في إطار رصده للتطورات والخروقات الحاصلة على مستوى ممارسة حرية الإعلام والصحافة في المغرب، سجل المركز الوطني لحقوق الإنسان بأن « الملاحقات القضائية للصحافيين عبر ملفات مُفبركة هدفها الأساسي هو إخراس كل صوت منتقد للسلطة »، واستدلت الجمعية الحقوقية، في تقريرها السنوي الأخير حول أوضاع حقوق الإنسان بالمغرب خلال سنة 2019، بحالة الصحافي حميد المهداوي، مدير موقع « بديل »، الذي قالت إنه جرى توقيفه من طرف المصالح الأمنية بالحسيمة، أثناء تغطيته لمظاهرة في 20 يوليوز من 2017، لتتم متابعته، في حالة اعتقال، بتهمة « تحريض أشخاص على ارتكاب جنح بالخطب والصياح في مكان عمومي »، ويُحكم عليه ابتدائيا بثلاثة أشهر حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 20 ألف درهم، قبل أن ترفع الحكم الاستئنافي العقوبة الحبسية إلى سنة نافذة، ناهيك عن متابعته أمام غرفة الجنايات باستئنافية الدار البيضاء بتهمة « عدم التبليغ عن جناية »، والتي قضت ضده بثلاث سنوات نافذة، جرى تأييدها استئنافيا، بتاريخ 6 ابريل من 2019.
واعتبر التقرير الحقوقي بأن اتهام الصحافي توفيق بوعشرين، مؤسس جريدة « أخبار اليوم » والموقع الإلكتروني « اليوم 24″، بارتكاب « اعتداءات جنسية والاتجار بالبشر والاغتصاب »، والحكم عليه بـ 12 سنة سجنا نافذا، رُفعت إلى 15 سنة، خلال المرحلة الاستئنافية، (اعتبره) بأنه جرى « على خلفية الخط التحريري لصحيفته اليومية والافتتاحيات اللاذعة التي يكتبها وينتقد فيها شخصيات نافذة ».
وسجلت الجمعية واقعة اعتقال هاجر الريسوني، الصحافية بجريدة « أخبار اليوم »، رفقة خطيبها، الحقوقي السوداني، رفعت الأمين، بتاريخ 31 غشت من 2019، بحي « أكَدال » في الرباط، بتهمة « الإجهاض السري »، وتسريب محاضر الشرطة والصور التي التُقطت لحظة توقيفها، وتابعت بأنه جرى توقيفها بالشارع العام وأُرغمت هي وخطيبها على الرجوع إلى عيادة طبية بالقوة (…) واستُدعي الطبيب من طرف رجال الأمن إلى العيادة، وخلص التقرير إلى أن « الطريقة التي اعتقلت بها هاجر الريسوني وخطيبها والطبيب، صاحب العيادة، الذي تمّ الترويج بأنه أجرى لها عملية إجهاض، رفقة مساعديه، « تشكل وقائع أريد من خلالها صنع حالة للتلبس مطابقة لمقتضيات المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية، رغم أن الواقعة لا ينطبق عليها هذا الوصف ».
كما أشار التقرير نفسه إلى متابعة الصحافيين محمد أحداد وعبدالحق بلشكَر وعبدالإله سخير وكوثر زاكي، أمام القضاء بموجب القانون الجنائي، على إثر نشرهم أخبارا صحيحة تخص لجنة تقصي الحقائق التي عينها مجلس المستشارين بخصوص صناديق التقاعد، وأيّد الحكم الاستئنافي الحكم الابتدائي الذي قضى ضدهم بـ6 أشهر موقوفة التنفيذ وغرامة مالية قدرها عشرة آلاف درهم.
كلفة الفساد الثقيلة
أما في مجال مكافحة الفساد، فقد سجل التقرير، بأنه ورغم أن كل الترسانة القانونية والمنظومة المؤسساتية وحزمة الإجراءات التي وضعتها الدولة، فإن « الفساد مازال مستشريا بالمغرب، مخلفا آثارا وخيمة اقتصادية واجتماعية ومعنوية على مستوى صورة المغرب دوليا، إذ تقدر الخسائر بما يتراوح بين 5 %و7 % من الناتج الداخلي الخام، أي ما لا يقل عن ربع ميزانية الدولة وثلاث أضعاف ميزانية المبادرة الوطنية للتنمية البشرية »، لافتا إلى أن « موجات الاحتجاجات والتوترات الاجتماعية تشكل صدى لعدم الرضا الشعبي على عدم نزاهة تدبير الشأن العام بالمغرب ».
وقدّر المركز كلفة الفساد في المغرب بحوالي 50 مليار درهم سنويا،معتبرا بأن « الاستمرار في التطبيع مع الفساد والإفلات من العقاب،يشكل خطورة حقيقية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ويُقوّض سيادة القانون والعدالة، ويساهم في احتكار الثروة من طرف فئة محدودة، ويخلق تفاوتات مجالية واجتماعية ».
وبخصوص أجهزة الحكامة ومكافحة الفساد، سجل التقرير « غياب أو محدودية مقتضيات التطبيق الفعلي لعناصر إطارها القانوني والمؤسساتي؛ والسلطات والصلاحيات الفعلية بالقدر الكافي؛ والحرية الكاملة في وضع البرنامج السنوي والاضطلاع بجميع الوظائف والمهام المخولة لها قانونا؛ والحق الكامل في الولوج إلى المعلومات؛ والحق والواجب في نشر جميع نتائج أعمالها؛ وأخيرا وليس آخرا في الآليات المناسبة لتتبع التوصيات وضمان عدم الإفلات من العقاب بصدد المخالفات المضبوطة، كما لاحظ بأن هذه الأجهزة « لا تنشر استراتيجيتها المحددة الأهداف والميزانية والجدولة الزمنية وتقارير التدقيق المستقل لماليتها، والتقييم الخارجي أو بواسطة النظراء لمنجزاتها، كما أنها لا تنشر معلومات مقنعة عن مدى التزامها المعايير المهنية الموضوعية في انتقاء تدخلاتها، وهو ما قال التقرير بأنه « يغذي الشكوك حول نزاهة هذه التدخلات ».
وأضاف بأنه، واستنادا إلى مجموعة من التقارير السنوية الرسمية وغير الرسمية، فإن « الفساد ينخر مختلف الإدارة المغربية، فقد سجلت المملكة تراجعا في محاربة الفساد مقارنة بعدة بلدان عربية، وحسب تقرير مقياس الفساد العالمي لسنة 2019، فإن 53% من المغاربة يعتقدون بأن الفساد قد تفاقم، فيما يعتبر 74% منهم بأن أداء الحكومة ضعيف في مجال مكافحة الفساد ».
وسجل التقرير « غياب الإرادة السياسية وضعف المساءلة وتدني مستوى الحكامة والفجوة بين وعود المسؤولين وبين عملهم على أرض الواقع »، وهو ما قال إنه « يتسبب في تفشي الفساد الممنهج ويجعل المواطنين ينددون بتنامي الفساد بواسطة باحتجاجات امتدت على نطاق واسع ».
ومن أجل كسب المعركة ضد الفساد، دعا المركز الوطني لحقوق الإنسان إلى توفير شرط مسبق بديهي يتعلق برصّ الصفوف، وجعل المعركة معركة وطنية بامتياز، تنخرط فيها الدولة والطبقة السياسية والمجتمع المدني والمواطنون والشركاء الدوليون، وذلك من خلال نزع الطابع السياسوي عن موضوع مكافحة الفساد وإخراجه من سوق المزايدات السياسية، ومن خلال العمل على تشكيل تكتل عريض وتوافق سياسي واجتماعي واسع يؤطره ميثاق وطني لمكافحة الفساد، باعتباره سندا مرجعيا مسبقا وضروريا لنجاح واستمرارية وترسيخ أية سياسات جادة لمكافحة الفساد »، كما دعا إلى التسريع بتطبيق الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد،و تفعيل الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها وتقوية إطارها القانوني والمؤسساتي الحالي، وتعزيزها بالموارد المالية والبشرية، وإطلاق حملة تحسيسية جماعية وتفاعلية للوقاية من الفساد والتوعية بأضراره.
أحكام مثيرة للجدل ونيابة عامة تجمّد الشكايات
وفي المحور المتعلق بـ »معضلة استقلالية القضاء وإشكالية المحاكمة العادلة »، أعربت الجمعية عن « قلقها البالغ من الثغرات البنيوية في منظومة العدالة »، والتي قالت إنها « تتجسد في أحكام معيبة تفتقد إلى مبدأ المحاكمة العادلة » و »مجانبة لمبدأ الإنصاف »، وأضافت بأنه لازالت المحاكم تشهد « اختلالات خطيرة تمس حقوق المواطنين في التقاضي المنصف والعادل »، ناهيك عما اعتبره التقرير »واغتناء لمسؤولين قضائيين وقضاة »، الذين قال إنهم « راكموا ثروات لهم ولذويهم لا تتناسب مع حجم مدخولهم الشهري وادخارهم »، مذكّرا بأنه سبق للمكتب التنفيذي للمركز الوطني لحقوق الإنسان أن راسل عدة جهات لفتح « تحقيق حول مصدر تلك الثروات المتراكمة لبعض الجهات القضائية (مراكش نموذجا) ».
وسجل التقرير ما سمّاه بـ »تغول الدولة في شخص النيابة العامة »، التي قال إنها « تجمد شكايات المواطنين الموضوعة ضد رجالاتها وذوي النفوذ وفي مواجهة رجال الأمن والدرك تحت ذريعة الامتياز القضائي »، خاصة الشكايات المتعلقة بالاتهامات بـ »تزوير المحاضر والتعذيب و الشطط في استعمال السلطة »، مشيرا إلى أن الأمر « يصل حد امتناع قضاة النيابة العامة عن تسلم الشكايات ضد مسؤولين نافذين وأمنيين »، كما لفت التقرير إلى ما وصفه بـ »تساهل القضاء مع متهمين في جرائم الاغتصاب والبيدوفيليا ونهب المال العام، فيما يتم استغلالها لتصفية الحسابات مع الصحفيين والحقوقيين والمعارضين ».
و أشار التقرير إلى أن المركز الوطني لحقوق الإنسان رصد 115 حالة تتعلق بممارسة الشطط في استعمال السلطة أو معاملة قاسية أو غير إنسانية، في 2019، من خلال العديد من شكايات المواطنين عبر التراب الوطني، والتي راسل في شأنها كل من وزير العدل ورئيس النيابة العامة والوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بمراكش ووزير الداخلية والمدير العام للأمن الوطني.