الجائحة.. حقائق مخيفة وجاهزية مفقودة.. هل يقول المسؤولون المغاربة الحقيقة؟- تحقيق

10 أكتوبر 2020 - 20:00

في وقت يخشى فيه الكثيرون الوصول إلى مرحلة انهيار المنظومة الصحية، خاصة أن كل المؤشرات الوبائية تعرف تطورا من سيئ إلى أسوأ، مع تسجيل أرقام قياسية في عدد الإصابات الجديدة والوفيات، آخرها المعلنة مساء أول أمس الأربعاء (2929 إصابة جديدة في 24 ساعة و47 وفاة)، فيما بلغت وفيات «كورونا» في البلد، خلال شهر شتنبر، 1053 حالة، مرتفعة بـ33 في المائة مقارنة بشهر غشت الماضي، كما سجلنا الأسبوع الماضي أكبر عدد للوفيات بكورونا، بما مجموعه 261 حالة، بزيادة بلغت 9,2 في المائة مقارنة بالأسبوع الذي سبقه.

 وأمام ما يروج عن حالة «فقدان السيطرة» على تدبير الحرب ضد الجائحة ببعض المدن، وفي مقدمتها الدار البيضاء، تُطرح تساؤلات حول واقع الأمن الصحي للمغاربة في ظل الجائحة، وما إن كانت الأرقام المعلنة تكشف حقيقة الوضع، وعن قدرة المنظومة الصحية على مجابهة الجائحة في المقبل من الأيام.

وإذا كانت الحرب ضد كورونا تدور رحاها، أساسا، في أقسام الإنعاش الطبي، فإن أربعة مؤشرات تحدد أفق المعركة، وهي عدد أسرَّة الإنعاش المتوفرة في مستشفيات المغرب، وعدد الأطباء المختصين في الإنعاش والتخدير، وعدد الممرضين المتخصصين في الإنعاش، وعدد أجهزة «السكانير» المستعملة في التشخيص الأولي لحالات المشتبه في إصابتهم بالفيروس.

تقدم “اليوم 24” معطيات تحليلية للخريطة الصحية للمغرب، تنشر أول مرة، وتكشف التوزيع غير المتوازن للأطر الصحية والأجهزة الطبية على جهات المملكة، بما يسمح بإجراء تقاطعات للمعطيات التحليلية، لرسم صورة تفاعلية متكاملة عن جاهزية المستشفيات لخوض «الحرب» ضد الجائحة، في وقت ظلت فيه جثة 10 أيام في مستودع الأموات، تنتظر اختبار كشف «كورونا»!

وفي ظل وجود قناعة بأن أرقام عدد المصابين بكورونا، التي تعلن، يوميا، أقل بكثير من عدد الحالات المصابة فعليا، وهو ما يحتاج إلى مؤشرات تثبتها، فيما تُتهم دول بالتلاعب في أرقام الإصابات، التزم رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، أسبوعين بعد دخول الفيروس إلى المغرب، في مارس الماضي، بـ«الشفافية في تقديم المعلومات المتعلقة بكورونا للمغاربة، التزاما بأوامر الملك محمد السادس، الذي طلب من الحكومة الصدق والشفافية».

 ترصد “اليوم 24″، في هذا العمل الاستقصائي، الذي تنشره على جزئين، مؤشرات ترجح فرضية عدم كشف الأرقام الحقيقية، سواء تعلق الأمر بطريقة اشتغال 18 مختبرا خاصا، شرعت الوزارة في منحها التراخيص منذ 15 غشت الماضي، لكنها ظلت خارج المراقبة، أو وجود تحاليل مضللة ومتناقضة، في العلاقة بالاختبار السريع، المعتمد منذ منتصف غشت الماضي ضمن البروتوكول.

ورصد هذا العمل الاستقصائي اختلالات في مسارات تشخيص «كوفيد-19»، وتتبع مرضى بالفيروس، واستقى شهاداتهم، ووضع بروتوكول التكفل بمرضى «كورونا» في المغرب تحت المجهر، للتحقق من أنه تعرض للاختراق، ما تسبب في إخفاء الإصابات، وعرض حياة المرضى للخطر، لعدم جاهزية المستشفيات لتدبير الحرب ضد الجائحة.

وفي رحلة للبحث عن الحقائق المخفية، اختارت “اليوم 24” مسارين للحصول على المعطيات الرسمية؛ كشف أحدهما أن وزارة الصحة «خارج القانون» في ما يخص تنفيذ مضامين قانون الحق في الحصول على المعلومة، والذي تفخر به المملكة أمام المنتظم الدولي، خاصة بعدما دخل حيز التنفيذ في مارس الماضي.

في هذا الجزء الأول من التحقيق، رصدت “اليوم 24″، اختلالات في مسارات تشخيص “كوفيد-19″، تتبعنا مرضى بالفيروس، واستقينا شهاداتهم، ورسمنا معالم الخريطة الصحية في زمن “كورونا”، ووضعنا بروتوكول التكفل بمرضى “كورونا” في المغرب تحت المجهر، للتحقق من أنه تعرض للاختراق، ما تسبب في إخفاء الإصابات، وعرض حياة المرضى للخطر، لعدم جاهزية المستشفيات لتدبير الحرب ضد الجائحة.

لاتزال فاطمة (اسم مستعار)  تتذكر اللحظات الأخيرة لوفاة عمها، وهو في عقده السابع، متأثرا بتداعيات الإصابة بالجائحة، رحل الرجل تاركا “في الحلق غصة، وفي القلب حرقة، وفي الروح مرارة لا تهدأ أبدا”، ليس لأنه أول من خطفه الفيروس من أسرته، ولكن للإحساس بـ”تقصير من استأمنوا على حفظ الأمن الصحي للمغاربة، وتدبير الحرب ضد الجائحة”.

وللقصة بداية، حين ظهرت أعراض الجائحة على الرجل “السبعيني”، هرع مسرعا إلى إجراء التحاليل المخبرية للكشف عن الفيروس، تقول قريبته، “ألزمونا بالاكتفاء بإجراء اختبار الكشف السريع أولا، ظهرت النتيجة سلبية، فأخبرونا بأن البروتوكول يمنع إجراء اختبار الـPCR، مادام الاختبار السريع (السيرولوجي) سلبي”.

ويقول الأطباء إن الاختبار السريع لن تظهر نتائجه “إيجابية” إلا بعد أسبوع على الأقل من الإصابة بالفيروس، ما يعرض حياة المرضى للخطر، ويزيد من احتمال وصولهم إلى مرحلة الإنعاش، ففي بريطانيا مثلا، قالت هيأة الصحة العامة، إنها تعتمد الاختبار السريع لـ”الكشف عن الأجسام المناعية في عينة الدم، وللتأكد مما إن كان الشخص أصيب بالفيروس، وربما تَحصّل على بعض المناعة ضده”.

عاد الرجل “السبعيني” إلى منزله مطمئنا لعدم إصابته بالجائحة، وهو يعلم، وأسرته علم اليقين، أن حياته مهددة إن تمكن الفيروس من جسمه النحيف، في ظل توفر أغلب عوامل الاختطار، التي حفظها المغاربة عن ظهر قلب، مع توالي نشرات “كوفيد-19″، التي كانت تذيعها القنوات الوطنية، يوميا، في الساعة السادسة مساء.

لم تمض إلا ثلاثة أيام حتى تدهورت الحالة الصحية للرجل، أدخلوه على وجه الاستعجال إلى قسم الإنعاش في المستشفى الجامعي  في فاس، فأكد الفحص بالأشعة على مستوى القفص الصدري أن الفيروس فتك بجهازه التنفسي، بل ولامه بعضٌ على التأخر في الذهاب إلى المستشفى، ثم أكد الاختبار التشخيصي الـPCR  الإصابة بالجائحة، ليفارق الحياة ساعات فقط، بعد دخوله غرفة الإنعاش.

أيام بعد وفاة الرجل، لجأت أخته إلى مختبر “خاص” لإجراء الكشف عن “كورونا”، هربا من “بروتوكول”، تقول إنه تسبب في وفاة الأخ، الذي كان بمثابة الأب، يُلزم المشتبه في إصابتهم بالفيروس، بإجراء اختبارات الكشف السريعة أولا.

نتائج الكشف عن الفيروس لأخت الرجل “السبعيني” المتوفى، ظهرت إيجابية، فاختارت الحجر الصحي المنزلي طوعا، دون أن تُعلم السلطات بإصابتها بالداء، ولا أن تُعد ضمن الحالات المؤكد إصابتها، والمعلن عنها، يوميا، في الساعة السادسة مساء، “لقد فقدت الثقة في مؤسسات الصحة العمومية”، بحسب إحدى قريباتها، التي أضافت: “كانت خائفة من حملها على دخول أحد المستشفيات المخصصة لمرضى كورونا، التي انتشرت صور سلبية عن بعضها، وتداول رواد شبكات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو توثق لمشاهد صادمة من داخلها”.

 قصة فاطمة، وشقيقها، وغيرها من القصص الكثيرة، التي يتداولها المغاربة، تؤكد أن “الفيروس بات يطرق أبواب عدد من المغاربة، ويهدد حياة المسنين، الذين يعانون أمراض مزمنة، في ظل وجود مرضى حاملين للفيروس بينهم، يتحركون كما شاؤوا، مطمئنون لعدم إصابتهم، بعد تأكيد المختبرات الخاصة إصابتهم بالفيروس دون إخبار السلطات الصحية، أو بعد إجراء اختبار الكشف السريع، الذي يصفه ÇáÈÚÖ بـ”المضلل”.

فهل اخترق مسار التكفل بمرضى كورونا في المغرب؟

“كوفيد” مخترق

حتى وإن كانت  قناعة عند الأطباء، بأن أرقام عدد المصابين بكورونا، المعلن عنها، يوميا، أقل بكثير من عدد الحالات المصابة فعليا، لكن هذه المسألة تحتاج إلى مؤشرات تثبتها، لأنه في الوقت الذي تتهم فيه دول بالتلاعب في أرقام الإصابات، التزم رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، أسبوعين عن دخول الفيروس إلى المغرب، في مارس الماضي، بـ”الشفافية في تقديم المعلومات المتعلقة بكورونا للمغاربة، التزاما بأوامر الملك محمد السادس، الذي طلب من الحكومة الصدق والشفافية”، يؤكد العثماني في لقاء مباشر على القنوات الوطنية.

وأولى المؤشرات، التي ترجح فرضية عدم كشف الأرقام، هي طريقة اشتغال 18 مختبرا خاصا، شرعت الوزارة في منحهم التراخيص منذ 15 غشت، بحسب لائحة نشرها المعهد الوطني للصحة منتصف الشهر الماضي، لكن تلك المختبرات، ظلت خارج المراقبة الصارمة لعدة أسابيع، ونجمت عن ذلك عدة اختلالات.

المعطيات، التي حصل عليها “اليوم 24″، من مصادر مسؤولة، تفيد بأن وزير الصحة توصل بتقارير، تؤكد أن المختبرات الخاصة “تتحايل”، وتتعمد إخفاء نتائج التحاليل.

والصادم في التقارير المذكورة، التي اطلع “اليوم 24” على مضمونها، أن بعض المختبرات، كانت تُخير المرضى المشتبه في إصابتهم، والذين يتقدمون إليها، بين إدخال معطياتهم في قاعدة البيانات، أو التغاضي عنها، ما يجعل البيانات، التي تقدمها لمصالح وزارة الصحة، محط شكوك حول صدقيتها، مسجلة وجود “تجاوزات”، تتعلق بتعمد بعض المختبرات عدم التصريح بنتائج التحاليل.

وعلى الرغم من التجاوزات المؤكدة في التقارير الموضوعة على طاولة الوزير، المسؤول عن الأمن الصحي للمملكة، فإن وزارته لم تفتح تحقيقا، لردع المخالفين، أملا في منح بعض المصداقية للأرقام المعلن عنها، بما يضمن تتبعا آمنا لمرضى كورونا في المغرب.

بينما اكتفت الوزارة، وفق مسؤولة تحدث إليها “اليوم 24″، بسحب التراخيص من بعض المختبرات، مختفية وراء “انعدام الشروط الصحية لإجراء التحاليل”، كما حصل في مدينة فاس، حيث جرى توقيف جميع المختبرات الخاصة المرخص لها إجراء اختبارات “كوفيد-19″، بداية شهر شتنبر الماضي، قبل أن تعود إلى العمل لاحقا!

ومدينة فاس إحدى المدن، التي كانت في القائمة السوداء لأكثر المدن إصابة خلال شهري يوليوز، وغشت، ما دفع الحكومة إلى إغلاق منافذها، وتشديد إجراءات المراقبة، بينما تسجل، حاليا، ما بين 10 و20 حالة فقط، من الإصابة يوميا، ولايزال عدد من المواطنين ينتظرون دورهم لإجراء التحاليل.

الشابة “خولة”، المنحدرة من ضواحي فاس، قدمت في شهادتها لـ”اليوم 24″، صورة مصغرة عن طريقة اشتغال المختبرات الخاصة، وحكت عن لجوء خالتها إلى أحدها، حيث جرى أخذ عينة منها لتحليلها، وبعد 24 ساعة، ظهرت النتيجة إيجابية، وتأكدت إصابتها بالفيروس التاجي.

وأضافت خولة: “عادت خالتي إلى المنزل، وكأن شيئا لم يكن، لم يتصل بها أحد، ما يعني أن المختبر لم يُخبر المصالح الصحية بنتيجة الاختبار، خالتي اختارت أن تعالج نفسها بنفسها، لم تأخذ الكلوروكين، لأنه غير متوفر في الصيدليات، اكتفت بأدوية تتضمن الفيتامينات، لكنها اعتمدت بالدرجة الأولى على الأعشاب”.

في فاس دائما، لجأ صاحب معمل يشغل 160 مستخدما ومستخدمة، إلى مختبر خاص، لإجراء اختبار الكشف عن الفيروس، ولأنه يعلم مسبقا أنه إذا تأكدت إصابته، ستضطر السلطات إلى إغلاق معمله مؤقتا لأسبوعين على الأقل، فإنه لم يكشف هويته الحقيقية، وبالفعل ظهرت نتيجة اختباره إيجابية، فلجأ إلى المنزل من أجل الحجر الصحي المنزلي، وحتى قبل أن تقره الوزارة في بروتكول العلاج، بينما لم تعلم السلطات بإصابته، لأن المختبر لم يصرح بذلك لدى مصالح وزارة الصحة، ليستمر المعمل في الاشتغال دون أن يخضع المخالطون لأي تتبع، وأكدت مصادر إصابة عدد منهم، في وقت لاحق.

والمثير للانتباه، أن وزارة الصحة لاذت بالصمت أمام حجم الاختلالات المذكورة، وغيرها، وحتى حين راسلنا وزير الصحة في 14 شتنبر الماضي، لطلب معطيات وتوضيحات، ولكي يدافع عن اختيارات وزارته، كان “التسويف” سيد الموقف، لحوالي أربعة أسابيع!

الرأي العام الوطني لا يعرف عدد التحاليل، التي قامت بها المختبرات الخاصة، ولا عدد الحالات، التي تأكدت إصابتها بالفيروس، وما إن كانت تحتسب ضمن الحصيلة اليومية أم لا؟

وحتى إن كان يوجد معهد وطني للصحة، عُهد إليه بتتبع عمل المختبرات الخاصة، المرخص لها بإجراء اختبارات “كورنا”، فإنه، أيضا، يُحجم عن كشف المعطيات، التي في نهاية المطاف غير مستثنية من الحق في الحصول على المعلومة، ولا تتعلق بالدفاع الوطني، ولا الأمن الداخلي أو الخارجي للبلد، ففي 17 شتنبر الماضي، تواصلت “اليوم 24” مع المسؤول الأول عن المعهد، فطلب في البدء أن نمده بنوع المعطيات والأسئلة، التي نريد إجابات عنها، فتم ذلك، ملتزما بالتفاعل الإيجابي مع الطلب، لكن سرعان ما عاد ليعتذر ستة أيام بعد ذلك، إذ اشترط الحصول على ترخيص من الوزارة أولا!

تحاليل مضللة ومتناقضة!

ثاني المؤشرات، المتعلقة باختراق مسار التكفل بمرضى “كورونا”، يتعلق باختبارات الكشف السريع، فالمغرب اتخذ، منذ الأسبوع الثاني من غشت الماضي، وبالتزامن مع الارتفاع الكبير في عدد الإصابات بعد رفع الحجر الصحي، إجراءات جديدة، تضمنها منشور لوزير الصحة، وجهه يوم 13 غشت الماضي، لمسؤولي القطاع في الجهات، تتعلق بالعمل بالاختبارات السريعة Tests rapides sérologique، على مستوى المراكز الصحية.

المنشور أكد أنه إذا كانت تحليلة الاختبار السريع إيجابية، فإن المريض يحال على المستشفى من أجل إجراء تحليلة PCR، المعتمدة للتأكد من الإصابة بالفيروس، أما إذا كانت التحليلة السريعة سلبية، فإنه لا يمكن إجراء تحليلة الـPCR، وأضاف أنه يجب في هذه الحالة “التوعية من أجل الامتثال للإجراءات الوقائية”.

بينما يقول الأطباء، وتؤكد الدراسات، أن التحليلة السريعة تكون سلبية إذا كان المصاب في الأطوار الأولى للمرض، ولا تكون إيجابية، إلا بعد 7 أيام على الأقل من الإصابة.

ويبدو جليا، من خلال عدة شهادات ووقائع أن تلك الاختبارات السريعة “كانت مضللة”، كما هو الحال بالنسبة إلى الرجل “السبعيني”، المنحدر من فاس، أو في حالات أخرى، تتناقض مع نتائج اختبار كشف الفيروس الـPCR، المعتمد دوليا، والتي تظهر نتائجه بعد 48 ساعة عن أخذ مسحات من لعاب الشخص المشتبه في إصابته، وهنا نتوقف عند حالة وفاة في العرائش، حيث أكد الاختبار السريع الإصابة، ليوارى الرجل الثرى، وفق بروتوكول دفن موتى “كورونا”، قبل أن تظهر نتائج “سلبية”، لاختبار الكشف عن الفيروس(PCR) .

ففي الساعات الأولى من يوم 18 شتنبر الماضي (حوالي الواحدة صباحا)، دخل عادل الزيتي، رجل تعليم في مدينة العرائش، المستشفى الإقليمي في المدينة، وضعوه في قاعة العزل، في انتظار تشخيص حالته.

كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليلة الموالية لدخول عادل إلى المستشفى، أخذ هاتفه، واتصل بزوجته، وقال بنبرة غاضبة، وهو الرجل الهادئ، الذي لم يعتد لا على الغضب، ولا التشكي، بحسب زملائه، –قال-: “اسمعيني جيدا، أنا مقهور، مريض جدا، وسمعت بأن الطاقم الطبي غير موجود في المداومة، ولن يراني أحد، بينما وضعي الصحي جد صعب”، تحكي زوجته نوال، في اتصال هاتفي بـ”اليوم 24”.

وأضافت الأرملة: “منحوه الأكسجين فقط، ولم يقترب منه أحد، طوال اليوم، الذي دخل فيه إلى المستشفى، بينما حالته كانت تتطلب الإنعاش والعناية المركزة، وليس الأكسجين فقط، لأن جهازه التنفسي كان متضررا كثيرا”، واسترسلت، “وضعوه في قاعة للعزل، وأغلقوا عليه القاعة بالسلاسل، لم تكن أية مداومة طبية (ليلة الجمعة/ السبت)، أي 24 ساعة بعد دخوله إلى المستشفى”، وتحدثت نوال عن “الإهمال”، مضيفة: “للأسف، لم يأخذ زوجي العلاج الذي كان يجب أن يُقدم له.. الله يأخذ الحق.”

وترى أرملة عادل أن “مستشفى العرائش، مثل سجن غوانتنامو”، وقالت: “لم نعرف أي شيء عن المريض منذ أن دخل إلى المستشفى، لا أحد يتحدث إلينا ليطلعنا عن تطورات وضعه الصحي، فقط مكالمة هاتفية منه، ساعات قبل وفاته، اشتكى فيها من الإهمال”.

حين دخل المتوفى إلى المستشفى أخذوا له العينة من أجل اختبار كورونا، كان من المفروض أن تظهر النتيجة، صباح السبت 19 غشت، ليتم إخبار الأسرة بأنها غير متوفرة، ويجب إعادة الاختبار، بعد ذلك بأقل من ساعتين، أعلن عن وفاة المريض، تم إجراء الاختبار السريع (teste rapide)، ظهر إيجابيا، بحسب رواية الأرملة، ما يعني أن المريض مصاب بالجائحة، فدفن وفق بروتوكول “كوفيد-19″، الذي وضعته السلطات لدفن الموتى المصابين بالفيروس، بينما كان قد خضع لاختبار آخر للـ”PCR”، بعدما لم تظهر نتيجة الاختبار الأول، الذي أجري له، لحظة دخوله إلى المستشفى.

 وبالتزامن مع مطالب متزايدة بفتح تحقيق في ظروف وفاة “عادل”، وما إن كان هناك تقصير طبي، وفي مفاجأة “من العيار الثقيل”، بحسب أسرته، ظهرت نتيجة اختبار الـPCR، بعد ثلاثة أيام من وفاته، وجاءت معاكسة لنتيجة الاختبار الأول “السريع”، إذ أكدت أن الرجل لم يكن مصابا بـ”كورونا”، بينما الاختبار السريع أكد إصابته!

القضية المذكورة عرفت تطورات متسارعة حين قررت الأسرة “رفع شكاية أمام القضاء”، متهمة المستشفى بـ”التقصير والإهمال، ما تسبب في الوفاة”، وأكدت أرملة عادل، أنها تقدمت بطلب إلى منظمة حقوقية، قصد الترافع باسم الأسرة في الملف، بينما وجه النائب البرلماني نجيب البقالي، سؤالا كتابيا في الموضوع، إلى وزير الصحة، بينما تعذر أخذ رأي وزارة الصحة في الموضوع، وظل هاتف كل من مندوب الصحب بالعرائش، ومدير المستشفى الإقليمي يرن دون رد.

وما زاد الطين بلة أنه، على الرغم من تعدد حالات التناقض بين الاختبارين، السريع، والـPCR، فإنه لايزال معتمدا ضمن بروتوكول وزارة الصحة، بينما أحيط عدد من مسؤولي الوزارة علما بالموضوع، كما هو الشأن بالنسبة إلى حالة أميمة (اسم مستعار)، رئيسة مصلحة في مؤسسة عمومية في مكناس، والتي ظهرت عليها أعراض الفيروس، في منتصف الشهر الماضي، فلجأت إلى مصالح الصحة العمومية، التي أجرت لها اختبار الكشف السريع (السيرولوجي)، وظهرت نتائجه في غضون 10 دقائق، وكانت “سلبية”، أي أنها غير مصابة.

وأكد أحد زملاء أميمة لـ”اليوم 24″ أنها عادت إلى مزاولة عملها بشكل طبيعي في مكتبها، ولأن الأعراض لم تختفي، بل زادت حدتها، ولأن البروتوكول المعتمد لا يسمح بإجراء اختبار الـPCR إلا بعد “اختبار” سريع “إيجابي”، لجأت أميمة إلى مختبر خاص، ثلاثة أيام بعد إجراء الاختبار السريع، فظهرت نتيجة الـPCR  إيجابية، يعني أنها مصابة بالجائحة.

دب الهلع في صفوف زملاء وزميلات أميمة الموظفين، خصوصا أنها اختارت الحجر الصحي المنزلي طوعا، دون أن تُعلِم السلطات بإصابتها، ودون أن يشملها بروتوكول التكفل بالمصابين، ما يعني أن المختبر “الخاص”، لم يصرح بنتائج اختبارها.

وفي وقت كان من المفروض فيه الاتصال بالمخالطين لإجراء التحاليل، ولأن هذه العملية لم تتم، لأن السلطات الصحية لا علم لها بالإصابة، بادر زملاء المصابة بالاتصال بمصالح الصحة العمومية، التي رفضت أن تجري لهم اختبار PCR، لأن عددهم كبير، بحسب قول أحد المسؤولين! وقال: “سنكتفي بالاختبار السريع فقط”.

وقال أحد المخالطين لأميمة: “الاختبار السريع هو نفسه الذي أجرته زميلتنا وظهر سلبيا، وبعدها بـ76 ساعة أكد مختبر خاص إصابتها بالفيروس، بعد إجراء الـPCR”، متسائلا: “ما الفائدة إذًا؟ هل يريدون الانتظار إلى أن يتمكن الفيروس من أجسادنا؟”

والملفت للانتباه في الموضوع، هو وجود دراسة لمديرية الأوبئة في وزارة الصحة، تتبعت من خلالها عددا من الأشخاص، وتبين لها أن 87 في المائة منهم لم تظهر عليهم أعراض المرض مطلقا، لكن حالتهم إيجابية، ما يجعل أن عدم توصل الوزارة ببيانات الأشخاص المصابين، الذين شخصت المختبرات الخاصة حالتهم، ينذر بخطر “محدق” في ظل تزايد عدد الحالات غير المعنية بمسار التكفل بمرضى “كورونا”، ما يجعل حياتهم في خطر، وأيضا حياة من يخالطونهم، ومن جهة أخرى، يؤكد الوضع أن الأرقام المعلنة، يوميا، لا تعبر عن العدد الحقيقي للمصابين.

“عُشُر” الحقيقة 

محمد أمين بروحو، البروفيسور بكلية الطب والصيدلة بفاس، أثبت أن الأرقام المعلنة ليست دقيقة، وهو يعلم جيدا أنه مهما كانت قدرات المستشفيات المغربية، فإنها ستظل عاجزة عن تشخيص كل الحالات، وهذا ينطبق على دول معروفة بمنظوماتها الصحية المتطورة، التي لا يمكن مقارنتها مع المغرب.

لذلك، فـ”بروحو” مقتنع بأن “الجائحة تنتشر بسرعة وبشكل صامت، ومهما كانت القدرة على التشخيص، لا يمكن تشخيص كل الحالات”، وأكد في جوابه عن سؤال لمعد هذا العمل الاستقصائي أن “الوباء ينتشر بشكل صامت، والأشخاص المصابون، الذين لا تظهر عليهم الأعراض ينقلون العدوى، لا هم يعرفون أنهم مصابون ولا المنظومة الصحية قادرة على ذلك”، وهو ما ذهبت إليه دراسة مديرية الأوبئة في وزارة الصحة، حيث تبين أن الكثيرين لا يعرفون أنهم قنابل تقصف من حولهم بالفيروس اللعين، بينما لا يظهر بعد أن هناك إمكانية للاستجابة للحاجة المتزايدة للاختبارات، بسبب الوصول إلى “مرحلة الإشباع”، كما يصفها البروفيسور “بروحو”.

الوصول إلى مرحلة الإشباع يعني أن “المختبرات تقوم بالحد الأقصى من الاختبارات”، يضيف بروحو، “نحن لا نرى سوى جزء من الواقع، وفي التقديرات المتعلقة بما تعجز المنظومة الصحية على تشخيصها، يجب أن نضاعف العدد، الذي يعلن عنه بـ10 مرات، فما نعلن عنه أقل بكثير من الواقع”.

وزارة “الصحة” خارج القانون!

في رحلتنا للبحث عن الحقائق المخفية، اخترنا مسارين للحصول على المعلومة من المصادر الرسمية، (وزارة الصحة)، التي تسمح بتحليل الوضع الوبائي، وتقديم إجابات عن الأسئلة المقلقة.

المسار الأول، يتمثل في مراسلة وزير الصحة عن طريق ديوانه، بتاريخ 14 شتنبر الماضي، تضمنت المراسلة 13 سؤالا، أو طلب معطيات حول قضية من القضايا المثارة، تم إخبار “اليوم 24” بأن مصالح الوزارة بصدد جمع المعطيات، إلا أن هذا المسار لم يؤت أكله، بعدما ظل الطلب على مكتب الوزير لحوالي أربعة أسابيع، دون رد.

والمسار الثاني، ارتبط بدخول القانون المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، حيز التنفيذ، في مارس الماضي، فتقدمت “اليوم 24” بطلبين وفق الإجراءات الدقيقة التي يحددها القانون نفسه.

وفي 6 شتنبر الماضي، تقدم معد هذا العمل الاستقصائي، بطلب إلى وزارة الصحة (الكتابة العامة)، قصد الحصول على معطيات تتعلق بالمختبرات الخاصة، التي منحت لها رخص إجراء اختبارات “كورونا”، فطلب معطيات حول عددها، وتوزيعها الجغرافي، وعدد التحاليل التي قامت بها، وكذا مجموع الحالات الإيجابية، التي جرى كشفها، بينما تبين من خلال هذا العمل الاستقصائي وجود اختلالات، وتجاوزات من طرف المختبرات، ما يسمح بإخفاء العدد الحقيقي للإصابات، ويعرض حياة مرضى للخطر، بسبب عدم خضوعهم لبروتوكول التكفل بالمصابين، إذا لم تصرح المختبرات بنتائجهم لدى مصالح الوزارة.

  انتهت المهلة المحددة للرد على طلبنا، دون التوصل بأي جواب، كما يلزم القانون القطاعات الحكومية نفسها بذلك، كما لم تلجأ الوزارة إلى تمديد أجل الرد، كما تنص على ذلك المادة 16 من القانون، “مع إخبار صاحب الطلب بذلك”.

وكان بإمكان الوزارة، أيضا، أن ترفض الطلب، ويلزمها القانون بتعليل قرارها، وإخبار صاحب الطلب بذلك، لكنها لم تختر ذلك، واختارت تجاهل الطلب، في خرق للمقتضيات القانونية، التي تتيح للوزارة ثلاثة إمكانيات فقط، وتلزمها بذلك: الرد على الطلب، أو رفضه، أو طلب التمديد.

لجنة الحق في الحصول على المعلومة أخبرت صاحب الطلب، بأن بإمكانه التقدم بشكاية لدى وزير الصحة، خالد آيت الطالب، وجرى ذلك في 11 شتنبر الماضي، وتم الإخبار بتوصل الوزير بالشكاية، وكان أمامه 20 يوما للرد عليها، إلا أن الأجل القانوني للرد انتهى، في 2 أكتوبر الجاري، ولم يلتزم آيت الطالب بمضامين المادة 19 من قانون الحق في الحصول على المعلومة، التي تلزم بالرد على الشكاية داخل الأجل القانوني.

 مسار النفاذ إلى المعلومة لايزال صعبا، قد ينتهي باللجوء إلى المحكمة الإدارية كما تنص على ذلك المادة 21 من القانون المذكور، وقبل ذلك نأمل أن تتفاعل اللجنة الوطنية مع الشكاية، التي توصلت بها قبل أيام، وتتفاعل الوزارة، أيضا، مع طلب آخر، توصلت به نهاية شتنبر الماضي.

خلية الأزمة.. حبر على ورق؟

 أياما فقط بعد ظهور أولى حالة إصابة بكورونا في المغرب، سارع وزير الصحة، خالد آيت الطالب، إلى تكوين خلية أزمة، بصلاحيات واسعة، تتجاوز، أحيانا، صلاحيات مديرين مركزيين، تم تعيينهم في المجلس الحكومي.

الوزير جعل على رأس خلية الأزمة، الدكتور عبدالإله الشوباني، الكاتب الجهوي السابق لجمعية أطباء العدالة والتنمية في فاس، بحسب مراسلة إخبارية، تتوفر “اليوم 24” على نسخة منها، وجهها الوزير في تاريخ 25 مارس الماضي، إلى الكاتب العام للوزارة، والمفتش العام، والمديرين المركزيين، وضمت الخلية في عضويتها، أيضا، طبيبين آخرين وصيدلي.

الخلية أنيطت بها مهمة التنسيق بين مختلف المتدخلين في مخطط محاربة فيروس “كورونا”، بالإضافة إلى تأمين متابعة تطور الحالة الوبائية على الصعيد الوطني، والجهوي، وتأمين متابعة تنفيذ مختلف إجراءات التدخل.

أسئلة كثيرة تثار حول عمل الخلية، التي اقتصر الإخبار بوجودها على مراسلة داخلية للوزير، دون إخبار الرأي العام بتشكيلها، كما هو متعارف عليه عند تدبير الأزمات، والمحطات الصعبة.

عدد من الأسئلة، المتعلقة بعمل الخلية، وآلية تدبيرها للأزمة، وحصيلة عملها بعد أكثر من 6 أشهر على تشكيلها،  كان بودنا أن تجيبنا عنها وزارة الصحة، لكنها لاذت بالصمت، بينما تقول مصادر من داخلها إن الخلية ظلت حبرا على ورق.

صادم..

جثة بقيت 10 أيام في مستودع الأموات تنتظر اختبار كشف “كورونا”!

نقلت البرلمانية سعيدة آيت بوعلي، رئيسة لجنة القطاعات الاجتماعية في مجلس النواب، مشاهد وصفتها بالصادمة، لمعاناة المغاربة بالمستشفيات في زمن الجائحة.

وقالت آيت بوعلي، في اجتماع مع وزير الصحة، موثق في شريط فيديو، إنها عاشت معاناة المواطنين، حين قادتها الظروف إلى أحد مستشفيات مدينة مراكش دون أن تكشف أنها برلمانية.

وحكت البرلمانية نفسها: “قلت سأنظر إلى ما يعانيه الناس، كنت في وضعية امرأة تعاني بعد وفاة قريبين لها في يوم واحد، الذي توفي لي السيد الوزير هي أمي وزوج أختي، طلبوا مني قطع الثلج، لأكتشف أن من يموت هناك يوضع في الصندوق مثل البهائم، ويذهبون به إلى القبر، دون أن يعرف أحد ما يقع في جثث أهاليهم”، واسترسلت: “لم أشعر بالحكرة التي يعانيها المواطنون إلا في ذلك اليوم”.

وقالت المتحدثة ذاتها: “قلت يكفي ألم فراق أمي، وزوج أختي، لم أعد أتحمل، وقررت ألا أستمر في إخفاء كوني برلمانية، فاتصلت بالوالي، ثم المديرة الجهوية للصحة، فقيل لي يجب إجراء الاختبار أولا، ليتضح من بعد أن الأمر لا يرتبط بوكيل الملك (كما قيل لها)، ولا هم يحزنون، وإنما من سيسلمني الجثة غير موجود”.

ونقلت البرلمانية مشاهد أخرى والدموع في عينيها، وتحدثت عن شخص توفي أمامها، والطبيبة المعالجة تبكي “لأنهم لم يجدوا له الأكسجين”.

وتابعت قولها إن “امرأة ظلت 10 أيام وهي في مستودع الأموات، قلت للمسؤولين إما أنها مصابة بكورونا فلتخضع لإجراءات الدفن المتعلقة بالمصابين، وإما أنها غير مصابة ويجب تسليمها لأهلها قصد القيام بإجراءات الدفن”.

وزير الصحة، الدكتور خالد آيت الطالب، اكتفى عقب الاستماع إلى شهادة البرلمانية، بتقديم التعازي في وفاة والدتها وزوج أختها، مشيرا إلى أن هناك “أمورا تعود إلى الضمير المهني أكثر ما ترتبط بمسائل تنظيمية”!.

مصابة بـ”كورونا”:

شفيت من الفيروس لكنني أصبت بمرض الخوف من ضمائر ميتة

منتصف غشت الماضي، ظهرت على رجاء مسو، إعلامية تتابع دراستها في سلك الدكتوراه بأكادير، أول أعراض فيروس كورونا، حاولت إقناع نفسها بأن “الأمر لا علاقة له بالجائحة، وأنه مجرد حمى عادية، ستتغلب عليها بالأدوية”، تحكي رجاء في حديث مع “اليوم 24”.

انتظرت رجاء حتى صباح اليوم الموالي، وتوجهت إلى مختبر “خاص” في أكادير لإجراء تحاليل الكشف عن الفيروس، المختبر تعمه الفوضى، تضيف المتحدثة، “الكل يتسارع ويركض ليكون أول من يجري الاختبار، أغضبني كثيرا تصرف المواطنين، في ظل انعدام إجراءات الوقاية من الفيروس”.

بعد ثلاثة أيام من إجراء الكشف، اتجهت رجاء نحو المختبر لأخذ النتيجة، وما هي إلا لحظات حتى سمعت ممرضة تناديها باسمها: “رجاء مسو، ستتصل بك المديرية الجهوية لوزارة الصحة”.

لم تفهم رجاء شيئا وأصيبت بالدهشة وقالت: “لماذا لا يسلمني المختبر ظرفا أفتحه وأجد فيه نتيجتي كيفما كانت؟، حاولت أن أقترب أكثر من الممرضة لأستفسر عن الأمر، لكن يبدو أنها كانت خائفة مني، خصوصا أنها لم تكن ترتدي اللباس الوقائي، عدت إلى المنزل، كنت في ورطة حقيقية، عائلتي تنتظر عودتي، وأنا لا أجد جوابا”.

استمرت رجاء في الحكي عن معاناتها وقالت: “في المساء بدأت الحرارة في الارتفاع، كدت أفقد وعيي، كنت بين مشنقتين، الأولى مرضي وضعفي، والثانية ضميري، لم أستطع أن أذهب إلى المستشفى مخافة أن أصيب آخرين إن كنت فعلا مصابة بالفيروس.. لبست صديقتي القفازات وجلست تضع لي الخل والبصل، وبعد منتصف الليل عدنا إلى المختبر، كنت أريد فقط أن أعرف هل أنا مصابة أم لا؟ للأسف لم أتلق أي جواب، فجلست أبكي من الألم والحسرة”.

في صباح اليوم الموالي، أي أربعة أيام بعد إجراء الاختبار، تلقت رجاء الاتصال الأول من المديرية الجهوية للصحة، لإخبارها بالإصابة بكورونا، وطلب منها المتصل التوجه إلى مستشفى الحسن الثاني، تقول رجاء، “ذهبت فعلا إلى المستشفى، تحققوا من اسمي، وطلبوا مني الانتظار حوالي ساعتين ونصف الساعة دون أي جدوى، اضطررت إلى العودة إلى المنزل، بعدها بساعتين تلقيت اتصالا آخر من المديرية، ومرة أخرى من أجل إخباري بالإصابة فقط، حاولت السيدة إقناعي بالعودة مرة أخرى إلى المستشفى، فأخبرتها أنني غير قادرة، لأن الحرارة أتعبت جسدي، بعدها بنصف ساعة، تلقيت اتصالا ثالثا من المديرية، لتعلمني متصلة أخرى من جديد بأنني مصابة، شعرت بأنهم علبة صوتية يكررون الجملة نفسها، إنه العبث”.

نُقلت رجاء من جديد إلى مستشفى الحسن الثاني في سيارة الإسعاف، أمضت فيه بضع ساعات، فتقرر أن تأخذ دواءها في المنزل، لكن سرعان ما تدهور وضعها الصحي بعد يومين، ونقلت مرة ثانية إلى المستشفى، وتابعت رجاء سرد حكايتها بألم وحسرة: “بعد أن وصلنا، وقفت سيارة الإسعاف أمام باب إدارة المستشفى، هناك سمعت طبيبا يسأل المرافق: ماذا هناك؟ أجابه: سيدة كانت هنا قبل يومين، ويبدو أن الأعراض تضاعفت وغير قادرة على التنفس، فأجابه الطبيب: “تقح…”، تعلق رجاء، “لقد سمعته جيدا، صدمت كثيرا من جوابه، أوجعتني الكلمة، وشعرت بالحكرة، بعدما نزلت من سيارة الإسعاف، كان الطبيب رجلا في عقده السادس، خاطبته في الحين: دكتور أنا ما جاياش لدار باك، وعيب إنسان مثلك، نتوسل الرحمة بين يديه، يتحدث بكلام ساقط في حق مريضة”.

دخلت رجاء جناح “كوفيد-19″ على مضض منها، قضت خمسة أيام، ثم عادت إلى منزلها، وختمت شهادتها لـ”اليوم 24” بالقول: “الحمد لله الآن شفيت نهائيا من فيروس كورونا، لكن أصبت بمرض الخوف من ضمائر ميتة في هذا الوطن”.

في الجزء الثاني من التحقيق، ننشره غدا، نطرح السؤال التالي: هل المغرب جاهز لمواصلة الحرب ضد كورونا؟.. الجواب عن السؤال يقتضي البحث في مؤشرات الجاهزية على مستوى معسكرات “الجيش الأبيض”، حيث تخوض الأطقم الطبية الحرب.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Fatima Bentahar منذ سنة

لإحياء القطاع الصحي يتوجب وبالحاح شديد اولا وقبل كل شيءاحياء الضمائر الميتة في بعض الأطقمة الصحية ولا اعمم لأن يتوجب أن تكون هناك ضمائر حية ولو نسبة واحد في المئة