خلف أبواب الحجر الصحي: كسر تاء التأنيث المربوطة- ربورتاج

10 مايو 2020 - 23:00

يقدم الربورطاج التالي عينة من الشهادات لنساء يتعرضن للعنف والضرب والاغتصاب الزوجي، فضلا عن تسجيل حالات الطرد من بيت الزوجية. كما يكشف عن صعوبة التبليغ التي تُفرض على النساء المعنفات، في ظل هذه الظروف الصحية، والتي تقتضي التقيد بإجراءات التباعد الاجتماعي والبقاء في المنزل.

ليستنشق المرء منا هواء نقيا، لا بد له أن يقف على شرفته أو يطل مغمض العينين من نافذة البيت على الشارع أو نحو البيوت المقابلة. ماذا لو فَتحتهُما ونظرتَ صوب المنازل التي توجد أمامك وبجانبك، وتساءلت مع نفسكَ، ماذا يقع خلف هذه الأبواب الموصدة التزاما بالحجر الطبي للحد من تفشي جائحة كورونا؟ كم من صرخة لم تتمكن من اختراق جدران هاته البيوت، في ظل ارتفاع العنف الموجه ضد النساء خلال فترة الحجر الصحي؟ تمرين بسيط والحقيقة لكنه مرهق، يدفعنا إلى استحضار نتائج البحث الوطني الثاني حول العنف ضد النساء ببلدنا، والذي صدر قبل سنة من اليوم، ليصفعنا بحقيقة مرعبة نحو 54,4  في المائـة من النساء المغربيات تعرضن للعنف الأسري داخل بيوتهن، 55,8% منها في المجال الحضري، فيما بلغت نسبة النساء المعنفات في المجال القروي 51,6%. لنعود إلى السؤال الأول، ما الذي يحدث خلف البيوت الموصدة خلال فترة الحجر الطبي الذي يشكل بيئة خصبة لتفاقم العنف ضد النساء؟ وكيف تتعايش تلك النساء مع معنفيهم تحت سقف واحد طيلة الشهرين؟

أصوات من رحم المعاناة

“يحدث ما يحدث. دائما لحمي قْسَاحْ”. كان هذا الجواب الصادم لسليمة، امرأة أربعينية تنحدر من مدينة أكادير وتعمل بمكتب توثيق، تزوجت قبل سنتين فقط، حالتها المادية وحالة زوجها الذي تعرفت عليه عن طريق إحدى قريباتها جيدة. إذ تصف لنا سليمة وبحسرة شديدة كيف أقدمت على الزواج بعد رفض طويل. “تأخرت في الزواج، لكن بإلحاح من عائلتي التي كانت تضغط علي، اضطررت إلى القبول برجل غريب يقرب ابنة عمتي، أي إنه زواج تقليدي محض، وأنا الشابة الجامعية الواعية. جرى الأمر بعدما التقينا فقط مرتين، وكانت تبدو عليه علامات المودة والاحترام لكينونة المرأة في اللقاءين. كان شرطي الوحيد هو أن أستمر في عملي. وافق بسهولة”، تقول سليمة، مضيفة “بعد زواجنا بأقل من أسبوعين، وجدت نفسي ضحية لعنف نفسي ولفظي وجسدي فوق الاحتمال. طبعا، سقط قناع الاختباء وراء القيم”.

وعن سبب عدم لجوئها إلى الطلاق، تقول سليمة، التي اختارت أن تحادثنا كتابة: “ارتعبت، لم أكن قادرة على الإفصاح لعائلتي بحقيقة هذا الزواج، وأنا الابنة البكر القوية والمجازة في القانون، كيف لي أن أخبرها أن ابنتها القوية كسرها هذا الرجل. استصعبت الأمر على نفسي وتجنبت زيارة أهلي مخافة أن يلاحظوا كدمات على وجهي أو ذراعي”، مردفة: “بعد مدة طلبت الطلاق، وكنت مستعدة لتحمل تبعات قراري هذا، لكن كان حملي بوليدي سبباً كي يضغط عليّ الأهل الذين أخبرتهم فيما بعد، فرجحوا أن ينصلح الحال. وفعلا صبرت. أما من جانب الزوج، فقد وعدني بأن يتغير، لكن وبعد وضعي لمولودي عادت حليمة لعادتها القديمة. إذ عاد الضرب والركل والتعنيف والتهديد، خاصة عندما طلبت الطلاق، لكن فيروس كورونا منعني بعد فرض الحجر الطبي من تنفيذ قراري. إذ وجدت نفسي وبشكل يومي في وجه هذا الوحش الذي يعمل من البيت. مضى شهر ثم جرى تمديد الحجر لشهرين. وفعلا لحمي قساح بالضرب، لكن أسوأ ما في الأمر هو أنني تعودت”.

وتؤكد شهادات النساء المعنفات، التي توصلت بها “أخبار اليوم”، الارتباط الوثيق بين التبعات الاقتصادية للأزمة التي يشهدها المغرب وبين ازدياد حدة العنف وتعاظمه، فسليمة ليست الوحيدة.. عفاف، شابة عشرينية تنحدر من مدينة الدار البيضاء، كانت تتحدث إلينا خلسة من الحمام منذ أسبوع لتروي قصتها، ثم تعود لتحذف الرسائل مخافة أن يطلع عليها زوجها الذي كان يعمل في أحد فنادق المدينة قبل أن يجد نفسه موقوفا من العمل بعد تضرر هذا القطاع، وبالتالي، أصبح ملزما بالبقاء في البيت طيلة اليوم، في إطار الحجر الطبي، فيما يتقاضى تعويضات التوقف المؤقت عن العمل بسبب “كورونا” من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

تقول عفاف، إنها ارتبطت بشريك حياتها عن حب، فبعد حصولها على الإجازة في الإعلام، خيرها زوجها بين العمل في إحدى الإذاعات الخاصة التي كان جرى قبولها بها، أو إمضاء ما تبقى من حياتها معه، فكان الخيار بالنسبة إلى الشابة الحالمة هو الزواج والتخلي عن حلم مهني لازمها منذ طفولتها. “السنة الأولى من الزواج كانت جيدة، لكن بدأت الأزمة المادية تؤثر على استقرارنا. طلبت من زوجي أن أعمل، وفعلا اشتغلت في إحدى القنوات التلفزيونية الجديدة، كنت سعيدة جدا بعودتي إلى العمل دون أن أخسر زوجي، لكن غيرته فاقت الحدود وبدأ الضرب، وجهي كانت تطبعه الكدمات التي كنت أحاول إخفاءها بالماكياج، أمام الكاميرا، لكن نظرة زميلاتي إليّ بشفقة دفعتني إلى تقديم استقالتي لأعيش الجحيم نفسه، لكن هذه المرة بشكل متكرر”، تقول عفاف التي أوضحت في حديثها لـ”أخبار اليوم”، أن زوجها من الرجال المدخنين والعصبيين، وهو ما يدفعه، حسب المتحدثة نفسها، “يصب جم غضبه عليها على أبسط ملاحظة أو نقاش، أو فقط بدعوى أنه صائم، وذلك بصفة شبه يومية”.

التواصل مع النساء المعنفات لم يكن بالأمر الهين، خاصة وأن ظروف الحجر الطبي جعلت منهن حبيسات البيوت مع معنفيهن، فكان التواصل غالبا ما يكون متقطعا وخلسة، إذ تارة يبعثن تسجيلات ويحذفنها، وتارة ينتظرن مغادرة الأزواج للبيت من أجل التبضع.. تستصعب تلك النساء “الفضفضة” أو الإفصاح عما يخالجهن في هذه البيئة غير الآمنة بالنسبة إليهن، والنساء اللواتي قبلن فتح قلوبهن، لـ”أخبار اليوم” بصعوبة كبيرة، يدركن جيدا أن تقييدات حالة الطوارئ والحجر الصحي، فضلا عن ضبابية المستقبل يولد لدى الجميع ضغطا نفسيا، لكنه أيضا ينشئ بيئة خصبة لتفاقم العنف ضد النساء، وتعريض استقرارهن النفسي وحياتهن للخطر وهو ما يستدعي التّدخل السريع للسلطات، من إيجاد حلول حقيقية للوضع الذي يتطلب جعله على سلم أولويات الحكومة لمنع تنامي ظاهرة تعنيف النساء خلال هذه الفترة الحساسة والحرجة التي يمر منها بلدنا أسوة بدول العالم.

على عكس سليمة وعفاف، قصة سناء التي تعمل منظفة البيوت بمدينة تمارة مختلفة، فالشابة الثلاثينية قررت التبليغ عن معنفها لدى السلطات المختصة فور إقدام زوجها على طردها من بيت الزوجية في عز حالة الطوارئ.

تقول سناء، التي ارتبطت قبل خمس سنوات بزوجها الإسكافي، وعاشت معه ومع عائلته المكونة من خمسة أفراد تحت سقف واحد، أنها لطالما تحملت عصبيته وضربه لها على مرأى من أهله وجيرانه جراء إدمانه على المخدرات، وذلك حتى قبل الحجر الطبي، فضلا عن الاغتصاب الزوجي، تحكي الشابة بمرارة قاهرة، “كنت أدعي الصبر وأتحمل تبعات قراري، لأجل ابنتي البالغة من العمر 3 سنوات، خاصة وأن لا دخل قار لي، كما أني غير مصرح بي في الضمان الاجتماعي، فأنا أعمل في كذا بيت في الوقت عينه مقابل أجر زهيد، لكن بعد فيروس كورونا، ساء الوضع أكثر، إذ توقف عملي وعمل زوجي أيضا، كما أننا لم نتوصل بأي معونة من الدولة إلى حدود اليوم”، على حد تعبير سناء.

وتضيف المتحدثة: “هذا الفيروس تسبب لنا في أزمة مالية خانقة في البيت، ما اضطرني إلى الالتجاء إلى كل ما ادخرته لاقتناء مسكن لنا، لكن زوجي أخذه مني خلسة، أو لأكون أكثر وضوحا سرق تعب وشقاء سنوات من عملي في تنظيف البيوت والمراحيض، ليشتري به ذلك السم الذي يتعاطاه، وعندما واجهته ضربني وشتمنى ثم طردني أنا وابنتي وبقينا في الشارع لساعات قبل أن تستقبلني جارتي، التي قالت لي عن رقم التبليغ عن النساء المعنفات، وهو ما فعلته”.

العنف النفسي في المقدمة 

تقصد سناء بـ”رقم التبليغ”، منصة الاستماع التي خصصتها فيدرالية رابطة حقوق النساء من أجل دعم وتوجيه النساء والفتيات في الحجر الصحي ضحايا العنف الأسري، وتحقيق الاستماع عن بعد عبر مراكز شبكة رابطة إنجاد.

وإلى حدود مستهل هذا الأسبوع تمكنت فيدرالية رابطة حقوق النساء، من تسجيل 541 فعل عنف، جرت ممارسته على المغربيات منذ إعلان حالة الطوارئ الصحية، مشيرة إلى أن “هذه الأرقام لا تعكس الوضع الحقيقي لظاهرة العنف الذي تعيشه النساء بسبب ظروف الحجر”.

وقالت فيدرالية رابطة حقوق النساء، إنها استقبلت خلال الفترة الممتدة بين 16 مارس الماضي و24 أبريل الجاري، عبر مختلف الخطوط الهاتفية التي وضعتها في خدمة النساء، 240 اتصالا هاتفيا للتصريح بالعنف، من قبل 230 امرأة عبر مختلف جهات المغرب.

وبحسب الفيدرالية، فقد شكل العنف النفسي أعلى نسبة بـ 48,2 في المائة، يليه العنف الاقتصادي بنسبة 33 في المائة، ثم العنف الجسدي الذي تجاوز نسبة 12 في المائة، ناهيك عن بعض حالات العنف الجنسي. كما سجلت “حالات الطرد من بيت الزوجية، كفعل جرى تسجيله واستدعى بإلحاح التدخل لتوفير خدمة الإيواء للنساء”.

ووفق المعطيات التي قدمتها الفيدرالية، فإن “العنف الزوجي، بما فيه عنف الطليق بكل أشكاله، طغى على أنواع العنف الممارس ضد النساء خلال فترة الحجر الصحي، حيث شكل نسبة 91.7 في المائة، يليه العنف الأسري بنسبة 4,4 في المائة، ويتضمن أفعال العنف الممارس على النساء من قبل أفراد الأسرة”.

وأضافت الفيدرالية، في بيان لها، توصلت به “أخبار اليوم”، إنها “قدمت عبر شبكة الرابطة إنجاد ضد عنف النوع، خلال هذه الفترة، ما مجموعه 492 خدمة، توزعت بين الاستماع وتقديم الاستشارة والدعم النفسي، بالإضافة إلى التوجيه والتدخل والتنسيق والتعاون مع مختلف الفاعلين وغيرهم، من أجل تمكين النساء من عدد من الخدمات ضمنها الإيواء لما يقرب من عشر ضحايا”.

وفي انتظار نشر تقرير مفصل، اعتبرت الفيدرالية أن هذه الأرقام لا تعكس الوضع الحقيقي لظاهرة العنف الذي تعيشه النساء بسبب ظروف الحجر الصحي وصعوبة توفرهن على المعلومة، وعلى الوسائل والشروط من أجل التواصل والتبليغ”.

من جانبها، أبدت لطيفة بوشوى، رئيسة فيدرالية رابطة حقوق النساء، تخوفها الكبير من ارتفاع نسب العنف ضد النساء والاغتصاب الزوجي خلال الحجر الصحي الذّي مدد المغرب العمل به كإجراء احترازي للحدّ من انتشار فيروس كورونا المستجد، مشيرة إلى أن النساء المعنفات يواجهن صعوبة كبيرة في التبليغ، في ظل هذه الظروف الصحية التي يعيشها بلدنا، والتي تفرض على النساء الالتزام بإجراءات التباعد الاجتماعي والبقاء في المنزل.

وتعتبر الفاعلة الحقوقية أنّ النساء هن الأكثر تضررا والحلقة الأضعف في هذه الوضعية الحرجة التي تعيشها البلاد والعالم، جراء فيروس “كوفيد 19″، مبدية قلقها الشديد من أن تكون الأرقام التي أدلت به الفيدرالية بعد جرد الاتصالات التي توصلت بها مراكز الاستماع مضاعفة، خاصة مع ازدواجية العنف الذي تتعرض له عشرات النساء في وضعية صعبة بالمغرب بين عنف اقتصادي وآخر زوجي أو أسري.

ولتفادي تفاقم أكبر وأخطر للعنف ضد النساء، أوصت الفيدرالية بوضع تدابير أسهل لتمكين النساء من التبليغ عن العنف في الصيدليات أو في أماكن آمنة ومتاحة في الأحياء أو عبر أرقام مجانية، واعتماد تدابير إبعاد المعنفين عن الضحايا بشكل تلقائي من قبل النيابة العامة وإبقاء النساء وأطفالهن في بيت الزوجية.

كما أوصت بضمان استمرارية عمل وتفعيل أكبر لأدوار الخلايا المحلية والجهوية واللجان المكلفة بموجب القانون بمناهضة العنف ضد النساء، وتوفير الخدمات وضمان الحماية الواجبة لهن خلال هذه الفترة الصعبة، وكذا توفير أوسع وسريع لخدمات الإيواء المؤسساتي للنساء، مع تسهيل تنقلهن إلى هذه المراكز، وتكثيف شروط الوقاية والسلامة الصحية في ظل انتشار الوباء.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.