من حسنات «تسريب» مشروع القانون حول استعمال مواقع التواصل الاجتماعي، والذي بات يطلق عليه اسم «قانون الكمامة»، أنه أظهر أن سلطة الرأي العام حاضرة وقوية ويقظة في ما يتعلق بكل ما يمس الثوابت التي تقوم عليها البلاد. فبمجرد ما تبين أن المشروع يمس الحريات، ويضرب في العمق المكتسبات الحقوقية، حتى تتالت ردود الفعل الرافضة إياه من كل الاتجاهات السياسية والحقوقية ووسط نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي. معظم الأحزاب أصدرت بلاغات ترفض المساس بالحريات، بما فيها أحزاب الأغلبية الحكومية التي صادقت على النص. جرى إطلاق عريضة توقيعات تندد بهذا المشروع، وأصدِرت عدة بلاغات لعدة جمعيات تندد به، وتحولت الشبكات الاجتماعية إلى ساحة للنقد والسخرية من هذا النص وإدانته، والمطالبة بسحبه، إلى درجة أننا لم نستطع، في ظل الإجماع على رفضه، أن نسمع صوتا واحدا يدافع عنه. وبقي وزير العدل، محمد بنعبد القادر، وحيدا في هذه المعركة، فهو الذي قدم المشروع أمام مجلس الحكومة، واعترف بأنه هو من أعده، رغم أنه حاول الاختباء وراء مجلس الحكومة. فحتى حزبه، الاتحاد الاشتراكي، لم يقدم له أي دعم، بل سعى إلى التبرؤ منه، بل هناك أصوات من الحزب تطالب باستقالته لما لحق صورة الاتحاد من ضرر. وأمام هذا الضغط، اضطر بنعبد القادر إلى طلب تأجيل عمل اللجنة الوزارية التي كلفت بتعديل المشروع المثير للجدل، إلى حين انتهاء فترة الطوارئ الصحية، وفتح مشاورات بشأنه. لكن، هل المغرب بحاجة إلى هذا القانون، في هذه الظرفية الصعبة التي تحقق فيها إجماع وطني لمواجهة وباء كورونا؟
لا بد من التذكير بأن هذا المشروع في الأصل كان يستهدف نشر الأخبار الزائفة عبر مواقع التواصل، وكان مقررا أن تقدمه وزارة الاتصال، واشتغل عليه الوزير مصطفى الخلفي، ثم بعده محمد لعرج، لكنه سُحب من وزارة الاتصال، ونُقل إلى وزارة العدل في عهد محمد أوجار، الذي اشتغل على مسودته الأولى، وعندما خلفه محمد بنعبد القادر، تسارع تهييء المشروع، واختيرت ظرفية تفشي وباء كورونا لمحاولة تمريره، وتبين أنه تضمن جرائم لم تخطر على بال أحد. في 18 مارس، جرى إعلان إدراجه في جدول أعمال الحكومة، وصودق عليه في الاجتماع الذي عقد في 19 مارس، وتبين أن خلافا أثير حوله اقتضى تشكيل لجنة وزارية لإعادة صياغته. ومن المبررات التي قدمها مجلس الحكومة، أن هذا النص جاء لسد الفراغ التشريعي الذي تعانيه المنظومة القانونية، وردع السلوكات المرتكبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من قبيل نشر الأخبار الزائفة.. «خاصة في هذه الظرفية التي تمر منها البلاد، والمتسمة بتفشي وباء كورونا». وبالتالي، فقد رُبط هذا النص بالجائحة، إلى درجة أنه حمل رقم 22.20، في حين أن قانون إعلان حالة الطوارئ، الذي صودق عليه فيما بعد، حمل رقم 23.20.
لكن، عندما نقرأ مذكرة تقديم المشروع، نجد الحكومة تبرره أيضا برغبتها في سد الفراغ القانوني في ما يخص «المساس بالنظام العام الاقتصادي أو بالسير العادي لمؤسسات الدولة». لا أحد انتبه إلى هذه العبارة رغم نشرها منذ 19 مارس، لأنه وقع التكتم على نص المشروع، ولم يجرِ التعرف على الجرائم الجديدة، ولم يظهر ذلك إلا بعد تسريب مشروع القانون أخيرا، وكشف الجرائم التي «تمس بالنظام العام الاقتصادي»، وهي: «الدعوة إلى مقاطعة المنتجات والسلع»، و«تحريض العموم على سحب الأموال من الأبناك»، و«التشكيك في جودة وسلامة بعض المنتجات والبضائع»، ومعاقبة من قام بذلك بالحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات، وغرامة. كان واضحا أن هذا التجريم جاء لوضع حد لتكرار حملة المقاطعة التي عرفها المغرب في ماي 2018، والتي انطلقت من مواقع التواصل، وخلفت ضررا لعدد من الشركات. لهذا، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بحملات انتقاد واسعة لهذا التجريم الذي يمس بحرية التعبير، وانتقلت إلى الأوساط الحقوقية والسياسية.. فهل بهذه الطريقة يمكن مواجهة حملات المقاطعة والحد منها، أم يجب تعزيز المنافسة في السوق واحترام المستهلك؟ فالجميع يعرف أن المقاطعة بدأت مزحة، ونجحت بسبب شعور عام بغياب حماية المستهلك، وجشع شركات المحروقات، على الخصوص التي راكمت الأرباح مستفيدة من الاحتكار وتحرير الأسعار. نحمد الله أن الخلافات داخل الحكومة حول هذا المشروع وجدت طريقها إلى الرأي العام الذي كانت له الكلمة الفصل، وإلا لكان هذا النص اليوم محالا على البرلمان.