بلال التليدي: يكتب حجج سخيفة

09/10/2020 - 17:30
بلال التليدي: يكتب حجج سخيفة

أتابع النقاش حول القوانين الانتخابية، وأحاول أن أستقرئ الحجج التي يجري الدفع بها لإقناع الرأي العام بالجدوى من القاسم الانتخابي على أساس المسجلين لا عدد المصوتين.

لا أحب أن أبدأ بتسجيل أي ملاحظة عن الجهة المنتجة لهذه الحجج، فهذا من شأنه أن يفسد التحليل، مع أن لهذه الملاحظة قيمتها المركزية في فهم ما يجري في الحقل السياسي.

لنتجاوزها مؤقتا، ولنمض رأسا إلى الحجج، التي تمثل، بلغة ماركس، الإيديولوجيا التي تخفي جوهر الصراع والفاعلين الرئيسيين فيه، أو هي بالتعبير الأدق، الوعي الزائف الذي يضلل الرأي العام عن حقيقة صراع السياسة.

في البدء، كانت الحجة قريبة من المفاهيم الديمقراطية. التداول، استعملت للإقناع بضرورة إنهاء مرحلة العدالة والتنمية، لتبدأ مرحلة أخرى، يديرها فاعلون سياسيون آخرون.

وهي، في الواقع، حجة تحظى بالمصداقية إن بقيت منشدة إلى مجالها التداولي، أي المفاهيم الديمقراطية، فالتداول لا يتصور معناه خارج عملية انتخابية حقيقية، تحدد نتائجها الإرادة الشعبية، وتخضع لمنافسة سياسية قوية، تقوم على أساس الدفاع عن التجربة من جهة أحزاب الحكومة، ونقدها من جهة أحزاب المعارضة، أو تقوم على عنوان سياسي، تختاره المعارضة لحسم المعركة مع التجربة الحكومية.

حجة التداول خارج المفاهيم الديمقراطية، وخارج آليات الحسم الديمقراطي، تبقى سخيفة وغير ذات معنى، واستعمالها خارج هذا المجال التداولي عبث يجعل التجربة التي تقام عليه محط سخرية، ما وجب معه ترك هذه الحجة والبحث عن أخرى.

ثم هناك حجة أخرى أكثر سخافة من سابقتها، وهي حجة نفسية، تستعمل مفاهيم التعب والملل في الحياة السياسية جراء بقاء حزب على رأس قيادة الحكومة لولايات ثلاث، والمشكلة أن بعض الذين روجوا بقوة هذه الحجة، خلفيتهم المعرفية ليست بعيدة عن العلوم السياسية، ومع ذلك، فإنهم لا يكترثون بخذلان معارفهم العلمية، ولا يفترضون حجم السخرية التي يمكن أن تلحقهم جراء ترويج مقولات عاطفية ونفسية، ليس لها أي علاقة بحقل السياسة.

الحجة الثالثة تستدعي الاشتباك معها، وهي: الهيمنة، فالبعض يرى أن ثلاث ولايات على رأس الحكومة تكرس مفهوم الهيمنة على الحقل السياسي، وتهدد التعددية.

 وعلى فرض صحة هذه المقولة، فإن فعاليتها تتوقف على طبيعة النسق السياسي، وما إذا كان يسمح بذلك، أم لا، خاصة أن هناك اطرادا في الملاحظة البحثية التي تخص طبيعة النظام السياسي المغربي، تجعل الهيمنة غير متصورة سواء بالضابط الدستوري أو المؤسساتي، أو حتى الضابط السياسي الانتخابي، حتى إن صناع القرار السياسي في أمريكا وأوربا، حسب مخرجات مستودعات التفكير، يعتبرون مشكلة هيمنة الإسلاميين غير مطروحة في المغرب والأردن، ويعللون ذلك بوجود ضمانة المؤسسة الملكية، والإطار الدستوري والمؤسساتي والسياسي والانتخابي.

لن نفترض، إذن، صحة هذه المقولة بناء على المعطيات المذكورة آنفا، لكن، في المقابل، نتساءل عن آليات إنهاء هذه الهيمنة المفترضة، وهل يسعف في ذلك وجود منافسين حقيقيين، يعبرون عن قاعدة عريضة في المجتمع، أم بالبحث عن تكتيكيات تقنية غير ديمقراطية؟

ثمة حجة رابعة مضحكة، جرى الدفع بها الأيام القليلة الماضية، تتحدث عن دمقرطة الديمقراطية في المغرب، أي إصلاح هذا النموذج الديمقراطي المعتل، الذي يضطر إلى إنتاج نتيجة واحدة هي فوز العدالة والتنمية، وهي أسخف حجة يمكن أن ينتجها مشتبك بحقل العلوم السياسية، إذ لو تحول السؤال إلى بحث عطب الأحزاب غير القادرة على المنافسة، أو بحث السبب الذي يجعل الرأي العام، على غير القاعدة، يعطي صوته للأحزاب التي يفترض أن تستنزفها التجربة الحكومية، لكان هذا هو المنطلق للجواب.

مؤشرات قياس الرأي، في كثير من الدراسات، تقدم أرقاما مخيفة عن نسبة الثقة في المعارضة، فكيف يمكن الثقة اليوم في أنه بالإمكان هزم الهيمنة المفترضة بأحزاب تتمتع بهذا المنسوب الضعيف من الثقة؟

لا أريد الاستطراد أكثر في جرد الحجج، فلقد كان الخطاب بالأمس موجها لنقد التجربة الحكومية، وصاحبه خطاب آخر يستهدف الرصيد الأخلاقي للعدالة والتنمية، لكننا نفاجأ، اليوم، بسقوط هذه الحجج وظهور حجج أخرى أكثر سخافة، والمفارقة أن من ينتجها ليس الأحزاب السياسية، بل جهات أخرى، كانت، بالأمس، تنتقد أحزاب المعارضة وعجزها، فأصبحت، اليوم، تدافع عن أن تكون بديلا لـ«الهيمنة».

أتذكر عندما فازت جبهة الإنقاذ بالدور الأول في الانتخابات، كان الإسلاميون في المغرب يتهيؤون للمشاركة في الانتخابات، لكنهم عدلوا عن ذلك، وعللوا ذلك بأن السياق الإقليمي لا يشجع على ذلك، وأن مصلحة البلد في هذه الفترة تقتضي عدم المشاركة.

لو اجتهد هؤلاء في إنتاج حجة مثيلة، وحاولوا إقناع الإسلاميين بها، لكن أجدى من هذه الحجج السخيفة التي تشوه صورة المغرب الديمقراطية.

شارك المقال