بعد الجائحة.. هل يتغيّر واقع القطاع الصحي؟

13 ديسمبر 2020 - 20:00

ذي إيكونوميست (ترجمة أخبار اليوم بتصرّف)

 ظل القطاع الصحي عصيا على التغيير لزمن طويل. غير أن الجائحة زعزعت البنية المعقدة لهذا القطاع مخلفة ثورة حقيقية. من المختبرات إلى غرفات العمليات شهدت الصناعة الطبية طفرة حقيقية مع تظافر جهود الأطباء لإغاثة المرضى. بسرعة وفي معظم الأحيان بنجاح، حرص الأطباء على التأقلم مع التكنولوجيات الجديدة بشكل مبدع يمهد الطريق نحو مرحلة جديدة من الابتكار، ستخفض الأسعار وتزيد من ولوج الفقراء العرض الصحي وتحسن جودة العلاجات.

 لكن الحفاظ على هذا المنجز الطبي الذي تحقق خلال هذه الأزمة يحتاج من الحكومات التصدي للوبيات المتنفذة التي تضغط من أجل وقف بروز الابتكار في زمن الجائحة.

ففي الواقع، قاد كوفيد-19 إلى تطوير غير مسبوق للقاحات باستعمال تكنولوجيات الحمض الريبوزومي الرسول mRNA. كما سجلت أيضا عدة معجزات صغيرة مع دخول الأطقم الطبية في تجارب جديدة لإنقاذ الأرواح. جرى مثلا تعويض القواعد القديمة في تعزيز القدرات التكنولوجية بطرق جديدة، فمثلا صار ممكنا صيانة الآلات عن بعد من قبل صانعيها وتتبع حالات المرضى عبر المراقبة الرقمية من قبل الأطباء. تم بشكل عام تفكيك الأبراج التنظيمية. كل هذا جرى بالتوازي مع انفجار في احتشاد الرأسمال المغامر في مجال الابتكار الطبي، الذي وصل إلى 8 مليارات دولار عبر العالم في آخر فصل من السنة، وهو ما يمثل ضعف الرقم المسجل خلال السنة الماضية بأسرها.

وفي الحقيقة، لم يزل العالم بحاجة إلى مزيد من الابتكار. يمثل الإنفاق العالمي على الصحة 5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي في الدول الفقيرة، مقابل 9 في المائة في الدول الغنية، و17 في المائة بالولايات المتحدة. تشغل الخدمات الطبية ما يزيد عن 200 مليون شخص، وتضخ أزيد من 300 مليار دولار أرباحا كل عام. بيد أن القواعد المعقدة التي تنظم هذا المجال على اختلافها بين دول المعمور، تؤدي إلى تمكين الشركات من تحقيق أرباح طائلة.

وهذا يعني أن تقدم الإنتاجية يظل متواضعا، كما أن الأسعار المرتفعة تعني أن كثيرا من السكان بالعالم النامي لا يحظون بولوج كافٍ للرعاية الصحية. كما أن ضعف النجاعة قد يؤدي إلى أزمة ضريبية في بعض الدول الغنية خلال العقدين المقبلين، بالنظر إلى أن تنامي شريحة الساكنة المُسنة يرفع التكاليف الطبية بشكل أكبر.

ساعدت الجائحة في إبراز ما يمكن إنجازه لأنها جعلت الجميع يضع مخاوفه جانبا. فمثلا يمكن للاستشارة والتتبع الطبيين عن بعد خفض التكاليف وتعميم الولوج للخدمات الصحية. ارتفعت نسبة الزيارات عن بعد بمستشفى مايو بالولايات المتحدة من 4 في المائة قبل الجائحة إلى 85 في المائة في الذروة. في الصين سجلت بوابة للخدمات الطبية باسم “بينغ آن غود دوكتور”، مليارا و100 مليون زيارة خلال ذروة الجائحة بالبلاد.

كما أن ارتفاعا في الصيدلة عن بعد سيعزز المنافسة. في 17 نونبر أعلنت أمازون عن دخولها إلى المجال، الأمر الذي يعد بإرباك الصناعة الأمريكية الضخمة التي تهيمن عليها شركات الأدوية العملاقة والوسطاء. وهذه ليست إلا البداية. “التشخيص الغني بالبيانات” قد يساعد الخبراء في بعض التحليلات الروتينية من قبيل الفحص بالأشعة. جيل جديد من حساسات قياس السكر في الدم تستفيد من التحسينات الجديدة في مجال الحساسات. وفي لحظة محددة سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى الابتكار في العقارات. الأسبوع الماضي أعلن مختبر “ديب مايند” عن تسجيل اختراع في تحليل البروتنيات.

وإذا سارت الأمور بالشكل اللازم، فيجب أن تساهم كثير من هذه الاتجاهات في تحسين النجاعة الطبية، وزيادة التنافسية، والرفع من جودة الخدمات الطبية. فالمزيد من البيانات ستساعد في تدقيق العلاجات الأكثر فعالية. كما أن المراقبة الصحية الذاتية ستعني مزيدا من العلاج الوقائي. ومع توفير مزيد من المعلومات سيصبح في استطاعة المرضى اتخاذ قرارات أفضل. 

ويمكن للحكومات الإسهام في هذا التغيير. ولذلك يجب عليها أن تدفع شركات الرعاية الصحية الكبرى، مثل شركات التأمين وصناديق التأمين والتغطية الصحية التابعة للدولة، إلى الاعتراف بهذه الخدمات الرقمية الجديدة والتعويض عنها. أقرّت الصين وألمانيا قوانين تلزم بالتعويض عن الخدمات الطبية الرقمية مثلا. كما يجب تسريع وتيرة المصادقة على إطلاق هذه الخدمات الرقمية، مثل ما هو عليه الحال في الولايات المتحدة، من خلال إدارة الغذاء والأدوية.

المهمة الثانية الملقاة على عاتق الحكومات هي بناء نظام لتدبير تدفق البيانات الطبية، يتيح للأفراد التحكم في سجلاتهم الطبية ومنح الولوج إليها لمقدمي العلاجات من طرف هؤلاء الأفراد. في الهند مثلا بدأت الحكومة إنشاء بطائق تعريف صحية، تطمح عبرها إلى المزاوجة بين تجميع قاعدة بيانات عامة وحماية الخصوصية.

العالم أمام فرصة نادرة لتجويد الخدمات الطبية وتخفيض التكاليف، وهي فرصة قد تندثر بنهاية عام 2021. قد تفضل الأطقم الطبية المرهقة الراحة على الثورة. الجائحة كشفت ثغرات عديدة في النظام الطبي، وأعادت تحديد الممكن من المستحيل في المجال. يجب استثمار الفرصة.

ذي إيكونوميست (ترجمة أخبار اليوم بتصرّف
ظل القطاع الصحي عصيا على التغيير لزمن طويل. غير أن الجائحة زعزعت البنية المعقدة لهذا القطاع مخلفة ثورة حقيقية. من المختبرات إلى غرفات العمليات شهدت الصناعة الطبية طفرة حقيقية مع تظافر جهود الأطباء لإغاثة المرضى. بسرعة وفي معظم الأحيان بنجاح، حرص الأطباء على التأقلم مع التكنولوجيات الجديدة بشكل مبدع يمهد الطريق نحو مرحلة جديدة من الابتكار، ستخفض الأسعار وتزيد من ولوج الفقراء العرض الصحي وتحسن جودة العلاجات.
لكن الحفاظ على هذا المنجز الطبي الذي تحقق خلال هذه الأزمة يحتاج من الحكومات التصدي للوبيات المتنفذة التي تضغط من أجل وقف بروز الابتكار في زمن الجائحة.
ففي الواقع، قاد كوفيد-19 إلى تطوير غير مسبوق للقاحات باستعمال تكنولوجيات الحمض الريبوزومي الرسول mRNA. كما سجلت أيضا عدة معجزات صغيرة مع دخول الأطقم الطبية في تجارب جديدة لإنقاذ الأرواح. جرى مثلا تعويض القواعد القديمة في تعزيز القدرات التكنولوجية بطرق جديدة، فمثلا صار ممكنا صيانة الآلات عن بعد من قبل صانعيها وتتبع حالات المرضى عبر المراقبة الرقمية من قبل الأطباء. تم بشكل عام تفكيك الأبراج التنظيمية. كل هذا جرى بالتوازي مع انفجار في احتشاد الرأسمال المغامر في مجال الابتكار الطبي، الذي وصل إلى 8 مليارات دولار عبر العالم في آخر فصل من السنة، وهو ما يمثل ضعف الرقم المسجل خلال السنة الماضية بأسرها.
وفي الحقيقة، لم يزل العالم بحاجة إلى مزيد من الابتكار. يمثل الإنفاق العالمي على الصحة 5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي في الدول الفقيرة، مقابل 9 في المائة في الدول الغنية، و17 في المائة بالولايات المتحدة. تشغل الخدمات الطبية ما يزيد عن 200 مليون شخص، وتضخ أزيد من 300 مليار دولار أرباحا كل عام. بيد أن القواعد المعقدة التي تنظم هذا المجال على اختلافها بين دول المعمور، تؤدي إلى تمكين الشركات من تحقيق أرباح طائلة.
وهذا يعني أن تقدم الإنتاجية يظل متواضعا، كما أن الأسعار المرتفعة تعني أن كثيرا من السكان بالعالم النامي لا يحظون بولوج كافٍ للرعاية الصحية. كما أن ضعف النجاعة قد يؤدي إلى أزمة ضريبية في بعض الدول الغنية خلال العقدين المقبلين، بالنظر إلى أن تنامي شريحة الساكنة المُسنة يرفع التكاليف الطبية بشكل أكبر.
ساعدت الجائحة في إبراز ما يمكن إنجازه لأنها جعلت الجميع يضع مخاوفه جانبا. فمثلا يمكن للاستشارة والتتبع الطبيين عن بعد خفض التكاليف وتعميم الولوج للخدمات الصحية. ارتفعت نسبة الزيارات عن بعد بمستشفى مايو بالولايات المتحدة من 4 في المائة قبل الجائحة إلى 85 في المائة في الذروة. في الصين سجلت بوابة للخدمات الطبية باسم “بينغ آن غود دوكتور”، مليارا و100 مليون زيارة خلال ذروة الجائحة بالبلاد.
كما أن ارتفاعا في الصيدلة عن بعد سيعزز المنافسة. في 17 نونبر أعلنت أمازون عن دخولها إلى المجال، الأمر الذي يعد بإرباك الصناعة الأمريكية الضخمة التي تهيمن عليها شركات الأدوية العملاقة والوسطاء. وهذه ليست إلا البداية. “التشخيص الغني بالبيانات” قد يساعد الخبراء في بعض التحليلات الروتينية من قبيل الفحص بالأشعة. جيل جديد من حساسات قياس السكر في الدم تستفيد من التحسينات الجديدة في مجال الحساسات. وفي لحظة محددة سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى الابتكار في العقارات. الأسبوع الماضي أعلن مختبر “ديب مايند” عن تسجيل اختراع في تحليل البروتنيات.
وإذا سارت الأمور بالشكل اللازم، فيجب أن تساهم كثير من هذه الاتجاهات في تحسين النجاعة الطبية، وزيادة التنافسية، والرفع من جودة الخدمات الطبية. فالمزيد من البيانات ستساعد في تدقيق العلاجات الأكثر فعالية. كما أن المراقبة الصحية الذاتية ستعني مزيدا من العلاج الوقائي. ومع توفير مزيد من المعلومات سيصبح في استطاعة المرضى اتخاذ قرارات أفضل.
ويمكن للحكومات الإسهام في هذا التغيير. ولذلك يجب عليها أن تدفع شركات الرعاية الصحية الكبرى، مثل شركات التأمين وصناديق التأمين والتغطية الصحية التابعة للدولة، إلى الاعتراف بهذه الخدمات الرقمية الجديدة والتعويض عنها. أقرّت الصين وألمانيا قوانين تلزم بالتعويض عن الخدمات الطبية الرقمية مثلا. كما يجب تسريع وتيرة المصادقة على إطلاق هذه الخدمات الرقمية، مثل ما هو عليه الحال في الولايات المتحدة، من خلال إدارة الغذاء والأدوية.
المهمة الثانية الملقاة على عاتق الحكومات هي بناء نظام لتدبير تدفق البيانات الطبية، يتيح للأفراد التحكم في سجلاتهم الطبية ومنح الولوج إليها لمقدمي العلاجات من طرف هؤلاء الأفراد. في الهند مثلا بدأت الحكومة إنشاء بطائق تعريف صحية، تطمح عبرها إلى المزاوجة بين تجميع قاعدة بيانات عامة وحماية الخصوصية.
العالم أمام فرصة نادرة لتجويد الخدمات الطبية وتخفيض التكاليف، وهي فرصة قد تندثر بنهاية عام 2021. قد تفضل الأطقم الطبية المرهقة الراحة على الثورة. الجائحة كشفت ثغرات عديدة في النظام الطبي، وأعادت تحديد الممكن من المستحيل في المجال. يجب استثمار الفرصة.
Garanti sans virus. www.avg.com

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي