عبد الحق بلشكر: الصحراء.. أكبر إنجاز دبلوماسي

15 ديسمبر 2020 - 19:00

بغض النظر عن موضوع التطبيع، شكل اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء وفتح قنصلية في الداخلة حدثا كبيرا وغير مسبوق بكل المقاييس. تابعنا زيارات جاريد كوشنر، مستشار ترامب وصهره للمغرب، في سياق ترويج «صفقة القرن»، كما تابعنا المفاوضات والإغراءات، لكن لم يتوقع أحد أن يتمكن المغرب من تحقيق هذا الكسب الكبير؛ اعتراف أكبر دولة في العالم بمغربية الصحراء، بما يحمله ذلك من مكاسب سياسية لقضيتنا الوطنية. 

لا ننسى أنه منذ اندلاع هذا النزاع، الذي يعتبر من مخلفات الاستعمار، لم تعترف أي دولة غربية كبرى بمغربية الصحراء، وبقي الملف مطروحا في مجلس الأمن عدة سنوات، وشكل حجرا مؤلما في حذاء المغرب. كل ما كانت الرباط تسعى إليه، طيلة السنوات الماضية، هو كسب دعم الدول الكبرى مثل فرنسا للدفاع عن قضيته في مجلس الأمن، وتفادي صدور عبارات ومواقف سلبية في التقارير الأممية، أما أن تقوم دولة كبرى بالاعتراف بمغربية الصحراء، فهذا لم يكن متوقعا على الإطلاق. كنا نعرف أن المغرب، مثل الدول العربية، يتعرض لضغوط من أجل «تأييد صفقة القرن»، لكنه كان يبدي مقاومة لهذه الضغوط طيلة ثلاث سنوات، فالمغرب له مكانة رمزية، ولا يمكن أن يقدم على التطبيع دون تقدم في مسيرة السلام، بما يضمن حقوق الشعب الفلسطيني. المغرب مطوق برئاسة لجنة القدس، وتحتضن الرباط مقر وكالة بيت مال القدس التي تقدم خدمات اجتماعية وإنسانية للمقدسيين. فكيف أمكن المغرب انتزاع هذا الموقف الأمريكي مقابل «التطبيع»؟ لا شك أن المغرب تفاوض جيدا، حين وضع على الطاولة الاعتراف بسيادته على الصحراء وفتح قنصلية في الداخلة، وانتهز فرصة وجود رئيس مرتبك بعد خسارته الانتخابات وراغب في تحقيق مكسب سياسي قبيل أسابيع من مغادرته البيت الأبيض، دون أن ننسى دور صهره جاريد كوشنر.

قد يقال إن الإعلان الرئاسي الأمريكي ضعيف لأنه صادر عن رئيس ولايته تشرف على الانتهاء، ولكن هذا لا ينفي قوته السياسية، التي جعلت المغرب في وضعية مريحة غير مسبوقة تجاه قضيته الوطنية، كما أنه إلى حد الآن لم يبدِ بايدن وفريقه أي موقف سلبي، ولا أعتقد أن المغرب لم يتخذ الاحتياط بخصوص الإدارة المقبلة التي لديه فيها أصدقاء، خاصة أنه من النادر أن يلغي رئيس جديد للولايات المتحدة إعلانا رئاسيا للرئيس الذي سبقه.

إذن، هذا موقف تاريخي، يعزز حقوق المغرب في الصحراء، ويحرج خصومه، ويدعم تدخله في الكركرات، ويشجع دولا كبرى أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة، كما يحشر الجزائر في الزاوية باعتبارها أكبر داعم ومحتضن للبوليساريو داخل ترابها، ومحرض لها ضد المغرب. ولو أن الجزائر تعاملت بحسن الجوار مع المغرب، وتراجعت عن دعم البوليساريو، لحُل هذا المشكل منذ سنوات لصالح التكامل المغاربي، ولما احتاج المغرب إلى البحث عن خيارات أخرى. هذا الإنجاز، في حد ذاته، من الصعب أن يكون موضوع تحفظ من القوى السياسية المغربية، حتى تلك الرافضة للتطبيع.

أما بخصوص الجانب الثاني من هذه الصفقة، وهو التطبيع، فإننا بالمنطق السياسي، وبعيدا عن الجانب العاطفي، يمكننا أن نتساءل عما قدمه المغرب؟ أولا، تسهيل رحلات مباشرة لنقل اليهود المغاربة «من وإلى المغرب».. هل هذا أمر جديد؟ نعرف أن ما لا يقل عن 70 ألف يهودي مغربي يزورون المغرب كل سنة من مختلف بقاع العالم، بمن فيهم القادمون من إسرائيل، في إطار زيارات سياحية ومواسم دينية في مدن مختلفة، وهذا أمر معروف. ثانيا، إعادة فتح مكتبي الاتصال في المغرب وإسرائيل، وتطوير العلاقات في المجال الاقتصادي، علما أن المغرب سبق أن فتح مكتب الاتصال دون أن يكسب شيئا، في سياق «اتفاق غزة أريحا أولا» وأغلقه بعد الانتفاضة الفلسطينية. أما عن التعاون الاقتصادي، فإننا لا نعلم حجم التعاملات الجارية قبل هذه الصفقة. في المجال الفلاحي وحده، يدرك الفاعلون في القطاع حجم المعاملات مع إسرائيل، ولهذا، كان ناصر بوريطة، وزير الخارجية، محقا حين رفض الحديث عن التطبيع، لأن المغرب «لم يقطع علاقاته مع إسرائيل». هذا من الناحية السياسية الواقعية، أما من ناحية دعم حقوق الشعب الفلسطيني، فهذا أمر ثابت لا تغيير فيه بالنسبة إلى المغرب، واللغة التي صيغ بها بلاغ الديوان الملكي حول مواصلة دعم فلسطين، واتصال الملك محمد السادس بالرئيس محمود عباس لتأكيد ذلك، يظهر هذا الالتزام المبدئي. وأظن أن الفلسطينيين يدركون أن المغرب تصرف بمنطق الدفاع عن وحدته الترابية التي لا تقل أهميتها عنده عن القضية الفلسطينية.

طبعا يجب ألا ننسى معطيات التاريخ، فقبل إنشاء إسرائيل من لدن الصهيونية العالمية، عاش أكثر من 200 ألف من اليهود المغاربة حياة طبيعية إلى جانب المسلمين في الملاحات والأحياء وفي مختلف المدن والقرى، وكانوا يشكلون حوالي 10 في المائة من السكان، لكن الحركة الصهيونية العالمية عملت على إغرائهم بالهجرة إلى «الأرض الموعودة» فلسطين، وقيل لهم إنها أرضهم التي أمرهم الله أن يعيشوا فيها، وإنها أرض خالية، قبل أن يتبين أن بها سكانا مسلمين ومسيحيين ويهودا يعيشون في سلام منذ قرون. ولم يبق في المغرب اليوم من اليهود سوى أقل من 4 آلاف. 

كما لا ننسى أنه وقعت في فلسطين أكبر عملية تقتيل وتشريد لشعب بأكمله، أمام أنظار العالم، حين قامت العصابات الصهيونية سنة 1948 بتدمير أكثر من 400 مدينة وقرية فلسطينية تدميرا كاملا، وتهجير 700 ألف فلسطيني إلى مصر وسوريا ولبنان والأردن، بعدما سلبت أموالهم وأملاكهم بدعم أمريكي وأوربي. هذه حقائق تاريخية لا يمكن محوها، وهي تعطي الشرعية لدعاة مواجهة التطبيع، دون أن يمنع ذلك منطق حسابات السياسة التي تحكمت في الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، وجعلت بلادنا تحقق كسبا دبلوماسيا غير مسبوق.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي