كيف سيكون العام بعد كورونا؟ هذا السؤال أصبح حديث الساعة في مختلف وسائل الإعلام عبر العالم. كيف سنكون بعد الحجر الصحي؟ تغييرات متوقعة في العلاقات الاجتماعية، ودور الدولة وأولوية القطاع الصحي، ومفاهيم حقوق الإنسان. لكن، قبل الحديث عن مرحلة ما بعد كورونا، هناك من يتساءل: هل سينجح العالم في القضاء على الفيروس وتوقيف انتشاره وفتكه بالأرواح؟ هناك بارقة أمل تظهر في الأفق وتبعث على التفاؤل، حملها المغربي منصف السلاوي، الخبير في علم المناعة واللقاحات المقيم في الولايات المتحدة، والذي استضافه الزميل عبد الله الترابي في برنامج «حديث مع الصحافة» في القناة الثانية، مساء الأحد 12 أبريل. يبشرنا السلاوي، الذي يشرف على أبحاث لقاحات ضد كوفيد19 في أمريكا، بأمرين؛ أولا، هناك أدوية في طور التجريب وستكون جاهزة وفعالة في بداية شهر يونيو. ثانيا، هناك 30 تجربة للقاحات مضادة للفيروس عبر العالم، منها لقاحان يخضعان للتجارب السريرية، وسيكون اللقاح جاهزا مع نهاية هذا العام. إذن، لا بد من التفاؤل بقرب القضاء على الفيروس، والاستعداد للتغييرات في حياتنا بعد انحساره، ويمكن ذكر أربعة منها:
التغيير الأول اجتماعي، فكيف ستكون العلاقات بين الناس بعد الحجر الصحي؟ سوف ننتقل بالتأكيد من «التباعد الاجتماعي» إلى «الحذر الاجتماعي»، فالناس سيتجنبون أكثر الأماكن المزدحمة، وسيكونون أكثر حذرا في تبادل الزيارات وولوج المسارح والمطاعم، وارتياد الفنادق، وغيرها من الأماكن المزدحمة. وقد يصبح وضع الكمامات أمرا عاديا في الأسواق وفي المطارات والأماكن العامة. سيزداد الحذر أيضا تجاه بعض العادات الاجتماعية المرتبطة بالمصافحة والعناق، وحضور الولائم والمناسبات، وسيكون على الباحثين الاجتماعيين رصد هذه التحولات العميقة وتحليل آثارها مستقبلا.
يرتبط التغيير الثاني بدور الدولة وتغير نظرة الناس إليها، وعودة الثقة في السلطة. فهذه الجائحة أظهرت أن الدولة الوطنية القوية الراعية هي القادرة على مواجهة الأخطار والتهديدات حتى في الدول الأكثر ليبرالية، وهي القادرة على توفير الحاجيات المعيشية والطبية في ظل الأزمة الصحية. فأغلبية الدول التي اجتاحتها «كورونا» انكفأت على ذاتها، وكرست جهدها لحماية مواطنيها، وتوفير الإمكانيات المالية والطبية واللوجيستيكية لمواجهة الجائحة، وتخلت عن مساعدة الدول الضعيفة. وفي المغرب، أعادت كورونا ثقة المواطنين في قدرة الدولة على مواجهة تحدي الفيروس، ولقيت القرارات التي اتخذتها السلطات تأييد أغلبية المواطنين، سواء منها توقيف المدارس أو إغلاق المساجد. فحسب الاستطلاع الذي أنجزه المعهد المغربي لتحليل السياسات، فإن ما بين 71 في المائة و93 في المائة أيدوا التدابير التي اتخذتها السلطة. ويؤشر هذا التحول على أن الدولة مستقبلا ستتقوى، وستميل أكثر إلى الخبراء والتقنوقراط على حساب السياسيين، لأن التحديات الاجتماعية والسياسية ستكون كبيرة جدا، ما يطرح تحديات حول مدى إمكانية التوفيق بين متطلبات دولة راعية قوية، من جهة، وديمقراطية ضامنة للحقوق والحريات من جهة أخرى.
التغيير الثالث حقوقي، ويتعلق أساسا بتحدي الحق في الحياة الخاصة، فقد أصبح استعمال التكنولوجيا في عدة دول، كالصين وكوريا الجنوبية، أداة فعالة لمراقبة انتشار المرض، عبر تطبيقات ذكية تراقب تنقلات المواطنين وتراقب حالتهم الصحية، وجرى اللجوء إلى هذه التقنية حتى في دول أوربية، ولكن، مقابل هذا النجاح، جعل سؤال الخصوصية المهتمين بحقوق الإنسان يخشون توسيع وسائل المراقبة التكنولوجية في مرحلة ما بعد كورونا.
يرتبط التغيير الرابع بأولوية القطاع الصحي باعتباره أصبح قضية «أمن قومي». صحيح أن العالم سبق أن شهد في القرون الماضية انتشار أوبئة قضت على ملايين البشر، لكن منذ جائحة الأنفلونزا الإسبانية، التي استمرت من 1918 إلى 1920، وأهلكت الملايين، مستغلة حالة عالم منهك بعد الحرب العالمية، شكل كوفيد19 تحديا ذا طبيعة خاصة، لأنه باغت العالم المتطور المتقدم تكنولوجيا، وركع دولا متقدمة تكنولوجيا وعلميا، مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وغيرها. فرغم ظهور فيروسات سابقة خطيرة من عائلة كورونا، مثل «سارس»، و«متلازمة الشرق الأوسط»، ورغم التحذيرات التي أعلنها خبراء الأمراض والفيروسات من ضرورة الاستعداد لظهور فيروس خطير، فإن ذلك لم يكن كافيا لإيقاظ العالم الرأسمالي وتنبيهه إلى الخطر قبل أن يحدق به. لقد وُضعت خطط لتوقع الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والفيضانات وغيرها، لكن لم يُتوقع اجتياح فيروس قاتل للعالم بهذا الشكل. وهذا مؤشر على أن مرحلة ما بعد كورونا سيتعزز فيها دور القطاع الصحي العمومي، سواء من حيث البنيات التحتية أو التجهيزات أو الموارد البشرية أو البحث العلمي، خاصة زيادة المعرفة بالفيروسات وتطورها. وفي المغرب، يظهر من التعبئة التي جرت خلال أسابيع، كيف وُفِّرت إمكانيات مهمة لهذا القطاع، وكيف جرى تعزيزه بأطر الطب العسكري، ما يؤشر على أن هذا القطاع سيحظى بالأولوية في السنوات المقبلة.
وهناك تغييرات أخرى آتية ستفرضها ظروف ما بعد الحجر، من قبيل تعزيز العمل عن بعد، والتعليم عن بعد، والتطبيب عن بعد، والتجارة عن بعد… أبعد الله عنكم شر الوباء.