سعيدة الكامل تكتب: يوليوز ولاعب النرد – اليوم 24

سعيدة الكامل تكتب: يوليوز ولاعب النرد

  • حرية الصحافة

    ووتش رايتس: المغرب والجزائر لا يتفقان إلا على «إخراس الصحافيين»

  • مولاي الحسن

    «حكومة ولي العهد» في ميزان السياسة والدستور

لطالما تربصت الاحتمالات والصدفة برؤى التفسير العلمي، فرأى رواد العصر الكلاسيكي أن اللجوء إلى الاحتمال هولجوء إلى توقع معقول على الرغم من الجهل بالتفاصيل الخفية، إذ إن كل شي محدد سلفا، واستخدام الاحتمالات مجردبديل عن المعرفة الدقيقة بالأسباب الفاعلة، في حين أن تفسيرات العلم المعاصر رفعت من قيمة الاحتمالات حتى صارتقانونا للتفسير، فالاحتمال في فيزياء الكوانتم ليس احتمالا ذاتيا مرتبطا بالذات العارفة التي قد تعلم أمورا وتخفى عنهاأخرى، بل هو احتمال موضوعي، فلا شيء يتحكم في أن تقع يد شخص معصوب العينين على كرة بيضاء دون سواها منالألوان سوى الصدفة. إنها مجرد مصادفة خالصة، تماما كما يحدث مع لاعب النرد. وفن الاحتمالات إذا خرج منمضمار العلم إلى وقائع السياسة ببلدنا قد يصيب بالهوس، كما حدث لمحمود درويش حين صاغ معادلة الاحتمالاتشعرا، فلماذا يقع في العشرين من «يوليوزنا» بالضبط ما يقع ولا يقع في سواه من احتمالات أو صدف أخرى قد تكونجميلة؟

لقراءة مكر الصدف في وقائع مرتبطة بمشهدنا السياسي، قد تفيد استعارة بعض أدوات المنطق العلمي.. منطقالاحتمالات والصدف في أن يجتمع في العشرين من يوليوز ما تفرقت به السبل من أحداث وأسبابها في باقي الشهور،وأي احتمال يقف خلف تفسير أن يصير هذا التاريخ ذكرى منع احتجاج مازالت آثاره الحقوقية تلقي بظلها على المغرب،و«صدفة» يتكرر فيها صوت مفاتيح السجون بالآذان ومحاضر تحقيقات تعبق برائحة تختزنها الذاكرة؟ مازال عالقابالأذهان كيف أغلقت أبواب الحسيمة في وجه القادمين إليها من تماسينت ومناطق أخرى بالريف في العشرين من يوليوز2017، وكيف ووجهت مسيرة «نحن لسنا انفصاليين» بالقنابل المسيلة للدموع، وكيف خلفت مقتل عماد العتابي فيحراك كانت شرارته في الأصل مقتل محسن فكري في شاحنة لكبس النفايات في نهاية أكتوبر 2016، والصحافة لمتكن بعيدة عن شرارات الغضب تلك، وجرى اعتقال حميد المهداوي حينئذ بتهمة التحريض على المشاركة في مسيرةمنعتها وزارة الداخلية.

في هذا اليوم، يخرج حميد المهداوي من سجنه الذي دام ثلاث سنوات، والشاهد على أطوار المحاكمة يتذكر محنةصحافي صرخ مرارا في المحكمة أنه مظلوم، وأنه ولا يريد سوءا بالبلد، وكيف أنه بعد كل صراخ كان يطرده القاضي منجلسة المحكمة. يتذكر الشاهد ملفا عرف ضما وفصلا ثم ضما لملف معتقلي حراك الريف. يخرج المهداوي بعد اتهامهبالصياح، ليتطور الصياح إلى محاولة إدخال دبابة، وتصير التهمة أثقل من سابقتها. يخرج المهداوي اليوم بلا دبابة فيجيبه، وأسابيع قليلة كانت الدبابات تجوب شوارع الرباط والدار البيضاء، لتحارب عدوا غير مرئي، دخل من الحدودمتسللا، ولم يلق عليه القبض، حتى أنجب بؤرا في مدننا أودت بحياة بعض المواطنين(ات). دخلت الدبابات بسبب كورونا،ولم يدخلها المهداوي الذي أمضى ثلاث سنوات من السجن ودبابته مازالت ربما عالقة بالحدود، ربما هي فتاكة وضخمةبحجم الفيروس، من يدري؟ على كل، فلن يرى المهداوي الدبابات في الشوارع، فقد عادت إلى الثكنات، وقررت السلطاتأن نتعايش مع هذا العدو ونحتمي منه بطهارة اليدين وقناع وشيء من الابتعاد.

في هذا اليوم ذي المصادفات العجيبة، يتنفس المهداوي الهواء خارج السجن، وقد لا يتنفس الحرية، واحتمال أن يفتح بابالسجن مجددا في هذا التاريخ أمام آخرين مازال قائما. قد يوصد المهداوي الباب وراءه ليدخل صحافي آخر مكانه،فهي احتمالات صارت حتمية. في هذا اليوم يفرح أهل المهداوي، ووالده الذي ذرف الدمع في انتظاره، وتضع أم عمرالراضي يدها على قلبها متسائلة إن كان سيغادر ابنها مقر الفرقة الوطنية في الموعد السابع من التحقيق، وشبح حراكالريف يتربص بالقضية في هذا التاريخ، فقد أفشى عمر أن جزءا من التحقيق الأخير كان حول هذا الحراك ودواعيسفره إلى الحسيمة في تاريخه. ولأن ملف عمر فتح بدءا حول «علاقة» بعميل استخبارات، فربما يظهر مع الوقت أنبريطانيا العظمى كانت لها أطماع في الريف هي الأخرى بعد شيعة منار السليمي وانفصاليي بلاغ أحزاب الأغلبيةالحكومية.

وفي هذا التاريخ يمثل الصحافي سليمان الريسوني أمام قاضي التحقيق في أولى جلسات التحقيق التفصيلي، ولعبةالاحتمالات في أن يعانق ابنه هاشم ويعود إلى جريدته أم إلى زنزانته منفردا في عكاشة كلها قائمة. لماذا العشرون منيوليوز إذن؟ أليس من حقنا أن نتساءل؟ فقد صار يوما شهيرا، سيكون من المضحك القول إن هناك من «يتآمر» على هذاالتاريخ كي تحفظه ذاكرة الصحافة الشقية، وسيكون مثيرا للاهتمام القول إن ثمة سببا ما مباشرا يجري خلقه، وإذاعلمنا بالضبط بتطور الحالة الحقوقية والسياسية بالبلاد، يمكن تحديد الوقت الذي ستسقط فيه «تفاحة نيوتن»، والسببالذي أدى أو سيؤدي إلى ذلك. فهل نحن في مشهد سياسي كوانتي أم محتوم بحتمية كلاسيكية؟ الصورة الذهنيةلحساب الاحتمالات الكوانتية وما أظهرته من اتفاق مع النتائج التجريبية كانت مفزعة لأينشتاين، فقال إن «الإله لا يلعببالنرد»، فهل من لاعب نرد بيننا؟

شارك برأيك