الجدل الدائر أخيرا حول لقاحات كوفيد19، مع قرب انطلاق حملات التلقيح، يظهر أننا انتقلنا من الخوف من الفيروس إلى الخوف من اللقاح المضاد له، خاصة مع ترويج كثير من الإشاعات. الفيروس قتل إلى حد الآن عبر العالم أكثر من مليون ونصف مليون شخص، وأصاب أكثر من 67 مليونا. وفي المغرب، تجاوز عدد الوفيات 6 آلاف، وعدد المصابين حوالي 180 ألفا، ومازالت الحصيلة في ارتفاع، هذا دون الحديث عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية الكارثية. وبينما كان العالم يترقب الجهود العلمية والطبية للتوصل إلى لقاح فعال في وقت قياسي، للخروج من الأزمة وحفظ الأرواح، وعودة الحياة إلى طبيعتها، أصبحنا اليوم أمام تحدٍّ جديد مباشرة بعد إعلان عدد من الشركات المعروفة بأن اللقاح أصبح جاهزا. إنه تحدي إقناع الناس بفعالية اللقاح، وجدواه، ومحاربة الإشاعة. في بداية ظهور الفيروس، كنا أمام تحدي الإقناع بأن الفيروس موجود وقاتل، وجرى ترويج نظرية المؤامرة حوله، ولم يقتنع الناس حتى رأوا بأعينهم أفراد عائلاتهم يسقطون مصابين أو موتى، وها هم اليوم يحتاجون إلى الاقتناع بجدوى اللقاح.
هذا لا يمنع أن هناك الكثير من الأسئلة المعقولة التي تحتاج من الأخصائيين إلى إجابات شافية، وتتطلب من وسائل الإعلام تنوير الرأي العام حولها. من هذه الأسئلة ما هو منطقي، ومنها ما هو غير منطقي. ومن الأسئلة المعقولة، التساؤل عن مدى فعالية اللقاح؟ وعن آثاره الجانبية؟ وعن المدة القياسية التي أنتِج مقارنة باللقاحات الأخرى التي كانت تتطلب على الأقل خمس سنوات؟ وهل سيُجبَر الناس على الخضوع له؟ ولماذا هناك حملة عالمية للتلقيح الجماعي؟ ولماذا اختار المغرب اللقاح الصيني؟ أما الأسئلة غير العقلانية فتتعلق بما جرى ترويجه على نطاق واسع في الغرب عبر فيديوهات، وجرى تداوله أيضا في المغرب ورددته إحدى الشخصيات الحزبية، من أن اللقاح خطير لأنه سيتيح زرع شرائح إلكترونية دقيقة في جسم الإنسان والتحكم فيه ومراقبته، وإحداث تعديل جيني في جسم الإنسان. مثل هذه الإشاعات الخطيرة تزرع الخوف والذعر في النفوس، وتجعل الناس الذين يصدقونها يفضلون أن يصابوا بالفيروس على أن تزرع في أجسامهم شرائح تراقبهم وتتحكم فيهم. شخصيا، تلقيت عددا من الفيديوهات عبر الواتساب من أصدقاء على درجة من التعلم، وبدا لي من خلال التحدث معهم أنهم مقتنعون بنظرية المؤامرة هذه، وكأن العالم يتعامل لأول مرة باللقاحات، في حين أن هناك العديد من اللقاحات التي أصبحت أساسية لوقاية الأطفال من الأمراض التي تهدد حياتهم، وبفضلها قُلصت أعداد الوفيات بينهم، كما أن التلقيح ضد الأنفلونزا الموسمية أمر جارٍ به العمل.
وفي المغرب، تبدو المقاربة التي اعتمدتها السلطات الصحية أكثر طمأنة بخصوص اللقاح، أولا، جرى التعامل مع شركة «سينوفارم» الصينية، وهي شركة تعد من كبار الشركات المنتجة للقاحات في العالم، وهي أول من أنتج لقاح فيروسN1H1، ثانيا، قام المغرب بتجريب اللقاح على 600 مواطن مغربي، في مستشفيات ابن رشد بالدار البيضاء، والمستشفى العسكري وابن سيناء بالرباط، خلال الفترة ما بين شتنبر ونونبر الماضيين، وحسب تأكيدات الأطباء الذين أشرفوا على تتبع نتائجها، فإنه لم تسجل أعراض خطيرة، وأن ما سجل لا يعدو أن يكون أعراضا عادية يشعر بها الإنسان خلال التلقيحات الأخرى، مثل ارتفاع درجة الحرارة والرعشة. طبعا فإن هؤلاء يحتاجون إلى تتبع مدة سنة كاملة لرصد أي أعراض أخرى، وبالتالي، فإن التقييم النهائي للقاح ودراسة مدى نجاحه في رفع مناعة جسم الإنسان ليقاوم كوفيد19، يحتاج إلى مزيد من الوقت في كل البلدان، لكن يجري الاعتماد على المؤشرات الإيجابية التي أظهرها اللقاح، في مسعى إلى تطويق الفيروس بشكل استعجالي.
عموما، سيكون اللقاح ضد كوفيد19 متاحا خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة في المغرب، وسيكون في متناول الفئات المعنية بشكل اختياري، خاصة الأشخاص فوق 18 سنة، لكن كلما كان هناك إقبال كبير على التلقيح، فإن ذلك سيسرع عودة الحياة إلى طبيعتها تدريجيا، ويحفظ الأرواح، خاصة الفئات الهشة وكبار السن. وشئنا أم أبينا، فإن سؤال التلقيح سيواجهنا خلال الشهور المقبلة، حيث سيكون الناس منقسمين بين من خضعوا للقاح ومن لم يخضعوا له، وستكون حرية السفر والتنقل مشروطة بالتلقيح، وربما ستكون هناك قيود أخرى في المستقبل سيتطلب رفعها الخضوع للتلقيح.