح السريع والمضمون»، كما جاء في خطاب افتتاح البرلمان في 11 أكتوبر.

فالبرنامج الملكي، الذي جرى إطلاقه أخيرا، يخصص غلافا ماليا كبيرا يناهز 8 ملايير درهم، وسيوفر قروضا ميسرة بفوائد ضعيفة جدا أو دون فوائد، وبضمانات مرنة، ومواكبة عن قرب وتأطير لتجاوز سلبية البرامج السابقة، وهذا كله إيجابي، لكن الأهم فيما بعد هو تسهيل المساطر، واعتماد الشفافية في البرامج الموجهة لتمويل الشباب الخريجين، حاملي المشاريع، لإعطاء دفعة للتشغيل، والحد من البطالة القاتلة للشباب.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.