عادل بنحمزة يكتب: إعلان ترامب بين الأثر السياسي والقانوني

15 ديسمبر 2020 - 07:00

لا شك أن قضية الصحراء مسألة محسومة بالنسبة إلينا كمغاربة، لكن الاعتراف الدولي بهذه الحقيقة الوجدانية والتاريخية يواجه صعوبات سياسية وقانونية منذ أن تقدم المغرب بملفه أمام اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار الإسباني في الصحراء، ومنذ أن جرى خذلانه من طرف أقطاب النظام الجزائري على الأقل مرتين. الأولى، عندما جرت سرقة الصحراء الشرقية بعد عدم وفاء الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية التي أعلن عنها في القاهرة بما التزمت به مع الملك محمد الخامس. ومما جاء في هذا الالتزام نجد أن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية “تعترف من جهتها أن مشكلة الأراضي التي أقرت فرنسا حدودها بصفة جائرة، سيُتوصل إلى حل في شأنها عن طريق المفاوضات بين حكومة المملكة والحكومة الجزائرية عندما تحصل الجزائر على استقلالها”، هذا الالتزام جاء بعد أن رفض المغرب إبرام اتفاقية الحدود مع فرنسا لاسترجاع الصحراء الشرقية، على اعتبار أن من شأن ذلك أن يعتبر اعترافا من المغرب بسيادة فرنسا على الجزائر. والثانية، عندما احتضنت الجبهة الانفصالية وجعلت منها حصى في حذاء المغرب كما عبر عن ذلك الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين. والخلاصة هي أن أركان النظام الجزائري يحملون عقيدة العداء للمغرب منذ الاستقلال، وأنه لا سبيل لتغيير هذه العقيدة سوى بتغيير النظام الذي أنتجها وظل جاثما على صدور الجزائريين إلى اليوم، مستعملا مقدراتهم المالية والاقتصادية في شراء مؤيدين لها.

سعى المغرب منذ عقود إلى تدليل تلك الصعوبات السياسية، وقاوم تموجات العلاقات الدولية، ليصل اليوم إلى اختراق تاريخي تمثل في اعتراف دولة وازنة ومؤثرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على صحرائه، هذا الاعتراف وإن ارتبط بدونالد ترامب في آخر أيامه بالبيت الأبيض، فإنه يمثل امتدادا لقناعة صانع القرار الأمريكي بضرورة تسوية النزاع المفتعل في الصحراء على قاعدة مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، والذي جرى تقديمه منذ سنة 2007، وهو ما حظي بمساندة الإدارة الأمريكية في عهد الجمهوريين مع جورج بوش الابن في الفترة (2007-2009)، وكذلك في عهد الديمقراطيين من خلال ولايتي باراك أوباما في الفترة (2009 – 2017) وتواصل الأمر على هذا النحو إلى حين إعلان ترامب الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء وأن الحكم الذاتي هو الأرضية الوحيدة لأي حوار مستقبلي. هذا الأمر ينطبق واقعيا على جميع الدول التي تدعم الحكم الذاتي منذ 2007، والتي اعتبرته داخل مجلس الأمن أنه اقتراح ذو مصداقية وجدي ومنها الدول دائمة العضوية، ببساطة لأن الحكم الذاتي قدم منذ اليوم الأول ليتم تطبيقه في إطار السيادة المغربية، والنتيجة المنطقية تقول إن كل من يدعم الحكم الذاتي فهو يعترف بسيادة المغرب على الصحراء، يضاف إلى ذلك موقف إسبانيا الذي عبر عنه خوسي لويس رودريغيز ثاباطيرو، رئيس حكومتها الإسبانية الأسبق في نونبر الماضي تعليقا على تحرير معبر الكركرات عندما قال، إن مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب قبل سنوات “يعد أحد الحلول الطموحة والعقلانية” من أجل إنهاء النزاع في منطقة الصحراء.

فرنسا وبعد الإعلان الأمريكي سارعت عبر الـ”كي دورساي”، يوم الجمعة الماضي، أنها تعتبر مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب “قاعدة لمحادثات جادة وذات مصداقية”، من أجل تسوية نزاع الصحراء الذي “عمر طويلا”.

وذكرت المتحدثة باسم وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية في، إطار تعليقها على القرار الأمريكي الاعتراف بالسيادة الكاملة للمغرب على الصحراء، أن هذا النزاع “عمر طويلا ويشكل خطر توتر دائم، كما عاينا مؤخرا في الكركرات. فرنسا متمسكة بالبحث عن حل سياسي في إطار الشرعية الدولية. وعلى هذا الأساس، فهي تؤيد حلا سياسيا عادلا، دائما ومقبولا من الطرفين، وفقا لقرارات مجلس الأمن الدولي”، وتابعت “من هذا المنظور، تعتبر فرنسا المخطط المغربي للحكم الذاتي بمثابة قاعدة لمحادثات جادة وذات مصداقية”، هذا الدعم السياسي المتزايد لوجهة النظر المغربية، يفسح المجال لإثارة الأهمية القانونية للإعلان الأمريكي وما يمكن أن يأتي في أثره من مواقف مماثلة لدول وازنة.

 الأثر القانوني لهكذا إعلان، يمر وجوبا عبر الأمم المتحدة، لكن النزاع المفتعل في الصحراء المغربية يتم التعاطي معه بناء على البند السادس من ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي لا يمكن فرض أي حل على أطراف النزاع، هذا الوضع مُرهق للمغرب وقد امتد لأزيد من أربعة عقود من الابتزاز والاستنزاف المستفيد منه بشكل مَرضى، هو النظام الجزائري الذي يعيش في زمن الحرب الباردة، لكنه يستعمل المحتجزين في المخيمات كدروع بشرية، فهو لا يرغب لا في الحرب ولا في تسوية الملف، بل فقط أن تبقى المشكلة حصاة في حذاء المغرب، لذلك فالاعتراف الأمريكي سيظهر أثره في تعاطي مجلس الأمن مع الملف، خاصة أن واشنطن هي الدولة الرئيسة في مجموعة أصدقاء الصحراء، وهي من يضع مسودة قرارات مجلس الأمن الخاصة بالملف، وهي قرارات منذ 2007 تتبنى بصورة واضحة وجهة النظر المغربية في ضرورة التوافق حول الحل السياسي، والذي يتمثل في الحكم الذاتي كحل واقعي وجدي وذي مصداقية، هذه الصيغة التي توافق عليها مجلس الأمن الدولي يجعل عمليا الخمسة الكبار (الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، الصين، بريطاني وفرنسا) يدعمون كما قلت، سيادة المغرب على الصحراء لأن الحكم الذاتي مطروح ليتم تنفيذه في إطار السيادة المغربية. اليوم، عبرت الولايات المتحدة الأمريكية صراحة عن هذا الاعتراف، في انتظار باقي الدول.

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عارف البياتي منذ 11 شهر

المسألة ليست بتلك البساطة التي ابديت توضيحها في سياق تاريخي و حقوقي و سياسي للمغرب، القضية تطرح بشكل آخر ، لماذا قضية الصحراء بقيت معلقة حتى الان ، بكل بساطة اللاعبين الكبار في لعبة الامم هم من يملكون مفاتيح الحسم السياسي ، و المغرب مركزيا رضخ الى مسار طويل من ابتزاز الأمريكي و السعودي في إيجاد حل لمشكلته ، بشرط الاعتراف بالكيان الصهيوني ، و بالتالي كل مشاكل المغرب تتذهب بضربة واحدة ، هذه هي القضية التي يجب ان تناقش ، مثل تحقيق ضابط شرطة مع مجرم ، في كل تفاصيل الجريمة . اذا كان هذا الرضوخ لهذا الابتزاز ، مفتاح لكل نهاية صراع ، فهذا وهم مطلق ، نحن نعيش في عالم الصراع ، سميه ماشئت صراع ناعم او صراع علمي و صراع جغرافي ، لن ينتهي ابدا ، لان طبيعة الأمور هكذا تسير ، ومن مقتضيات التطور، الصراع من بينها . على المغرب ان يقرأ الأمور بطريقة استراتيجية تمكنه في توسيع نظرته الى طبيعة الأمور حول ما يجب اتخاذه ، وعليه أن يدرك أن أمريكا ليس ذلك البلد القوي الذي كان فهو يرزح تحت طائلة ديون كارثية تفوق 32 تريليون دولار ، بينما الناتج الإجمالي لاقتصاده لا يتجاوز 14 تريليون دولار ، فهو يسير الى الانهيار البطيء ، و الدليل أزمة 2018 العالمية لا تزال ترخي بظلالها الى المستقبل و ليس اليوم فقط ، على المغرب ان يعرف على ماذا يراهن و بماذا يراهن ، يبدو انه يرشح الحصان الخاسر ، لا قدر الله ، و هذه من طبيعة السياسة المركزية هي الرهان على طرف و ليس على القدرات الذاتية و التاريخ يؤكد ذلك، اليوم المغرب في طريق مجهول ، لا نريد ان تكون هذه الخطوة ثمن الانعزال الجغرافي و السياسي والاقتصادي و الانتمائي ( عروبة و إسلام ) ، كما سقطت فيها اصلا الكيان الصهيوني و المغرب اليوم يفتح لها موطئ جغرافية ممتدة لكي تزيل عنها الانعزال الدولي ، نتمنى أن لا يسقط حسب نفس هذا السقوط . ولكم واسع النظر في اتخاذ الرأي المحتظر.

مواطن منذ 11 شهر

السي عادل، سبق أن "أبحرت" على رمال الصحراء و اليوم "تتـبَّحر" فيها (بالدارج). لكن ماذا عن الشق الثاني من "المقايضة" ؟ و ما تم "بيعه"، حسب أدبيات حزبك، "قضية وطنية أهميتها قصوى"

التالي