إسماعيل حمودي يكتب: جبهة جديدة – اليوم 24
اسماعيل الحمودي
  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي  يكتب: الأحزاب الإسلامية ومغربية الصحراء

  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: الكركرات تكسر الوهم الجزائري

  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: وعود بايدن الحالمة

الرأي

إسماعيل حمودي يكتب: جبهة جديدة

من يسمع ويقرأ لمكونات جبهة اعتماد القاسم الانتخابي الجديد بناء على عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، يقف على حجج قانونية أو سياسية تتجاوز الإجابة عن السؤال المتعلق بهذه الآلية التقنوسياسية والجدوى منها بين باقي تقنيات المنظومة الانتخابية، إلى الإجابة عن واقع حزبي متردٍّ يُراد أن تُحمّل المسؤولية عنه القوانين الانتخابية فقط، والواقع أن تقهقر الحياة الحزبية لا يمكن ردّه إلى الانتخابات بأي حال من الأحوال….

لنرَ الحجج التي أوردها أنصار القاسم الانتخابي اعتمادا على عدد المسجلين؛ تزعم الحجة الأولى أنها تقنية تنطوي على إعادة اعتبار للناخب في حد ذاته، سواء صوّت أو لم يصوّت في الانتخابات؛ وثانيا، هي تقنية لإعادة التوازن بين الأحزاب الكبيرة والأحزاب الصغيرة، خصوصا أن الأولى تستفيد، بغير حق حسب زعمهم، من اعتماد «قاعدة أكبر بقية» في توزيع المقاعد البرلمانية؛ وثالثا أن الانتخابات يجب أن تكرس وتعزز التعددية الحزبية وليس أن تقضي عليها، في إشارة إلى أن بعض الأحزاب التاريخية، مثل الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، قد تختفي من البرلمان في حال استمرار اعتماد نمط الاقتراع الحالي؛ الحجة الرابعة أن اعتماد القاسم الانتخابي الجديد قد يرفع من نسبة المشاركة، لأن الناخب سيشعر بأن صوته سيُحتسب حتى لو لم يصوّت، وقد يدفعه ذلك إلى حمايته من خلال الذهاب إلى صناديق الاقتراع. هذه أبرز الحجج، في ما يبدو لي، التي يُرددها أنصار القاسم الانتخابي الجديد، سواء من الأغلبية الحكومية أو من المعارضة.

يسهل على رافضي المقترح الجديد دحض كل تلك الحجج دفعة واحدة؛ فالقول بتثمين وإعادة الاعتبار للناخب في حد ذاته، سواء صوّت أو لم يصوّت، تسوية غير عادلة بين من كلّف نفسه التصويت اقتناعا برأي سياسي معين، ومن لم يكلّف نفسه أي شيء، كمن يسوي بين الموظف الذي يؤدي واجباته الوطنية بنزاهة وإخلاص وبين الموظف المتقاعس والغشاش في أداء عمله، وهذا المنطق ينافي روح المواطنة التي يزعم هؤلاء الدفاع عن قيمها. وتنطوي حجة التوازن بين الأحزاب الكبيرة والصغيرة على المخاطر عينها، لأنها حجة تؤدي إلى معاقبة الأحزاب الجادة والمناضلة لإرضاء الأحزاب الكسولة والمنسحبة من مهام التأطير والنضال اليومي في وسط المجتمع.

إنها حجة تشجع على الكسل الحزبي، بل وعلى الفراغ الحزبي، الذي نريد تجنبه وعدم الوقوع فيه. وإذا كان صحيحا أن الانتخابات ينبغي أن تكرس وتعزز التعددية، فإن أصحاب هذه الحجة يجب أن يدركوا أن الانتخابات منظومة آليات سياسية وتقنية لإدارة الصراع الناتج عن تعددية الرؤى والأفكار والبرامج القائمة في المجتمع وليس لخلقها، والحال أن البعض يريد استعمال القوانين الانتخابية لكي يستمر في البقاء، الذي بات يفتقر تدريجيا إلى مقوماته.

إذا تأكد كل ما سبق، فإن باقي الحجج تبدو دون أساس منطقي، كالقول إن اعتماد القاسم الجديد سيؤدي إلى رفع نسبة المشاركة، والحال أنه قد يؤدي بالناخب الجيد إلى التقاعس عن التصويت مادام صوته سيُحتسب حتى لو لم يدل به. أو القول إن «البيجيدي» لا يمكن أن يقود الحكومة للمرة الثالثة بمليون ونصف مليون صوت فقط، وإن الإرادة الشعبية توجد خارج صناديق الاقتراع، لأنه منطق، إن نحن مضينا مع أصحابه إلى النهاية، سيقودنا إلى طرح السؤال حول الجدوى من الانتخابات أصلا، وهو منطق عبثي على كل حال.

لا يعني ذلك أن المقترح الجديد حول القاسم الانتخابي مناف للدستور كما يقول البعض، فهو تقنية الغرض منها سياسي، وفي السياسة يجوز كل شيء، ولا حاجة إلى القول إن من يقفون وراء المقترح الجديد إنما يدافعون عن مصالح سياسية بحتة، لكن لا يمكن القول إن مصالح حزب الأصالة والمعاصرة هي نفسها مصالح حزب الاستقلال أو مصالح الاتحاد الاشتراكي، بالنظر إلى الفروقات الجوهرية القائمة بين كل تلك الأحزاب، بيد أن اصطفافها جميعا في جبهة جديدة يشير إلى أن المقترح إنما هو قرار سياسي اتُخذ في مكان معين ضد حزب معين، وما على الأحزاب المعنية به إلا أن تصطف صفا واحدا دفاعا عنه، وهو الواقع الذي نشاهده بوضوح بيّن.

بكلمة موجزة، إن الجدل القائم حول القاسم الانتخابي يكشف مدى حساسية أكثر من جهة داخل المؤسسات وخارجها من استمرار حزب العدالة والتنمية في قيادة الحكومة لولاية ثالثة. وقد منح النقاش حول القوانين الانتخابية تلك الجهات الفرصة للاصطفاف والتشكل، رغم الفروقات السياسية بينها، ويمكن القول إن هذا الجدل، على حدته، ما هو إلا تسخينات أولية حول طبيعة المعركة المقبلة بين «البيجيدي» وخصومه، والتي بدأت من الآن حول القاسم الانتخابي الجديد، لكنها قد تشتعل أكثر كلما رجحت احتمالات فوز «البيجيدي» مرة ثالثة، وذلك هو السؤال الحارق الذي يؤرق مكونات الجبهة الجديدة.

شارك برأيك