في خطوة نادرة من نوعها، أصدرت المحكمة الابتدائية للقنيطرة الأسبوع الماضي، حكما نادرا من نوعه، قضى بإبطال محضر الضابطة القضائية بعد رفض المتهم التوقيع عليه، كما رفضت استعمال المعطيات التي حصلت عليها الشرطة عبر خرق سريات الاتصالات الشخصية للمتهم، عبر الاطلاع على رسائله الشخصية والرد على إحدى المكالمات التي استقبلها هاتفه خلال فترة توقيفه والبحث معه.
استند الحكم القضائي على الوقائع الواردة في محضر الضابطة القضائية، والذي أنجز في متم شهر أبريل الماضي. ويفيد المحضر أن عناصر الشرطة توصلت بإخبارية مفادها أن شخصين يقومان بترويج المخدرات بالقرب من السوق النموذجي بحي المغرب العربي بمدينة المهدية. بعد انتقال عناصر الأمن إلى عين المكان وتربصهم بالمعنيين بالأمر، أوقفت شخصا وبحوزته قطعة من مخدر « الشيرا »، موضحا أنه قام بشرائها من أحد المشتبه فيهما اللذان كانت الشرطة تتربص بهما. وبعد إرشاد الشخص الموقوف عناصر الأمن إلى مكان وجود الشخصين المشتبه فيهما، لاذا بالفرار، وتخلّص أحدهما أثناء ذلك من علبة سجائر، سيتبين لاحقا، حسب المحضر، أنها تحتوي على قطعتين من مخدر الشيرا، فيما كان الشخص الثاني يتوفر على مبلغ مالي بقيمة 252 درهما.
ويضيف المحضر أنه وبعد توقيف المتهمين، وأثناء البحث معهما، توصل هاتف أحد الموقوفين بمكالمة هاتفية، فأجاب أحد ضباط الشرطة القضائية مكانه، فكان المخاطب يقول له: « أنا كانتسناك فالدويرة، جيب للي كان ». كما تم تفحص الهاتف، والعثور على محادثة مع شخص آخر يسأل « كاين شي طريفة…؟ ». وقائع استعملتها الضابطة القضائية لبناء تهمة الاتجار في المخدرات، فيما تضمنت المحاضر اعتراف أحد الموقوفين بهذه التهمة مقدما تفاصيل حول مكان اقتنائه للمخدرات وأسعار بيعها… مؤكدا أنه هو من زوّد المتهم الأول الذي جرى توقيفه وبحوزته قطعة من مخدر « الشيرا ».
أما الموقوف الثاني، الذي قام بالتخلص من علبة سجائر تحتوي كمية من المخدرات، حسب رواية المحضر، فقد اعترف بالمنسوب إليه، بكونه رفض التوقيع على المحضر. ورغم عودة أحد الموقوفين إلى إنكار اعترافاته بعد عرضه على وكيل الملك، فقد تقررت متابعتهما معا في حالة اعتقال، وتنعقد جلسة المحاكمة يوم 18 يونيو الجاري، وذلك عبر تقنية المحاكمة عن بعد.
أول ما دفع به دفاع المتهم الذي رفض توقيع محضره، هو المطالبة بإبطال هذا المحضر، لكون علة رفض التوقيع كما جرى تدوينها، هي « أن تلك التصريحات سوف تورطه أكثر »، بينما الحقيقة، حسب الدفاع، أن المتهم رفض نسبة التصريحات الواردة في المحضر إليه، معتبرا أنه تعرض للضغط من أجل التوقيع عليه، لكنه رفض. وطالب الدفاع، بالتالي، بعدم الأخذ بالعلة المستعملة في تفسير غياب التوقيع، مستدلا على ذلك بوجود أقوال منسوبة إلى المتهم في المحضر وهي غير صحيحة، مثل اعترافه بأن له سوابق قضائية، بينما بطاقة السوابق العدلية الخاصة به تخلو من أية سوابق. وكيل الملك الذي شارك في جلسة المحاكمة، طالب برفض هذا الطلب، مشددا على أن المتهم علل رفضه التوقيع على المحضر بكون ما يتضمنه من تصريحات « سوف تورطه »، وأن وجود هذا التعليل لا يؤثر على حجية المحضر وثبوتيته.
بعد عودتها إلى المحضر، وقفت المحكمة على رفض أحد المتهمين التوقيع على ما نسب إليه من أقوال، مع تذييله بالعبارات التالية: « بعد قراءة المصرح لمحضر أقواله، وافق على ما جاء فيه، وأصرّ دون أن يبدي ملاحظة أو يرغب في أية زيادة أو تغيير أو حذف، فرفض التوقيع معللا أن ذلك سوف يورطه أكثر ». واعتبرت المحكمة أن من الشروط الشكلية الجوهرية لصحة محاضر الاستماع، وجود توقيع المعني به إلى جانب توقيع ضابط الشرطة القضائية، مع كتابة المستمع إليه اسمه بخط يده. كما ينص القانون على إرفاق المحضر بسبب عدم التوقيع عليه في حال قرر المصرح ذلك. واعتبرت المحكمة أن « من غير المستساغ عقلا وقانونا وواقعا، أن يعبّر المتهم عن موافقته الكلية على ما نسب إليه في هذه المحاضر من تصريحات، وإصراره عليها دون إبداء ملاحظة بخصوصها، ثم يعترض في الآن نفسه على نسبتها إليه بعلة أنها ستورطه أكثر ». وأضافت المحكمة أنه لو كان المتهم متخوفا من توريط نفسه بتلك التصريحات، لما أدلى بها أصلا، لتخلص المحكمة إلى الحكم ببطلان المحضر، استجابة منها للدفع الذي تقدم به الدفاع.
بعد إبطالها للمحضر، استندت المحكمة إلى محضري المعاينة والاستنطاق اللذين أنجزا من طرف وكيل الملك، واللذين يتضمنان اعتراف المتهم بحيازته لقطعتين من مخدر « الشيرا »، وذلك بغرض استهلاكهما وليس الاتجار بهما، نافيا بذلك تصريحاته التمهيدية. واعتبرت المحكمة في المقابلة أن محضر المعاينة الذي أنجزته الضابطة القضائية في حق المتهم محتفظا بحجيته، وهو الذي يؤكد توقيف المتهم في حالة تلبس بحيازة قطعتي المخدرات. أما المكالمات الهاتفية التي توصل بها هاتف المتهم، والتي يتحدث فيها مخاطبه عن انتظاره « في الدويرة » و »جيب لي كان »… فاعتبرت المحكمة أن تحصيل مضمونها جاء مخالفا للشرعية الدستورية، من خلال خرق سرية الاتصالات الشخصية المكفولة دستوريا للمتهم، شأنه في ذلك شان باقي المواطنين. وأضافت المحكمة أن هذه السرية لا يمكن خرقها إلا بأمر قضائي، وذلك استناد إلى الفصل 24 من الدستور. واكتفى الحكم القضائي بإدانة المتهم بجنح حيازة المخدرات وخرق الطوارئ الصحية وعدم ارتداء الكمامة الواقية، والحكم عليه بشهرين حبسا موقوفة التنفيذ، فيما أدين متهم آخر، اعترف باتجاره في المخدرات، وذلك بعشرة أشهر حبسا نافذا.