لا يمل محمد شحرور من تكرار استعمال عبارات رنانة، وتوجيه الاهتمام إلى ما يقوم به بوصفه إنجازات علمية غير مسبوقة، وهو يفعل ذلك في الكثير من الحالات كرد فعل سيكولوجي ضد ما يسميها «المنظومة التراثية»، أكثر من كونه إعلانا واعيا عن كشف بحثي. ففي معرض حديثه عما يقبل الاجتهاد ولا يقبل الاجتهاد في القرآن يقول: «وبفضل الفرز الدقيق لآيات الرسالة، توصلنا إلى أن الجزء الذي لا يخضع للاجتهاد ليس فقط المحرمات، بل هو الآيات المحكمات كلها التي تمثل عين الرسالة المحمدية التي لا يمكن الاجتهاد فيها، بل يبقى الاجتهاد في آيات تفصيلها. لكن التساؤل الكبير الذي يؤدي إليه هذا الاكتشاف العظيم في تصنيف نصوص الرسالة من التنزيل الحكيم يتمثل في: لماذا جاء الاجتهاد في تفصيل الآيات المحكمات ولم يأت في كل الرسالة، وما الغاية من الاجتهاد في تفصيل الرسالة فقط؟» (أم الكتاب وتفصيلها، ص 21).
إنه هنا يشير إلى فرز دقيق قام به لآيات القرآن لمعرفة ما يجوز الاجتهاد فيها وما لا يجوز، ويعتبر -بكل جرأة- أن ما توصل إليه يعد اكتشافا عظيما، والأكثر من هذا أنه يخلق إشكاليات خاصة به وحده وكأنها انعكاس لواقع حقيقي، مثل ذلك التساؤل الذي طرحه أعلاه: «لماذا جاء الاجتهاد في تفصيل الآيات المحكمات ولم يأت في كل الرسالة؟ وما الغاية من الاجتهاد في تفصيل الرسالة فقط؟»، ذلك أن السؤال الأول لا محل له إطلاقا، لأن لا أحد من الفقهاء والعلماء المسلمين قال بذلك، لكن محمد شحرور يفترض -دون براهين- أن الاجتهاد «لم يأت في كل الرسالة»، ويرتبط السؤال الثاني بالأول، لأن الاجتهاد ليس مقصورا على ما يسميه «تفصيل الرسالة». ومع كل هذا الاضطراب والتخبط، فإن شحرورا يصطنع في كل مرة مفهوما جديدا، ما يعني أنه لا يضبط جهاز مفاهيمه أصلا، فتارة يتحدث عن تفصيل المحكم، وتارة عن تفصيل المتشابه، وأخرى عن تفصيل الكتاب، وهنا عن تفصيل الرسالة؛ فالرجل ليست له شبكة مفاهيم واضحة، ويمكن القارئ أن يلحظ أنه يستعمل الكتاب بمعنى القرآن، وأحيانا يستعمل التنزيل الحكيم بمعنى الكتاب، وأحيانا أخرى الرسالة بمعنى الكتاب، وأحيانا يستعمل المصحف بمعنى الكتاب، وبمعنى الرسالة، ويستعمل «تفصيل الكتاب» بمعنى «أم الكتاب»، وهكذا.
ويظل موقفه من الاجتهاد مشوبا بكثير من الاضطراب وسوء الفهم، فهو يزعم أنه «لا اجتهاد إلا في النص وفي تفصيل المحكم تحديدا، وهذا ما لا يريد فهمه الفقهاء المعاصرون لبعدهم عن أي منهج علمي لقراءة نصوص التنزيل مع كل أسف» (أم الكتاب، ص 191). وما يثيرنا بالفعل لديه هو التسرع الكبير الذي يطبع مواقفه من التراث أو «المنظومة التراثية» المفضلة عنده، إذ يندفع نحو كيل الاتهامات حتى دون أن يحدد موقفه بدرجة أولى، ودون أن تكون الصورة واضحة لديه.
لقد أكد أنه لا اجتهاد في الآيات المحكمات، كما رأينا سابقا، وكما يقول في هذه الفقرة: «فهذه الآيات غير خاضعة للاجتهاد الإنساني لأنها محكمة، لذلك سماها التنزيل الحكيم أم الكتاب» (أم الكتاب، ص 179)، وفي الوقت نفسه يقول في الاستشهاد أعلاه إنه «لا اجتهاد إلا في النص وفي تفصيل المحكم تحديدا»، لنفهم أن الاجتهاد محظور في المحكم جائز في تفصيل المحكم. بيد أننا عندما نريد فهم ما يعنيه بتفصيل المحكم لا نظفر بشيء، لكننا نعرف -من خلال الصفحات السابقة- أن «التفصيل المحكم» قسم من أقسام اللامحكم-اللامتشابه، الذي يضم «آيات تفصيل المتشابه، وآيات تفصيل المحكم، وآيات تفصيل الكتاب» (أم الكتاب. ص 20). غير أننا سنفهم لاحقا أن المقصود بـ«تفصيل المحكم» هو تفاسير الفقهاء، كما سنرى مع مثال الصيام الذي يقترحه علينا.
ونرجع إلى حديثه عن الاجتهاد لنرى أنه يتحدث عن الاجتهاد في النص «وفي تفصيل المحكم تحديدا»، ونتبين أنه يخلط خلطا فظيعا بين النص والمحكم، دون الحديث عن مفهومه المبتكر «تفصيل المحكم». فالنص ليس هو المحكم عند الفقهاء والأصوليين، وهما معا قسمان من الأقسام الأربعة الواضحة الدلالة، التي هي: الظاهر، والنص، والمفسر والمحكم. فالظاهر -كما يدل عليه لفظه- هو كل لفظ أو كلام ظهر المعنى المراد به للسامع بصيغته، من غير توقف على قرينة خارجية أو تأمل، والنص هو ما كان أشد وضوحا من الظاهر بقرينة تقترن باللفظ صادرة عن المتكلم، وحكمهما معا وجوب العمل بهما مع احتمال التأويل إن كانا خاصين، أو تخصيصهما إن كانا عامين، أو احتمال النسخ. والمفسر (بفتح السين) هو اللفظ الدال على معناه دلالة أكثر وضوحا من النص والظاهر، حيث لا يحتمل التأويل والتخصيص، لكنه يقبل النسخ في عهد الرسول، أما المحكم فهو اللفظ الذي يدل بصيغته على معناه دلالة واضحة لا تحتمل تأويلا ولا تخصيصا ولا نسخا في حياة الرسول ولا بعد وفاته بالأولى (وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي. الجزء الأول).
لكن محمد شحرور يخلط بين النص والمحكم، ويتعامل مع القرآن على أساس أنه نص مفتوح دون ضوابط، بل المعضلة الكبرى أنه يرفض الضوابط التي وضعها العلماء والفقهاء المسلمون بدعوى أنها تقيد حرية الاجتهاد، فيما هو يضع «ضوابط» جديدة أكثر اضطرابا وإرباكا للقارئ، ودليلنا في ذلك أنه هو نفسه يقع في الارتباك جراء الضوابط التي وضعها بنفسه.