سارة سوجار تكتب: النساء.. الجنس والسياسة – اليوم 24

سارة سوجار تكتب: النساء.. الجنس والسياسة

  • سارة سوجار تكتب: النساء.. الجنس والسياسة

  • سارة سوجار تكتب: النساء.. الجنس والسياسة

تُحكى قصص كثيرة عن استغلال النساء والجنس في عالم السياسة، وفي عالم صراع الحصول على المعلومة، حيث نجد أسماء كثيرة تروي كيف كان الجنس عاملا حاسما في الصراع السياسي والاستخباراتي تاريخيا في العالم، وكيف كانت المرأة صانعة أو مساعدة على صنع المعلومة والخبر المؤثرين في الملفات الحساسة.

يخلق استغلال النساء والجنس في الصراع السياسي سواء مع مقاومي الاستعمار أو مع مناهضي الاستبداد الكثير من الجدل. فهناك من اعتبر أن جسد المرأة مباح في المقاومة من أجل الاستقلال ومن أجل الديمقراطية، ومرفوض في الصراع ضد المعارضين لنبل الهدف وقيمة الرسالة. وهناك من اعتبر أن استغلال أجساد النساء في الحالتين معا مرفوض ومهين حتى لو كان المبتغى منه ذا قيمة .

والحال أن الاستغلال واحد مهما اختلفت التسميات، ومهما اختلفت الأهداف، رغم إكراهات السياق وخصوصية اللحظات التاريخية. فربط الجنس والمرأة مع السياسة بهذا الشكل يجعلنا في حلبة استغلال واضحة واختزال بيّن للمرأة في أدوار الإغراء والجنس، وكأنها لا تستطيع النضال والمقاومة واستخراج المعلومة إلا بجسدها .

نعيش في المغرب مؤخرا حضورا واضحا لربط قصص الجنس بالسياسة، وهي أداة قديمة-جديدة، الجديدة تستعملها الدولة مع المعارضين الذين لهم رأي أو نشاط سياسي مخالف لسياساتها وقراراتها. هذا الواقع الذي أصبح يفرض علينا الحذر والدقة في التعاطي مع هذه القضايا، مستحضرين عدالة وحساسية قضايا الاغتصاب والتحرش والعنف الجنسي، ومستحضرين، كذلك، المناخ العام المطبوع بالقمع والانتقام من كل المخالفين لرأي الدولة الواحد. تعتبر المعادلة هنا جد صعبة، خصوصا عندما يكون الطرفان مواطنين لهما كامل الحق في التقاضي وغير منزهين عن ارتكاب الجريمة والجناية، وعندما تكون التهمة مدفوعة بخلفيات سياسية .

تعتبر متابعة الصحافي عمر الراضي مثالا حيا لاستغلال قضايا الاغتصاب في الانتقام من صحافي له أعماله المهنية ونشاطه السياسي المعارض. فبعدما تابع العالم بأكمله فيلم الذهاب والإياب للفرقة الوطنية، والتهم المتنوعة التي خطتها بلاغات المسؤولين وصحافة التشهير، ظهر جليا نشاز ملف الاغتصاب الذي يحاولون من خلاله حجب الملف السياسي الحقيقي المرتبط بالتجسس والتآمر على الدولة.

معركة الدفاع عن براءة عمر الراضي هي أولا معركة مناهضة تحريف القضايا العادلة وإفقادها المصداقية عبر استعمالها في ملفات مفضوحة، وفي سياق مطبوع بمحاولة إخراس كل الأصوات المنتقدة لسياسات وقرارات الدولة. كما أن الإيمان ببراءته لا يعني إهانة ضحية الاغتصاب المفترضة، والتي على الجميع أن يوفر لها الحماية من التشهير وجعلها في مأمن من ضغوطات جميع الأطراف. المسؤولون الذين لم يستطيعوا توفير الحماية كي لا تموت “غزلان” العاملة الزراعية وهي في الطريق لحقول البلاستيك، ولا أن يوفروا الحماية للطفلات ضحايا الاغتصاب والتحرش والقتل كل يوم، ويخوضون حملات الاعتقال ويسكتون عن التشهير الذي يطال النساء، ليس لهم المصداقية كي يقفوا اليوم أمامنا ويدافعوا عن حقوق النساء ضد صحافي مشهود له بدفاعه المستميت عن حقوق النساء في الأرض، وفي الثروة، وفي حرية الرأي والتعبير.

إن التعاطي السطحي العام مع قضايا المساواة وعدم وضعها في عمق سياقها المرتبط ببنية التسلط، يجعل هذه القضايا سهلة التوظيف السياسي سواء من طرف الدولة بكل أدواتها ومؤسساتها أو من طرف بعض الجهات التي لا تتذكر قضايا الجندر والنوع إلا عندما تمس مصالحها. فقضايا الاغتصاب والتحرش والاستغلال قضايا بنيوية مرتبطة بمنظومة متكاملة أساسها نظام سياسي مازال يعتبر النساء آلة للإنجاب وإكسسوارا للماكياج السياسي الحقوقي، وبنية ثقافية تختزل النساء في الجنس والشهوة. الأصل في مناهضة الاغتصاب هو الانتصار للضحايا وتوفير الحماية لهن، ولكن في المقابل لا تعتبر الضحية المفترضة دائما منزهة حتى لا ننتهك عنصر البراءة، ولا نقدم شيكا على بياض كي تستعمل هذه القضايا للانتقام وإخراس الأصوات المعارضة. فليس كل مدافع عن الحقوق والحريات غير مغتصب، وليست كل مصرحة بالاغتصاب محقة ..

نعلم أننا اليوم نعيش تراجعا قيميا على المستوى الدولي والوطني، يغذيه نمط سياسي عام لا ينتصر إلا للرأي الواحد ويضع حقوق الإنسان في أسفل أجنداته، ما يجعلنا أمام اختيارين: إما أن نزيل ضبابية الصراع التي تحاول الدولة رسمها كي تخفي حدة الفقر والبطالة والتمييز التي وصل إليها مجتمعنا، والتي لا تستطيع الإجابة عنه إلا بالاعتقال والقمع والتشهير أو أن ننتظر حتى يأتي دور من سولت له نفسه انتقاد قرار أو سياسة للدولة.

إن كل من يؤمن بقضايا المساواة اليوم، عليه أن يقاوم من أجل تحصين مصداقية وعدالة هذه القضية، أن يناهض استعمالها من طرف كل الجهات لتصفية الحسابات السياسية، أن يفضح حالات الاغتصاب والتحرش، بغض النظر عن الوزن السياسي والاقتصادي والاجتماعي لمرتكبيها، وأن يساهم في محاربة العقليات التي تحتقر النساء وتختزلهن في أجساد لا دور لهن سوى الجنس والإغراء، مهما كانت توجهاتهن ومواقفهن من الدولة وسياساتها.

شارك برأيك