يعرف المشهد الجيوسياسي والجيوستراتيجي المجاور والإقليمي والدولي تحركات وتقلبات مهمة لديها انعكاسات مباشر وعميقة على المغرب، والتي تهم بالدرجة الأولى قضيته الأولى؛ وهي الوحدة الترابية، إلى جانب المصالح الاقتصادية والتجارية في عالم ما بعد كورونا منكمش على ذاته، وفق العديد من الخبراء المحليين والدوليين. آخر هذه المستجدات التي لا تُثار، على أهميتها القصوى، هي المفاوضات التي انطلقت اليوم الثلاثاء بين الحكومة الإسبانية ونظيرتها البريطانية، من أجل إيجاد وضع قانوني جديد لصخرة جبل طارق التي تطالب مدريد باسترجاعها.
وتكتسي المفاوضات التي بدأت بين لندن ومدريد حول التوصل إلى اتفاق اقتصادي وتجاري وضريبي، بخصوص صخرة جبل طرق، قبل الخروج النهائي المرتقب للمملكة المتحدة يوم 31 دجنبر المقبل من الاتحاد الأوربي، على أساس الاتفاق الموقع بين بروكسيل ولندن بخصوص البريكسيت؛ أهمية بالغة. وتسعى إسبانيا إلى استغلال المفاوضات الحالية التي تتم داخل الإطار العام للاتحاد الأوروبي، للخروج بأكبر قدر من المكتسبات الاقتصادية والتجارية والضريبية في أفق تحقيق « السيادة المشتركة » على الصخرة على المدى المتوسط، دون التنازل عن حقها في استرجاع الصخرة.
لكن هذه التطورات تحيل إلى القولة المأثورة للملك الراحل الحسن الثاني سنة 1978، عندما أكد لمجموعة من السياسيين والاقتصاديين والصحافيين الإسبان أنه « عندما تعود صخرة جبل طارق إلى إسبانيا، لن يكون من العدل أن تسيطر نفس القوى (إسبانيا) على ضفتي مضيق جبل طارق »، في رسالة جامعة مانعة من الملك الراحل على أن مستقبل الثغرين المحتلين سبتة ومليلية مرتبط بمصير جبل طارق. وهو الشيء الذي يطرح أكثر من سؤال حول التفاعل الرسمي المغربي مع التحركات الإسبانية والبريطانية الجديدة.
وتبرز بعض المعطيات التي أوردتها صحيفة « إلباييس »، نقلا عن مصادر حكومية، أن لقاء اليوم يجمع بين ممثلين لوزارة الخارجية الإسبانية والحكومة البريطانية، ووفد يمثل سلطات صخرة جبل طارق، مشيرة إلى أن هذه المفاوضات كان من المرتقب أن تنطلق خلال حالة الطوارئ عبر تقنية التواصل عن بعد، لكن أهمية الموضوع جعلت الأطراف المعنية تأخره إلى حين إعادة فتح الحدود. ويبدو من خلال العديد من التقارير والمصادر التي اطلعت عليها « أخبار اليوم » أن الهدف الرئيس لهذه المفاوضات هو « وضع إطار اتفاق »، أو « التوصل إلى مخطط عام لاتفاق » قبل 31 دجنبر المقبل، بحيث أن هذا الاتفاق يكون ذا طابع اقتصادي وتجاري واجتماعي.
فيما تستبعد المصادر ذاتها طرح إسبانية خلال هذه المفاوضات السيادة المشتركة على الصخرة أو استرجاعها، لأن الحكومة البريطانية ترفض الفكرة كليا. كما أن مواطني الصخرة لا يرغبون في العيش تحت السيادة الإسبانية، رغم أنهم مصرون على العيش تحت « السيادة » الأوربية، إذ أن 96 في المائة من مواطني الصخرة صوتوا ضد البريكسيت، وهو الشيء الذي فرض على لندن الجلوس إلى طاولة الحوار مع مدريد.
ورغم أن الاتفاق الجديد الذي يتم التفاوض حوله بين مدريد ولندن يركز على الحفاظ على حقوق ومكتسبات 10 آلاف إسباني يعملون في جبل طارق، ومحاربة التهريب الضريبي وتبييض الأموال في الصخرة، لأن تحولها إلى جنة ضريبية يضر بالاقتصاد الإسباني؛ إلا أنه يثير الكثير من الجدل داخل البرلمان الإسباني وخارجه. إذ هناك من يرفضه، كالحزبين اليمينيين « الشعبي » و »فوكس »، ومدافع عنه مثل الحزب الاشتراكي و »بوديموس »، اللذين يعتبرانه خطوة مهمة في مسار استعادة الصخرة.
لكن الغريب في الأمر هو غياب ما يجري في الضفة الأخرى عن نقاشات الحكومة والأحزاب المغربية والإعلام المغربي، كما لو أن « ربط مصير سبتة ومليلية بمصير جبل طارق » انتهى مع الملك الراحل الحسن الثاني وزعيم حزب الاستقلال محمد بوستة، وزعيم الحزب الاشتراكي عبد الرحيم بوعبيد، وحزب التقدم والاشتراكية في سيرته الأولى. وهنا تُستحضر قولة أحمد عصان في 25 يونيو عندما كان وزيرا أولا في حديثه مع صحيفة إلباييس: « مشكل الثغران يجب أن يعالج في إطار التفاهم وحسن الجوار، مع مراعاة واستحضار دوما المشكل الموازي والمماثل، صخرة جبل طارق ». وفي نفس السنة، قال محمد بوستة لنفس الصحيفة: « إسبانيا احتلت جزءا من بلدي، ولازالت تحتفظ بأراض مغربية. يجب أن تدرك إسبانيا أن قولنا بمغربية سبتة ومليلية ليس وليد اللحظة، لهذا يجب البحث عن حل في إطار الصداقة والتعاون ». أما عبد الرحيم بوعبيد، فقال أواسط 1977 إن « سبتة ومليلية ستحرران، رغم أنه يجب علينا أخذ الوقت اللازم ». أما الحزب الشيوعي المغربي، التقدم والاشتراكية حاليا، فكان يردد أثناء زيارة الراحل أدولفو سواريز، رئيس الحكومة الإسبانية السابق، سنة 1977 قائلا: « نريد سبتة ومليلية، كلما كان ذلك قريبا، سيكون أفضل ».
وإذا كانت الحكومة المغربية والأحزاب بعيدة سياسيا عن النقاش الدائر حول صخرة جبل طارق، فإن تحركات السلطات المغربية، لاسيما وزارة الداخلية وإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، منذ غشت 2018، ينم في شق منه عن أن المغرب يراقب التحركات الجارية بين لندن ومدريد، وهي السنة نفسها التي كانت تروج فيها « السيادة المشتركة » على الصخرة. فتلك التحركات تزامنت مع إغلاق المغرب المعبر الجمركي البري بني أنصار مع مليلية من أجل إنعاش ميناء الناظور الجديد. كما قام المغرب أوائل أكتوبر الماضي بمنع كليا التهريب المعيشي من سبتة ومنع دخول بعض السلع إليها، علما أن تقارير إسبانية حديثة أوردت، نقلا عن مصادر مغربية، أن الرباط تريد الدخول في مفاوضات مع مدريد في الأيام المقبلة حول إيجاد « وضعية جديدة » للثغرين في الجانب الاقتصادي والتجاري والسياحي والاجتماعي.