الزعماء السياسيون مشغولون في هذه الأثناء بما هو أهم بالنسبة إليهم؛ الانتخابات. تنشيط فروع الأحزاب ليس سوى طقس شكلي. القادة السياسيون الذين يعتقدون أن لديهم خبرة وحنكة، يرون مشكلتهم في مكان آخر غير أنفسهم، وهم، بقدر متفاوت، محقون. قوانين الانتخابات هي تلك التفاصيل التي يختبئ فيها الشيطان. وتستطيع السلطات، باسم مشاورات صورية، أن تنهض بوظيفة الراعي الرسمي لرغبة الكيانات السياسية في تعديل قوانين أريد لها، بشكل جوهري، ألا تترك فرصة لولوج أي تقدم سياسي للبلاد من نافذة الانتخابات.
لا تنخدعوا، إذن، بالحفاوة التعيسة بالمناقشات الجارية حول تعديل قوانين الانتخابات. ليس هناك هدف حقيقي من وراء كل ذلك. إن زعيما اشتراكيا مثل إدريس لشكر -وإن كان غير مسنود بشرعية معقولة- وهو يطالب كل مرة بتعديل قوانين الانتخابات، لا يفعل ذلك لأنه يبحث عن إحراز تقدم ديمقراطي. كلا، فهو يبحث عن طريقة، كيفما كانت بغيضة، لكي يدفع برأس حزبه قليلا نحو أعلى سطح المياه حيث يواجه غرقا محتوما. وبشكل ضمني، فهو يعكس الاحتجاج الرسمي على الغلبة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية، وهو يسوق حلولا غالبا ما تُفتى عليه قبلا. وبالنسبة إلى هذا السياسي، فإن القصة كاريكاتورية؛ في 2016، طلب أن تكون العتبة أدنى مما هي عليه. ولقد تحقق له ذلك. كان يردد، طيلة ذلك العام، أن عتبة 6 في المائة كلفت حزبه، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، 10 مقاعد. في 2011، كان حزبه قد حصل على 39 مقعدا، وهي نتائج جيدة حققها سلفه عبد الواحد الراضي. ماذا حصل في 2016 بعدما استجيب لمطلبه بشأن العتبة؟ لقد فقد 19 مقعدا دفعة واحدة.
دعونا من القادة الذين يبدو أن أقدامهم بالفعل غير ملتصقة بالأرض، وإن كانوا قد ألفوا هذه العادة السيئة. لدى السلطات أرض خصبة في القوانين الانتخابية، حيث يمكنها أن تجعل الرابحين والخاسرين سواء. الفكرة بسيطة؛ إذا لم تسمح لأي حزب بأن يحصل على أغلبية مطلقة في الانتخابات، فإنك في موضع مريح. هذه قاعدة مخزنية قديمة، وليس هناك مؤشر على وجود الاقتناع الكافي بتغييرها. إن أي عملية لتعديل قوانين الانتخابات ليست سوى تزكية مسبقة لوضع انتخابي غارق في الاختلال الديمقراطي. إن السلطة لا تصنع من الانتخابات سوى فرجة موسمية خالية من أي معنى سياسي. وهي، على ما يبدو، تخطط لسد الثغرة التي سمحت لهذه الوضعية أن تتخذ معنى قسريا؛ أي الفصل 47 من الدستور، حيث بات الملك مجبرا على تعيين رئيس حكومته من الحزب الحائز المرتبة الأولى في الانتخابات. هذه نقطة تسلل واضحة لنظام ترسخ لعقود بشأن ما يجب أن تكون عليه الانتخابات. ومن المؤكد أن قادة مثل لشكر سيكونون في الصف الأمامي مستقبلا، لكل أولئك المتحمسين لتغيير ذلك الفصل. وعلى ما يظهر لي، فإن عملية التطعيم الجارية لحزبه، بالأطر ذات الصيت السياسي، إنما هي مساحيق تتخذ لنفسها مكانا مسبقا على الوجه الذي سوف يدافع عن ذلك التغيير، ويمنحه مصداقية. ولكي نكون منصفين، ليس لشكر وحده من سيتخذ وضعا حربيا في هذا الاتجاه، سنرى أيضا عبد اللطيف وهبي وقد أضحى مدافعا صلبا عن منح الملك صلاحيات أوسع في هذه القضية.
وإذا كانت تبدو مثل هذه المناقشات تقنية محضة، فإن المهندسين لديهم خطط إضافية لجعل الانتخابات وسيلة غير عملية لإقرار نظام حكامة في نظام ديمقراطي. لنبدأ، إذن، من عملية تطهير واسعة لرؤساء الجماعات. هؤلاء يشكلون طبقة رخوة، وغالبا ما يتعرضون للأذى بسبب مناصبهم، والقناعات حولهم منقسمة ومثيرة للجدل. أن تقود رئيس جماعة إلى السجن، أو أن تأمر بعزله، ليس بأمر يدفع إلى المعارضة أو الاستهجان. حظي رؤساء الجماعات بسمعة سيئة على الدوام، وعادة ما يشعر الناس بأن الطريقة الوحيدة لإيقافهم هي السلطة غير المنتخبة. وبقدر ما تبدو العملية بسيطة، فهي أميل إلى أن تكون عاطفية، وبالتالي، على قدر كبير من التعقيد. إليكم بعض الدلائل؛ السلطات القضائية باتت أكثر مرونة إزاء الشكايات حول فساد رؤساء الجماعات. يمكن جهاز شرطة، مثل الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، أن يعبئ مقدراته دون بطء، بهدف التحقيق في شكاية ضد رئيس جماعة بالكاد تقدم دليلا صلبا. وكأن الأمر يتعلق بتوزيع للأدوار. تحتاج السلطات إلى شكوى من فاعل بالمجتمع المدني، وهي تتكفل بما تبقى. أصبحت الشائعة كافية، ومضامين الشكاية الأصلية عادة ما لا تشكل مضمون التحقيق النهائي للشرطة، لكن رؤساء جماعات يقبعون في السجن في الوقت الحالي ليس بسبب فسادهم -وهم فاسدون بالطبع- ولكن لأن السلطات قررت أن تلعب هذه اللعبة فجأة قبيل الانتخابات. من المخزي أن تلجأ السلطات إلى كيانات بسيطة لمواجهة فساد سياسي هائل. وبعدما كانت جمعيات تشكو باستمرار، ولسنوات، تجاهل رسائلها، فجأة، تحول كل سطر من الحشو اللغوي الذي تتضمنه تلك الشكاوى إلى فصل قانوني قابل لبناء متابعة.
وإذا لم يكن ذلك كافيا، فإن للسلطات حلولا جاهزة: العزل. لم تخسر السلطات حتى اليوم دعوى عزل ضد رئيس جماعة قدمتها ضده في المحاكم. ومن الغريب أن هذه السلطات وجدت في هذه الفترة مناخا مناسبا لعزل رؤساء الجماعات، بالرغم من أن عرائض الدعاوى تضمنت جميعها، بالأساس، مخالفات يعود تاريخها إلى العام الثاني من تولي رؤساء الجماعات مناصبهم.
يجب ألا تتحول مكافحة الفساد السياسي إلى تطهير ذي خلفية سياسية. ودون شك، فإننا، في هذه المرحلة، إزاء عملية غامضة؛ الوسائل واضحة بالطبع، لكن الغايات مشوشة. وبالنسبة إلي، هناك شيء مؤكد: إن السلطة ستحصل على ما تريد في نهاية المطاف.