بدّدت اللقاءات الأخيرة التي عقدها وزير الداخلية، عبد الوافي الفتيت، مع ممثلي الأحزاب السياسية، سواء منها الممثلة في البرلمان أو التي توجد خارج قبّته، كل الشكوك التي كانت تحيط بإمكانية تنظيم الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة العام المقبل. جميع الهيئات والمؤسسات المنتخبة في بلادنا ستجدد دماءها وشرعيتها العام المقبل، سواء منها البرلمان بغرفتيه أو الجماعات الترابية بمختلف أنواعها.
يجعلنا هذا المعطى أمام لحظة استثنائية في التاريخ السياسي للمغرب، على اعتبار أن الاستحقاقات الانتخابية لم تجتمع في سنة واحدة إلا في لحظات فارقة واستثنائية، مثل سنة 1963 التي شهدت تنظيم انتخابات تشريعية وبلدية بعد اعتماد أول دستور للمملكة، أو سنة 1997 التي أعقبت بدورها صدور آخر دساتير الحسن الثاني، وكانت، كما يعرف الجميع، تمهيدا لخطوات سياسية كبرى لضمان استقرار النظام السياسي وانتقال العرش في ظروف هادئة.
يفترض بنا إذن أن نكون الآن مقبلين على حدث كبير، نعلق عليه انتظارات وأحلاما أكبر، فهل الأمر فعلا كذلك؟ ماذا عسانا ننتظر من مرحلة ما بعد انتخابات 2021 التشريعية والمحلية والجهوية؟
مؤكد أننا لن نطمح إلى تكريس الواقع الحالي، لأن أحدا لا يريد للوضع القائم أن يستمر، فهل يمكننا أن نراهن على حدوث تغيير سياسي كبير؟ كيف؟ ومن خلال من؟ وبأية طريقة؟ وعلى أساس أية خلفيات سيحدث هذا التغيير الكبير عبر انتخابات العام المقبل؟ هل هناك مشروع سياسي وفكري يقود المشهد السياسي الحالي حتى يمكن ربط تغيير الأوضاع برحيله، أم ترانا نعلّق آمالنا على مشروع سياسي وفكري آخر يقبع في المعارضة وينتظر منا التصويت عليه كي يغيّر أحوالنا؟ وهل تبدي الدولة، التي حرصت على احترام الموعد الدستوري للانتخابات، إرادة حقيقية لتمكين الاختيار الديمقراطي، وتقوية أشكال التعبير عن الإرادة الشعبية؟
حتى نخرج من العموميات والأحكام الجاهزة، دعونا نجزئ الصورة لننظر إلى مكوناتها منفصلة عن بعضها البعض:
الأحزاب: يفترض فيها أن تكون عصب الديمقراطية، ومحور الصراع السياسي، وصانعة الحدث في موعد انتخابي مثل هذا الذي نحن مقبلون عليه. ماذا يقدّم لنا المشهد الحزبي؟ أليس الحكم جاهزا وماثلا أمامنا بكل وضوح؛ أحزاب سياسية ضعيفة وفاقدة للاستقلالية، وعاجزة عن المبادرة والفعل في الحدود الدنيا مما يسمح به الهامش الديمقراطي المتاح؟ هل يسمح الواقع بانتظار أكثر من تصريف الأعمال وتجنّب الألغام، والحرص على البقاء في موقع التدبير إذا احتفظ حزب العدالة والتنمية بالصدارة؟ وهل من المعقول والمنطقي انتظار صعود مشروع سياسي جديد على متن جرار الأصالة والمعاصرة، الذي لم يخبرنا بعد بسبب وجوده بعد إعلانه التخلي عن وظيفة محاربة الإسلاميين ولعب دور حزب الدولة؟ أم تراه حزب الاستقلال سيقوم بـ«رمونتادا» تاريخية وهو المنقاد لقبضة رجل الصحراء القوي، حمدي ولد الرشيد، منذ مؤتمر الصحون الطائرة؟ أم إن منطق الأشياء سينقلب على عقبيه، ويجعل الخلاص على يد حمامة أخنوش؟
الإعلام: سيقول البعض: وما دخل الإعلام في محطة سياسية حاسمة ومصيرية مثل العام الانتخابي المقبل؟ فالجهل بدور وأهمية الإعلام وحده يكفي لجعل أي حلم ديمقراطي مؤجلا إلى حين. الانتخابات النزيهة والشفافة لا تبدأ مع تبشير رئيس الحكومة بمشاورات تعديل القوانين الانتخابية، واجتماعات وزير الداخلية مع الأحزاب لتأكيد الحياد وعدم التدخّل. الانتخابات الشفافة والنزيهة تبدأ من فتح أبواب ونوافذ الأخبار والآراء مشرعة أمام المواطن، حتى تتشكّل قناعاته واختياراته بناء على تداول حر وواسع وتعددي للمضامين الإعلامية. وما يحمله المواطن داخل ذهنه، وهو يختلي بنفسه داخل المعزل، يتشكّل على مدى سنوات الولاية السابقة، من خلال ما يستهلكه من محتوى إعلامي، وهنا نجد أننا لا نضمن أي قدر من النزاهة والشفافية للعملية الانتخابية، بما أننا نحاصر هذا المواطن بإعلام عمومي استقال من وظيفة تأطير النقاش العمومي، إلى درجة أننا بتنا نتابع معها كيف يحتج قائد المعارضة، عبد اللطيف وهبي، في جلسة برلمانية على تغييب الأحزاب في نقاش الجائحة، فيردّ عليه رئيس الحكومة بكل صراحة بأنه أعطى تعليماته وجرت الاستجابة لها، كما لو أن المطلوب هو إعلام التعليمات؛ وإعلام ورقي وإلكتروني يتقاذف القارئ بين غزوات التشهير والتلفيق وبكائيات الشكوى والأنين من الاعتقالات والتضييق. بالله عليكم، أية فكرة هذه سيخلّفها الإعلام في ذهن هذا المواطن الذي ندعوه إلى التصويت؟
الدولة: وحدها البنية غير المنتخبة للدول تبدي ما يكفي من الإرادة والمبادرة لتأكيد حيازتها مشروعا ومضيها في تنفيذه. فترة الجائحة لم تغادرنا بعد، وهي أكبر شاهد على هذا الاختلال الواضح بين منظومة «الدولتين»، وما يفترض فيه أن يكون مؤسسات ديمقراطية ومنتخبة. لا الحكومة ولا البرلمان ولا مجالس الجهات ولا المنتخبون المحليون أبدوا ما يمكن أن يوحي بأهمية وجودهم وتأثيرهم في سير الدولة وتدبيرها للحظات مثل فترة الانتشار الوبائي القائمة حاليا. النواة التقنوقراطية للحكومة، وهي تكاد تكون «غير حكومية»، إلى جانب النيابة العامة والمؤسسة الأمنية ورجال السلطة والمؤسسات المالية والاقتصادية غير الحكومية، كلّها تتصدّر المشهد العام، تاركة السياسيين متصارعين حول الظهور الإعلامي وتموقع النقط والفواصل في المشاريع التي تحال عليهم للمصادقة. وفي انتظار إفراج لجنة بنموسى عن نموذجها التنموي الجديد، هل سيتبقى للانتخابات من دور في تحديد اختيارات وتوجهات الدولة؟
المجتمع: العشرات من الشبان الذين شاركوا في احتجاجات الحسيمة قبل ثلاث سنوات يقبعون خلف القضبان، وآخرون يطلون عليهم كلما عاد الشارع إلى التململ في تماسينت أو جرادة. وفي مقابل دولة تصرّ على موقف «سيادي» تجاه أي مظهر من مظاهر الاحتجاج والغضب، لم يتبق لما يوصف عبثا بهيئات الوساطة، من أحزاب ونقابات وجمعيات وإعلام، ما يمكنها أن تقدمه للإقناع بقدرتها على التأثير وإسماع الأصوات وجلب الحلول وإدارة التفاوض السلمي. دون أي رجم بالغيب ولا استباق للأحداث، لا يمكن أن نراهن على مشاركة كبيرة في الانتخابات المقبلة. ففي غياب محفزات واقعية وانتظارات ممكنة من وراء الانتخابات، سوف لن يشارك في الاقتراع المقبل، بنسبة كبيرة، إلا المنتمون إلى «هرم التسلّط» الذي وصفه إيتيان دولا بويسي في مقالته الشهيرة. أما المواطن «العادي»، فلديه ما يكفي من الأدلة على انعدام جدوى مشاركته. لهذا، جعلني مشهد جلوس وزير الداخلية، عبد الوافي الفتيت، أمام ممثلي الأحزاب السياسية لتبشيرهم بالحياد، أتصوّره كمن يبذل جهدا مضنيا في صنع صندوق صلب ومتين، حيث يزيّنه من الخارج بالحلي والجواهر، لكنه يقفله بإحكام، ويبقيه فارغا.