"روتيني اليومي" يجتاح اليوتوب المغربي..بنيس: بورنوغرافية جديدة وانعكاس لاحتباس قيمي..لابد من التأطير

30 سبتمبر 2020 - 12:00

عادت فيديوهات ما يصطلح عليه بـ”روتيني اليومي”، أخيرا، إلى الواجهة من جديد، مع زيادة عدد اليوتوبوز، اللائي توجهن نحو هذا النوع من المحتوى، إضافة إلى زيادتهن في حجم الإثارة، والإباحية، التي يلجأن إليها الكثيرات من محترفات هذا النوع من الفيديوهات، لكسب نسب مشاهدة عالية، تحقق لهن مدخولا ماليا مهما.

“الروتين اليومي” كمصطلح يحيل على ما يتكرر يوميا من عادات، وممارسات، وواجبات، غير أنه تحول في المغرب إلى مصطلح يوحي إلى استعراض مفاتن الجسم، والمؤخرات بغطاء مشاركة روتين الطبخ، والأشغال اليومية مع مشاهدين.

ولتسليط الضوء على الظاهرة أكثر، تواصل “اليوم 24،” مع اليوتوبوز فتيحة، صاحبة قناة “أفكار بسيطة مع فتيحة”، التي اشتهرت نتيجة واقعة اعتداء زوجها عليها بطعنات في مؤخراتها، قبل أن تتنازل عن الشكاية ضده، ليصبح فيما بعد مرافقا لها في الفيديوهات، وهو ما خلف جدلا أوسع.

“كنت أقدم محتوى مغاير ولم ينتبه إلي أحد”.. لـ”الروتين” نتائج سحرية

قالت فتيحة: “بداياتي في يوتوب.. كانت مغايرة، كنت أشارك متتبعي وصفات للطبخ، وأفكار بسيطة، لكنها لم تجد أي إقبال، وبالكاد يصل الفيديو إلى 100 مشاهدة، فحاولت القيام بفيديوهات ما يصطلح عليه بـ”روتيني اليومي”، التي أعطت نتيجة مرضية من حيث عدد المشاهدات”.

روتين بملابس غرفة النوم.. ومحيط اجتماعي يشجع!

وعن نقطة تعمدها إنجاز فيديوهات بملابس النوم بغرض الظهور بشكل مثير، أجابت فتيحة بسؤال استنكاري:”باش خاصني نصور روتيني اليومي؟” مضيفة: “لا يمكن أن أنجزه بجلباب، وقد جربت ذلك من قبل، وتلقيت نتيجة ذلك انتقادات”، مضيفة بنبرة تحمل نوعا من الاحتجاج :” كاين لي كيلبسو ما هو أكثر إثارة من ملابسي، ولا أحد يتحدث عنهن.. “.

وأشارت فتيحة إلى تفاعل محيطها مع مضامين فيديوهاتها: “يتعاملون بشكل عاد..أصادف أناسا يقولون لي: “الله يعاونك على وليداتك.. معمر شي حد قاليا شي حاجة خيبة”.

فتيحة تحتج:” علاش ميهضروش على لي لابسة ‘الميني’ و’الكلون’ فالشارع؟” 

وطرح” اليوم 24″ سؤالا على فتيحة حول نقطة تعمدها الإباحية في فيديوهاتها، فكان ردها: “لماذا لا ينتبه المنتقدون إلى الفيديوهات القديمة، التي كنت أنجزها بعيدا عن” الروتين”، الذي أقوم به حاليا.. لم يهتم بها أحد، ومن نفس المنطلق، لماذا لا يتحدثون عن الفتيات والنساء اللواتي يرتدين” الميني” و”الكولون” في الشارع.. أظن أن” البيجامة” ليست إباحية…”.

 فتيحة تهربت من تقديم فكرة حول حجم الأرباح، التي تحققها من احترافها “الروتين اليومي” بمبرر أنها لم تستلم بعد وثائق المدخول المادي من إدارة يوتوب، لكن أرقام المشاهدات، التي تحققها إلى جانب زميلاتها في هذا النوع من” الروتين”، تؤكد أنهن يجنين مبالغ مهمة، وذلك انطلاقا من معايير أرباح يوتوب في المغرب.

رأي علم الاجتماع في ظاهرة” روتيني اليومي”

اعتبر سعيد بنيس، أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة محمد الخامس، أن فيديوهات “روتيني اليومي”، ظاهرة مندرجة ضمن سوق اقتصادية جديدة، وهي السوق الرقمية، وقال حولها: “هي سوق لها ما لها وعليها ما عليها، فإذا كانت مبنية على المشترك القيمي، ومقومات العيش المشترك، والرابط الاجتماعي، وتخضع لتقنين، فسيكون مرحبا بها من طرف جميع الشرائح الاجتماعية، أما عكس ذلك، وأقصد عدم احترام المنظومة القيمية، وركائز التعايش، والمرجعيات الدينية، والقانونية، فهذا يخلق نشازا فيما يخص الدينامية المجتمعية”.

وأضاف بنيس: “يبدو أن هناك حاجة ملحة إلى تأطير، وإعادة النظر في الطريقة والتعابير، والايحاءات، والتنويعات اللغوية والتواصلية والخطابية، التي يوظفها اليوتوبرز في تناوله للمواضيع المقترحة”.

وحول مضامين هذه الفيديوات، زاد بنيس: “لا يمكن القول إن مواضيعها مهمة أو العكس، لأن هناك جمهورا يتابعها، وهنا نطرح السؤال: “هل يتابع الجمهور المضامين أم التعبيرات، والايحاءات الجنسية؟”.

وأردف أستاذ العلوم الاجتماعية أن هناك بضاعة جنسية غير معلن عنها، يمكن أن تستجيب لرغبات متابع معين، وهذا النوع من الغموض في التفاعل، والمتابعة، يوحي أن الرواد لا يهتمون بالمضامين، وإنما بالايحاءات الجنسية كجواب عن ثغرات في التنشئة الجنسية، وإشباع لرغبات فردية مكبوتة”.

وأشار بنيس إلى أن فيديوهات “روتيني اليومي”، التي ترتكز على الايحاءات الجنسية، نوع من البرونوغرافية، أو الإباحية، والخلاعية الجديدة الإقليمية، مضيفا: “لنكن موضوعيين هي ليست ظاهرة تهم المغرب فقط، بل إنها إقليمية، تهم دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”.

الايحاءات الجنسية مورد دخل!

وعن الهدف من فيديوهات “روتيني اليومي،” المرتبطة بالايحاءات الجنسية، أوضح بنيس: “يبدو أنه سوق، والسوق يتطلب بعض المهارات، والتعاملات، والتفاوض من أجل الربح السريع، ومن بينها بعض المهارات، والقدرات، والاستعدادات، والإيحاءات الجنسية. بالنسبة إلى اليوتوبرز، فهي تشكل مورد دخل أساسي لهن، والدخل يتأسس على جذب، وانجذاب الرواد، والحصول على أكبر عدد من المشاهدات، والمتابعات”.

وزاد بنيس: “لا نحكم على النيات، لكن يظهر، حسب تشخيص بعض الفيديوهات، أن الهدف منها ليس تعليم النساء كيف ينظفن أو يطبخن، والتوجه إليهن حصريا، بل المستهدف هو الرجل لشده إلى المتابعة من خلال إيحاءات جسديةـ وتعبيرات خلاعية، تحيل على عوالم الجنس”.

حاجة ملحة لتأطير قانوني.. وأثر خطير على الأطفال

وقال أستاذ العلوم الاجتماعية، في حديثه حول خطورة فيديوهات “روتيني اليومي”، المرتكزة على الاباحية الجديدة: “أظن أن هناك حاجة ملحة إلى تأطير قانوني، خصوصا أن نفس الوصلات يمكن أن تشاهد من طرف الأطفال، والمراهقين، وإذا كانت هناك وصلات مقبولة قانونيا، فيجب أن تخصص لفئات عمرية محددة”.

وأكد بنيس أن المشاهد يملك الحرية في الولوج، لكن بالمقابل هناك خطر على فئات أخرى من المجتمع، وهذا الإشكال يخص جميع التجارب الدولية، لهذا وجب تهيئ البيئة القانونية الملائمة لضبط هذه السوق الرقمية الجديدة”

وشدد بنيس على أن “ما يدخل في خانة الجنسي، وجب تأطيره، وضبطه من خلال جسر الأعراف، والثقافة المحلية، والمشترك المجتمعي، والتنشئة الجنسية، والمرجعيات الرمزية، وذلك حسب طبيعة المجتمع، فالمغرب له ثقافته، وهويته، تميزانه عن باقي بلدان العالم، ولا يمكننا استنساخ النماذج دون ملاءمتها للسياق، والخصوصية المغربية، ولمقولة التمغربيت”.

وتابع بنيس: “وجب أن يكون هناك تفاوض مجتمعي لرفض، أو قبول هذه الوصلات.. وإلى حدود الساعة لم نر أي رد فعل قانوني، أو مؤسساتي حول هذه الفيديوهات، التي تمهد لتجارة جديدة، وذلك لأن هناك يوتوبرز يظهرن بشكل جلي من خلال ما يقدمن أن الهدف الأساسي من وصلاتهن هو استعراض المفاتن الجسدية لجني عوائد مالية”.

” روتين” بمباركة أفراد العائلة

وعن ظهور أفراد عائلات اليوتوبرز معهن في فيديوهات “روتيني اليومي” موضوع النقاش، يعتبر بنيس أن ذلك نوعا من شرعنة ما يقمن به، ومحاولة إضفاء مشروعية غير مؤسساتية عبر الاتفاق مع عائلاتهن، ومن يهمه الأمر، واعتبار أن ما تقوم به اليوتبرز عمل مقبول، مثل باقي المهن كحل لمعضلة البطالة، أو لعدم القبول بمهن مهينة، وموسومة مجتمعيا على حد قول بعض اليوتوبرز “.

إباحية روتيني اليومي: انعكاس لاحتباس قيمي

واعتبر بنيس أن الفيديوهات المذكورة تعكس احتباسا قيميا، وقال: “بمعنى أننا إذا تقبلنا هذا النوع من الأفعال الرقيمة، فإننا نرهن الأجيال المقبلة داخل مصفوفة من القيم بذاتها تعتبر المرأة كجسد، أو بضاعة تذر دخلا على صاحبها، ويتم هذا بشكل يجعل التعامل مع الآخر يرتكز على أساس أنه زبون، ويتم استهداف مشاعره، وأحاسيسه، ومكبوتاته لجذبه، وجني أرباح من وراء انجذابه. من هذه الزاوية يمكن اعتبار هذا النوع من روتيني اليومي نوعا من التجارة الجنسية، وضربا من المتاجرة في المكبوتات”.

وزاد سعيد بنيس: “بما أن في ثقافتنا كل ما هو جنسي ممنوع، وكل ما هو ممنوع مرغوب فيه، فهذا يرهن أجيال المستقبل، وهم الأطفال، والمراهقون والشباب، باعتبار أن العالم الرقمي مفتوح للجميع، وهنا يكمن الخطر، إذ إننا نعيش احتباسا قيميا، يشبه الاحتباس الحراري، الذي يرهن مستقبل الأرض، وهذا الاحتباس القيمي سيرهن الأجيال المقبلة، ليس من منطلق أننا مجتمع محافظ، وإنما مجتمع لديه قيم يتعايش من خلالها، وعلى أساسها، وهذه القيم تفرض أساسا التفاوض، والتفاهم حول بعض الهوامش،  والفضاءات المفتوحة”.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.