فؤاد بوعلي يكتب: عندما تتحدث الكرة لغة أرضها

10 ديسمبر 2020 - 19:00

لم تهتم وسائل الإعلام الوطنية كثيرا بخبر ظهور نهضة الزمامرة، خلال مباراته الأخيرة في الدورة الأولى من منافسات البطولة الوطنية في موسمها الجديد، بأقمصة لاعبيها وهي تحمل أسماءهم باللغة العربية.

فالخبر يجوز اعتباره حدثا متميزا في فضاء رياضي يدين بالولاء شبه التام للفرانكفونية وأدواتها الإيديولوجية والثقافية. فالمنظومة الرياضية، مثلها مثل العديد من القطاعات الأخرى، التي ظلت عدة عقود قلعة تغرد خارج النقاش الهوياتي، حيث لم يعرها الفاعلون في المسألة اللغوية الاهتمام اللازم، وظلت خارج حسابات النقاش العمومي قبل التعديل الدستوري وبعده، تحتاج إلى إعادة ضبط للبوصلة في خضم التدبير المستقبلي للسياستين اللغوية والثقافية بالبلاد. وقد يرجع لفريق الزمامرة الفضل في دق جرس التنبيه للبدء في فتح هذا الورش. فمنذ الاستقلال والرياضة الوطنية تعيش تحت نير الهيمنة الفرنسية تدبيريا واقتصاديا ولغويا. إذ يسهل على المتابع العرضي رصد مظاهر هذه التبعية «العمياء» في العديد من الأمور، من كتابة أسماء اللاعبين والفرق، مرورا باللغة المستعملة في التواصل البيني والإعلامي، وصولا إلى التدبير الإداري للجامعة المسيرة.

لنخلص إلى أننا أمام استلاب فرانكفوني حقيقي لم ينتبه إليه المهتمون بالشأنين الثقافي والهوياتي، وصل إلى حد استنساخ القوانين المنظمة للجامعات الرياضية من القانون الفرنسي. وقد أوردت إحدى الجرائد الوطنية قبل سنوات أنه «حين ألزم الاتحاد الدولي «فيفا» الاتحادات المحلية بضرورة إنشاء البطولة الاحترافية، أوفدت الجامعة السابقة أعضاء من المكتب المديري إلى فرنسا للاطلاع على تجربتها في هذا المجال، في حين أن كل الذي كان قام به الوفد المذكور آنفا هو نسخ قوانينها». فهل وصل العجز إلى درجة عدم القدرة على صياغة قوانين وطنية؟ وهل الرَحِم الرياضية عاقر إلى درجة أنها لا تستطيع إيجاد نخب وطنية تؤمن بهويتها وقادرة على تدبير القطاع؟ يبدو أن أبرز الصور التي تلخص هذا المسار تتجلى في الاستعانة الدائمة بالمدربين الفرنسيين أو الناطقين باللغة الفرنسية لتأطير المنتخبات الوطنية. فـ«السحرة البيض»، كما يطلق على المدربين الأوربيين في القارة السمراء، مازالوا يسيطرون على التسيير الرياضي في إفريقيا والمغرب. إذ تقول الإحصاءات إن نصف المدربين الذين تعاقبوا على تدريب المنتخب المغربي أجانب، جلهم من جنسية فرنسية.

ولا يختفي المدرب الفرنسي إلا ليظهر من جديد في أشكال متنوعة، لأن العقلية المتحكمة في ذهنية سادة القرار الرياضي تؤمن بأن المدرب الفرنسي وحده القادر على النهوض بالكرة المغربية. والنتيجة الطبيعية لا تتعلق باللغة والهوية فقط، بل بطريقة التدبير، وعلاقة المدرب بدولته، بل إن لاعبي البطولة الوطنية يؤدون الثمن، حيث يغدو ولوج المنتخب الوطني مرتبطا ومشروطا باللعب في البطولة الأوربية، وتهمش الطاقات الوطنية في كل المسارات. هكذا تتحول الهوية الفرنسية إلى عائق يحول دون تحكم أبناء المغرب في مصير وطنهم.

إن ما فعله فريق الزمامرة يستحق أن يكون بداية طريق وعودة هادئة إلى مربع الانتماء الوطني للكرة والرياضة المغربيتين. ولم تكن هذه المبادرة منفردة في السياق الإقليمي، بل سبقتها مبادرات عديدة في دول عربية. فقد تصاعدت المطالبات من النقاد الرياضيين في مصر بتعريب القطاع عبر بوابة أسماء اللاعبين. وفي السعودية، شارك القطاع الرياضي في مبادرة عامة لاعتماد الخط العربي، والتي ترعاها الدولة عبر وزارة الثقافة من خلال تعريب أسماء اللاعبين على قمصان الأندية المشاركة في دوري المحترفين. فالإحساس بضرورة العودة إلى العربية، باعتبارها الهوية الجامعة عبر الكرة، يستوجب البدء بالتغيير الرمزي قبل الوصول إلى الفكاك من أسر النموذج الفرانكفوني المتحكم في مصير رياضيي الوطن. فالقول إن الرياضة لا لغة لها هو تعبير مغلوط، والأصل أن اللغة هي الوجود، وكل القطاعات هي تمثلات لقيمها. لذا، فالكرة عندما تتحدث لغة أرضها تكون قد اختارت انتماءها إلى وطنها ومجتمعها.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

med منذ 11 شهر

لو كتبت بتيفيناغ لكان كلامك صحيح

التالي