مصطفى ابن الرضي يكتب: هوامش على متن الصحراء وإسرائيل

16 ديسمبر 2020 - 22:50

ـ1ـ

كاتب هذه المقالة ليس حزبا سياسيا، ولا جماعة، أو مركز نفوذ، إنما ينطق عن نفسه، ويصرّح بما يفكر فيه في هذا الحيّز، مادام متاحا. وليس من وكْد كتاباته المزايدة على أحد، خاصة إن كان الأمر رهْنا بقضية مصيرية للوطن. إنما انشغاله بصميم الفكرة الديمقراطية، واهتمام بقضايا الوطن في زمن قلّ فيه من يهتم.

وللحق، فإن ما يجري من حدّة في تقبل الرأي يُعدم أي إمكانية لكلام يُنْتج في قدر كاف من الاطمئنان، وقد ضاقت ممكنات التعبير إلى مساحات تتآكل باستمرار، تخيّرك بين أن تكون مع الدولة وفق رؤية أحادية، أو ضدها، بمنطق السلّة الواحدة، ولذلك يختار كثيرون الانسحاب، خوفا من آلة دعائية ساحقة ماحقة يدوِّر عجلاتها “حرّاس أختام جدد” وحدهم يمنحون دمْغة الوطنية.

إن وظيفة الصحافي (الأعزل حقا إلا من قلمه) أن يصاحب السقوف التي تنتجها الهيئات السياسية والمدنية، والنخب والمثقفون، ولا يصنع سقوفا إلا ما ندر، في إطار مواكبة منضبطة لقواعد الممارسة الصحافية وحسب، وبما لا يجعلها تتحول لفاعل سياسي أو غيره، لكنها تتقاطع مع الجميع، بما فيهم رواية الدولة.

وإن تضيق المساحة لدى البعض في التعبير بين أن تدعم الموقف الرسمي بإطلاق، أو تكون غير وطني، يشير إلى اختلال واضح في فكرة الوطنية، ومفهوم الانتماء للوطن، والحق في الاختلاف.

وقطعا، إن هزالة النقاش بشأن كثير من قضايانا أمرٌ غير مريح، ومؤشر على حالة غير صحيّة. وأن يستأنف المغرب علاقاته مع إسرائيل دون أن نسمع كثيرا من الآراء من مثقفين ونخب، أمر يستدعي قدرا معتبرا من النظر، لأنه يدلّ على أننا نتجه للإضرار بحقّ الناس في الكلام في بيئة تضمن الحرية.

ـ2ـ

ما جرى من إعلان مغربي أمريكي حقيقةً حدثٌ تاريخي وهائلٌ، كان يفترض أن يواكَب بنقاش عالي المستوى، بسعة الوطن كله. لكن ما الحيلة مع من تضيق هوامش تفكيره عن تصوّر أن بلدا كالمغرب قوته في تعدد الآراء، التي من حسناتها أنها تمنح الدولة نفسها موقعا تفاوضيا جيدا في تدبير علاقات بلدنا مع الخارج، وتمنحها فرصة لتجويد القرار الرسمي، بدل أن يملأ البعض الفضاء بـ”رجع الصدى”.

إن الإعلان المغربي الأمريكي من نوع القضايا الإشكالية، إذا حُلّ أحد طرفيْها تعقّد الطرف الآخر. وتدوير النظر في هذه القضية صعبٌ ومُربك للغاية، لأنه جرى الربط بين قضية لا خلاف عليها بين المغاربة (الصحراء)، وموضوع يشعر كثيرٌ من المغاربة بأنه يعنيهم (فلسطين)، لذلك حرص الملك على التعبير عن التزامه اتجاهه، بقدر معقول ومقبول من التوضيح (على الأقل لدى السلطة الفلسطينية التي تحوز تمثيل الفلسطينيين رسميا)، يفيد بأن ما جرى حمايةٌ لمصالح المغرب، وليس توجها للإقرار بالاعتداءات الجارية على الحق الفلسطيني.

المغرب بقدر ما حقّق مكاسب كبيرة بميزان المصلحة الوطنية، بانتزاع اعتراف أمريكي صريح ومزلل بسيادته على أقاليمه الجنوبية، ما سينتج وضعا مستجدا ينقل القضية لمستويات جديدة ستلحقها تغيرات كبيرة على الأرض، وفي أروقة الدبلوماسية، خدشها ربط القرار بالعلاقة مع إسرائيل.

إن الموقف الأمريكي معزولا لا يمكن إلا أن يفرح كل المغاربة، لأنه يصحّح وضعا، ويفتح الباب واسعا لتكريس قوة المغرب التفاوضية بمواجهة خصوم وحدته الترابية، لكن على الوجه الآخر من الصورة تنتصب إسرائيل بكل ما يلتصق بها من كونها دولة احتلال اغتصبت أراضي الفلسطينيين، وتعبّر عن وجه غير إنساني وهي تحاصر غزّة مثلا بعدما سوّتها بالأرض.

إن الموقف الأمريكي الجديد انتصار كبير للدبلوماسية المغربية، وإنجاز لن يكون بالإمكان القفز عليه مستقبلا، واستثمار هائل في اللحظة الدولية لتعزيز موقع المغرب دفاعا عن صحرائه، لولا أن الرئيس الأمريكي، الذي يغادر البيت الأبيض بعد أسابيع، لم يكن ليفرج عن قراره إلا بموافقة المغرب على إعادة استئناف علاقاته بإسرائيل، جريا على عادته الانتهازية في عقد الصفقات: “هذه بتلك”.

ـ3ـ

بعد هذا، هل يحق للمرء أن يقول (ويقبلها منه رافضو التطبيع)، إن المغرب يبقى الوحيد من بين الدول التي أعلنت تطبيع العلاقة مع إسرائيل مؤخرا، لم يُعلن عن اتصال بين ملكه ورئيس حكومة إسرائيل، وجرى الحرص على إخراج الأمر كـ”صفقة رابح رابح” بينه وبين رئيس أكبر دولة؟

وهل يجدر أن يقول إن المغرب هو الوحيد الذي أجرى رئيسه اتصالا برئيس السلطة الفلسطينية لوضعه في صورة ما جرى ولم يهرّب قراره في جنح الظلام؟ وهل يجدر أن يقول، أيضا، إن المغرب هو الوحيد الذي لم تستنكر السلطة الفلسطينية قراره، ولربما استوعبت أن قراره لن يكون إنتاجا لحالة عداوة مع الفلسطينيين، بقدر ما هو تحصيلٌ لمصلحة وطنية؟

وهل يجدر بالمرء أن يصرّح، أيضا، بأن المغرب له قضية مصيرية أرهقته وأنهكته ووجد فرصة سانحة للتقدم في اتجاه إنهائها، عكس أمر السودان (العسكرية)، والإمارات التي يصعب تبيّن مصلحتها الآنية من التطبيع، أو حتى البحرين، التي تدور مع الإمارات حيثما دارت؟

وبعد كل هذا، هل يحقّ للمرء (ويقبلها منه “موزعو صكوك للوطنية”) التصريح بأن الخطوة التي اتخذها المغرب قد تضرّ بقضية فلسطين، مادام يرى بوضوح أن ترامب وفريقه، وتحالف اليمين المتطرف في إسرائيل، لا يتركون فرصة تمر دون الإجهاز على حقوق الفلسطينيين، ويستهدفون قضايا الحل النهائي خارج القانون الدولي والمفاوضات، وعبر سياسة فرض الأمر الواقع؟

وهل يقبل منه “حراس الأختام” الإشارة إلى أن “اضطرار” الدولة لاستئناف العلاقة مع إسرائيل، تحقيقا لمكسب في قضية مصيرية، لا يعني بالضرورة سعيا محموما لتحصيل تطبيع شعبي يقطع على الناس حقها في التعبير عن الموقف من الاحتلال الإسرائيلي؟

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي