في سياق كوفيد-19، قد تكون الأخبار صحيحة مائة في المائة، وتُضلّل رغم ذلك ودون قصد القراء حول مخاطر الجائحة. النتيجة غير المقصودة هي نتاج درس يتعلمّه كل طالب صحافي، وفحواه يتمثل في سرد قصص « لأشخاص حقيقيين » من أجل « أنسنة » الأخبار.
« الشخص الحقيقي » في أخبار كوفيد-19 قد يكون أمًّا تخشى على طفلها من الإصابة بالعدوى داخل القسم، وهي ترد مثالا في مقال عن إعادة فتح المدارس. وقد يكون الشخصُ أحد أفراد أسرة رجل توفي بكوفيد-19، فيروي قصة مؤثرة ضمن تقرير حول آثار الفيروس على صغار الراشدين.
الأخبار تدور حول الناس، لذا من المنطقي إبراز قصص الحياة الواقعية. يتفاعل المشاهدون والقراء بقدر أكبر مع القصص الشخصية قياسا إلى الإحصائيات الجافة. بيد أن تجربة شخص واحد تبقى في نهاية المطاف تجربة شخص واحد. فالأبحاث في مجال الإعلام ترى أن على القرّاء ألا يتأثروا بالقصص الشخصية سواء كانت مؤلمة أو سعيدة لأن الأمثلة الفردية لا تعكس بالضرورة الصورة الكاملة.
قصص أليمة وخالدة وناقصة
أصيب ستة ملايين أمريكي بفيروس كورونا ومر كل واحد من هؤلاء بتجارب تختلف جذريا من ناحية الأعراض والأمراض والانعكاسات. لذا، فالقصص المروعة الفردية في تقرير إخباري لا يمكن أن تخبر القراء بكل ما يحتاجون معرفته.
مثلا، بثت الإذاعة القومية الأمريكية « إن بي آر » مادة حول الأشخاص بطيئي التعافي من مرض كوفيد. جاءت المادة مروية على لسان سيدتين لم تزالا تعانيان أشهرا بعد إصابتهما بالفيروس. كان حوارا مؤلما بما فيه الكفاية لإثارة الذعر وحمل الأشخاص على ارتداء الكمامة طول الوقت، وكان حوارا لا ينسى أيضا. غير أن أغلب المصابين بكوفيد-19 يتعافون في ظرف وحيز. ووفقا للأبحاث العلمية في المجال فيصل هذا الظرف الزمني عادة إلى أسبوعين وفي حالات الإصابة الحادة إلى ستة أسابيع. وفي وقت لم يزل العلماء لم يفهموا بشكل كامل الفيروس، يصل المعدل الإجمالي للتعافي من الفيروس إلى ما بين 97 و99,75 في المائة.
صحيح أن المادة الإذاعية تضمنت معطيات حول المدة الاعتيادية للإصابة بالفيروس لكن حديث المرأتين عن معانتيهما الطويلة مع المرض هو ما سيظل عالقا في ذاكرة المستمعين في الغالب وما سيخبرون آخرين به.
هناك مثل آخر لتقرير إخباري يروي قصة وفاة أول طفل تحت سن الخامسة بالفيروس بساوث كارولاينا. الخبر الذي وزعته وكالة أسوشييتد بريس انتشر بسرعة في مختلف الصحف المحلية بالولايات المتحدة وأثار قلق الآباء والأمهات بشكل طبيعي.
غير أنه وفقا لمراكز مراقبة الأمراض والوقاية منها احتمال وفاة الأطفال نتيجة الإصابة بكوفيد-19 تسع مرات أقل مقارنة مع الراشدين الصغار و270 مرة أقل من الأشخاص في سن الخمسين عاما. والخبر الذي سرد قصة الطفل لم يُشر إلى هذا المعطى في التقرير الإخباري، ما سيؤثر على قرارات أولياء الأمور في مختلف القرارات ذات الصلة بأطفالهم مثل إرسالهم إلى المدارس والحضانات.
القصص المتداولة تبقى قصصا متداولة
في الحقيقة المشكل يتعدى التغطية الإعلامية للجائحة. أحد الأساليب الشائعة في الصناعة الإعلامية هي « المقدمة القصصية »، أي القصة القصيرة التي يبدأ بها المقال الصحافي أو التقرير التلفزيوني بهدف جذب الانتباه. مثلا إحدى القصص المتداولة بقوة خلال الاحتجاجات المناهضة للعنصرية التي أعقبت وفاة جورج فلويد تتصل بمالك متجر للخمور بسانتا مونيكا بكاليفورنيا كان يحمي متجره من النهب في يونيو بالوقوف أمامه حاملا بندقية هجومية.
وهذه الصورة تتطلب الكثير من الحذر. فعلى كونها صورة حقيقية، فهي لا تعبر عن تجليات الاضطرابات في البلاد. أغلب الاحتجاجات كانت سلمية وحين تقع عمليات نهب يترك ملاك المتاجر مهمة الدفاع المسلح للأمن، وبعضهم يرفع دعوى في المحكمة ضد من عرض ممتلكاته للضرر. بل إن بعض ملاك المتاجر الصغار ساندوا المحتجين السلميين وشاركوا إلى جانبهم في الاحتجاجات.
كل هذه القصص تُروى من طرف الإعلام أيضا. لكن برايان دانينز، المدير التنفيذي لسكيبتويد ميديا، التي تنتج مدونات صوتية تروم دحض المعلومات المزيفة يرى أن القصة الأولى التي يبدأ بها الإعلامي مادته هي ما يتذكره القراء/ المشاهدون، وليس الصورة الأكبر التي يفترض أنها تنقلها.
فالعقل البشري مصمم بشكل يجعله يرى العالم بشكل قصصي، يقول دانينز في حوار مع مجموعة من أساتذة الصحافة أجراه مؤخرا. والعلم يؤكد ما يقوله دانينز. فالأبحاث حول الاستيعاب الذهني تفيد بأن البشر يستهلكون المعلومات بشكل متواصل حد الامتلاء الذهني ما يجعل البشر لا يتذكرون إلا تفاصيل صغيرة.
« وهذا يجعل أغلب المحتويات الخبرية لا تُستوعب بشكل مناسب وتُنسى بسرعة »، وفقا لورقة لستاينلي جي باران وديني كي دافيس في كتاب تمهيدي حول الإعلام الجماهير. ويضيف الباحثان « حتى عندما نبذل مجهودا واعيا لنتعلّم من الأخبار، نفتقد في الغالب للمعلومات اللازمة للقيام بتأويلات عميقة للمحتوى ».
لغز الجائحة
رغم ثغرات الذاكرة الإنسانية، لايزال الصحافيون يدورون حول « التقارير المثيرة للاهتمام » و »النموذج الأكثر تعبيرا » عن واقعة ما، وفق ما يوضح الباحثان دولف زيلمان وهانس بيرنار بروسيوس في كتابهما « تقديم الأمثلة والنماذج في الإعلام » (Exemplification in Communication). ولهذا البحث الصحافي سبب مباشر: المبيعات.
« مهما بلغت الصحافة المتخصصة في سرد تقارير غير تمثيلية ومجردة عن الظواهر من الدقة والفعالية الإخبارية، فهي نادرا ما اعتبرت صيغة رابحة إن لم تكن لم تعتبرا أبدا كذلك »، يقول الباحثان.
هذا لا يعني أن قصص الأشخاص الحقيقية بلا فائدة. يمكن لهذه القصص أن تساهم في تقريب هذا العالم المعقد بجوائحه واضطراباته وأزماته من الأفهام . غير أن الأمثلة تبقى جزءا من صورة أكبر قد تكون مجردة أو دقيقة أو متغيرة باستمرار. مستهلك الأخبار الحكيم هو من سيعتبر كل مثال مجرد قطعة صغيرة من لغز الجائحة وهو يتخذ قرارات يومية لحماية صحته وصحة أسرته.