فسحة رمضان على "أخبار اليوم".. خصوم ابن تيمية يزورون فتوى للإيقاع به- الحلقة 17

15 مايو 2020 - 19:00

يعد ابن تيمية واحدا من الفقهاء والعلماء في تاريخ الإسلام الذين شغلوا مساحة واسعة من الجدل الديني والفكري والسياسي منذ قرون طويلة وإلى اليوم، سواء في العالم العربي والإسلامي أو في الثقافة الغربية، بل ربما كان الوحيد الذي ملأ الدنيا وشغل الناس أكثر من غيره، وأثيرت حوله الانقسامات، بل صار في فترات معينة عنوانا لما ليس هو، وتهمة كافية توجه إلى كل من دافع عنه أو تحدث عنه بغير اللغة التي يراد أن يُخاض بها في فكره وحياته وشخصه. بعيدا عن القراءة الإيديولوجية التي وضعت ابن تيمية خلال العصر الحديث في هذا الصف أو الصف المقابل، وجعلته إما فقيه السلطة، وإما منظرا للعنف، يحاول الدكتور إدريس الكنبوري تقديم قراءة ثالثة تسعى إلى تخليصه من الصورة النمطية، من خلال إعادة دراسته في واقعه، ووضع فكره وإنتاجه الفقهي ضمن التراكم التاريخي للفكر العربي الإسلامي (تنويه من التحرير: نظرا إلى كثرة الإحالات والهوامش نعتذر إلى القراء عن عدم نشرها).

حصلت هذه المحنة، التي كانت الأخيرة في حياته وانتهت بوفاته سجينا، عام 726. ففي تلك السنة أثيرت قضية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم بمناسبة موسم الحج عندما بدأ ركب الحجاج يصدر من الشام ومصر وغيرهما، وانتشر كلام كثير حول شد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، ومعنى «شد الرحال» أي السفر بقصد العبادة والتبرك لا لمجرد السفر للزيارة. ولأن الزوايا الصوفية ومشايخها كان لهم نفوذ في كل من الشام ومصر وقتها، فقد راج بين الناس أن زيارة قبور الأنبياء والصالحين والأولياء يمكن قياسها بزيارة المسجد النبوي، بل إن الدعاء في تلك القبور أفضل من الدعاء في المسجد الحرام وعرفة ومزدلفة ومنى، وتزعم هذه الدعوة إلى شد الرحال قاضي قضاة المالكية، محمد بن أبي بكر الأخنائي، الذي كان من كبار الفقهاء آنذاك، إذ منح التسويغ الفقهي.

وكان ابن تيمية قد سبق أن أعطى رأيه في الموضوع قبل سبع عشرة سنة من ذلك التاريخ، ونقل إجماع أئمة المذاهب الأربعة فيه، حين أفتى بعدم جواز شد الرحال إلا إذا كان ذلك بقصد الزيارة لا التعبد، وأن يفصل بينها وبين الحج حتى لا يعتقد الناس أنها جزء من شعائره، حيث ذكر أنه لو كان ذلك مشروعا مستحبا يثيب لله عليه «لكان النبي صلى لله عليه وسلم أعلم الناس بذلك وأسرعهم إليه، ولكان علم أصحابه ذلك، وكان أصحابه أعلم بذلك، وأرغب فيه ممن بعدهم، فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك، علم أنه من البدع المحدثة التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة»؛ وبذلك يتبين أن له موقفين؛ موقف منع شد الرحال، وموقف تجويز الزيارة، لكل واحد منهما أدلته لديه.

وعندما أثير الموضوع مجددا، زاره يوم العاشر من ذي القعدة من العام المشار إليه حاجب نائب السلطنة ابن الخطير، وسأله عن بضع مسائل بأمر من هذا الأخير، ومن جملتها شد الرحال، فأجاب ابن تيمية، وبعدها بيومين فقط زاره القاضي جمال الدين بن جملة، قاضي الشافعية، وناصر الدين مشد الأوقاف وسألاه عن الموضوع نفسه، فكتب ابن تيمية الجواب وسلمه إلى قاضي الشافعية، لكن هذا الأخير كتب تحت الجواب بخطه: «قابلت هذا الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية فصح»، إلى أن قال إن ابن تيمية يقول إن زيارة قبر النبي عليه السلام وقبور الأنبياء «معصية بالإجماع»، ويعلق ابن كثير قائلا: «فانظر الآن هذا التحريف على شيخ الإسلام، فإن جوابه عن هذه المسألة ليس فيه منع من زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنما فيه ذكر قولين في شد الرحال والسفر إلى مجرد زيارة القبور، وزيارة القبور من غير شد الرحال يستحبها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرض إلى هذه الزيارة على هذا الوجه في الفتيا، ولا قال إنها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها، ولا هو جاهل بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: زوروا القبور فإنها تذكرة الآخرة»، ويورد الحافظ بن عبد الهادي في «العقود الدرية» النص الكامل للفتوى، وفيها يرد ابن تيمية على من يجيز الزيارة بقصد التعبد والتبرك، واتخاذ القبور مساجد، سيرا على منهجه الصارم في اتباع السنة، وينقل إجماع أئمة المذاهب الأربعة حول المسألة، بمن فيهم الإمام مالك نفسه الذي ينتمي إلى مذهبه الأخنائي.

ولا بد أن نشير إلى أن السؤال الذي وجه إلى ابن تيمية حول الزيارة كان فيه قدر من المراوغة، بسبب الرغبة في الإيقاع به، ذلك أن الفتوى التي طلبت منه لم تكن حول زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم للعبادة، بل حول قصر الصلاة في السفر لزيارة قبر النبي، وقد أجاب بأن قصر الصلاة في هذه الحالة لا يجوز لأنه «سفر منهي عنه في الشريعة»، واستغل خصومه هذه النقطة لتوريطه.

شكلت تلك القضية مثار نزاع كبير بين ابن تيمية وعدد كبير من الفقهاء، لكن ابن تيمية ظل ثابتا على موقفه لا يتزعزع، وربما يرجع الخلاف إلى اعتماد البعض الفتوى المحرفة لإصدار حكمهم، أو ربما كانت وراء ذلك خلافات سابقة، فبرزت مسألة الزيارة لتكون ذريعة للانقضاض عليه من لدن بعض المخالفين، وبالطبع، لا يمكننا استبعاد العنصر السياسي، نتيجة النفوذ الذي كان يملكه الصوفية والفقراء، والضغوط التي مارسوها على شخصيات في الدولة. لكن تلك الفتوى لما وصلت أخبارها إلى العراق أيدها علماء بغداد، ويذكر لنا الشيخ مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي المتوفى عام 1033 في كتابه «الكواكب الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية» خمس فتاوى بنصها لخمسة من العلماء الذين ينتمون إلى المذاهب الأربعة، هم جمال الدين بن يوسف بن البقي من الحنابلة، وابن الكتبي من الشافعية، ومحمد بن عبد الرحمان البغدادي من المالكية، وكذا أبو عمرو بن أبي الوليد من المالكية أيضا.

وقد كتب ابن تيمية ردا طويلا في مئات الصفحات على الأخنائي في موضوع الزيارة، لم يترك فيه من الأدلة شيئا إلا ساقه، بما في ذلك أدلة المالكية التي كان ابن تيمية بارعا في الاستناد إليها، كما كتب تقي الدين السبكي ردا على ابن تيمية حولها، رد عليه هذا الأخير في مجلد، لكن تاج الدين السبكي يقول: «وهذا الرد لابن تيمية على الوالد لم يقف عليه ولكن سمع به، وأنا وقفت منه على مجلد».

بيد أنه يبدو أن تاج الدين السبكي ربما ذهب مع الرواية المنقولة عن ابن تيمية لا مع الفتوى الصريحة، حيث قال عن والده إنه: «قام حين خلط على ابن تيمية الأمر، وسول له قرينه الخوض في ضحضاح ذلك الجمر، حسن سد باب الوسيلة، يغفر الله له ولا حُرمها، وأنكر شد الرحال لمجرد الزيارة»، وواضح من عبارة «لمجرد الزيارة» أن السبكي يتحدث عن الرواية المنتشرة.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.