منير أبو المعالي يكتب: ليس لدي قول – اليوم 24
منير-ابو-المعالي
  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: Made In China  

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: يجب ألا نهتم..

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: حصار بالمقلوب

الرأي

منير أبو المعالي يكتب: ليس لدي قول

لم يعد هناك شيء إضافي يستحق القول؛ لقد غمر نظام التفاهة كل شيء. تتحول القواعد التي شكلت دوما الحدود الحقة بين العقل والزيف، إلى شيء مطاطي، رخو، عرضة للجدل باستمرار. تصبح الفكرة، كما التحليل، مجرد رأي، ولكل شخص فكرة ورأي. يستوي في ذلك الناس العاديون، عديمو التعليم، كما طبقة المدرسين الجامعيين، والمثقفين. لقد غيرت الشبكات الاجتماعية، دون شك، طريقتنا في إدراك الوقائع، قبل أن يجري تحويلها إلى حقائق عنوة. في الواقع، لم يعد كاتب في صحيفة، مثلا، يعتقد نفسه الأكثر كفاءة في فحص الوقائع وتحليلها، يؤثر في المسار الذي تتخذه الأشياء لنفسها، مثلما يفعل شخص يمتلك مهارة تقنية لتوضيب فكرة على حسابه في قناة «يوتوب». وفي أحيان كثيرة، تصطبغ الحقائق المقدمة بصفتها أولويات بالقدرة على الانتشار. إذا كانت لديك القدرة على الحصول على أكثر عدد من الجمهور، فإن أفكارك عادة ما تصبح أكثر أهمية. وليس مهما إن كانت أفكارا مؤسسة أو جديرة بالاعتبار، لأن الشبكات الاجتماعية تنجح عادة في تسويقها كما يجب، أي كأفكار ينبغي الاعتداد بقيمتها.

الحمقى وحدهم من سيعتقدون أن الطريقة الفعالة لمواجهة الضحالة المستشرية هي الوقوف في مواجهة التيار الشديد القوة لهذه الشبكات الاجتماعية. إذا ما فعلت ذلك، فإنك ستغامر بنفسك لا محالة. يشبه ذلك وقوف رجل يتصنع الحكمة في وجه ألوف الرعاع الخارجين للتو من حصن الباستيل، والدماء تعلو ثيابهم الرثة، مطالبا بإيقاف المجزرة.

الشبكات الاجتماعية أهم من أي فكرة. في المغرب، تكونت طبقة هناك من أولئك الذين كانوا يغنون ترانيم الثورة أو التغيير، ثم بشكل تدريجي، وتحت وطء الخيبات المتتالية، أفسحوا المجال للجميع؛ أولئك الذين ليست لديهم فكرة، وأولئك الذين لا يملكون رأيا. ولسوف يصبح هؤلاء هم الفيصل بين التيارات المتناقضة داخل الشبكات الاجتماعية. هل هي لعبة عادلة؟ ليس تماما. فطن الجميع، منذ بداية الأمر، إلى أن السيطرة على الشبكات الاجتماعية هي مسألة قدرة على النجاة اليومية مسنودة بتمويل مناسب. الذين لا يملكون شيئا من الصعب أن يستمروا في إدارة الرأي بالشبكات الاجتماعية دون أن تقف وراءهم قوة. الأشخاص الذين يسوقون أفكارهم أو آراءهم دون اكتراث بالطريقة التي تعمل بها العناصر التقنية لهذه الشبكات، يجدون أنفسهم، في الغالب، مثل شخص يرمي حجرا في بحيرة معتقدا أن تموجات المياه الصغيرة قد غيرت فعلا من الحركة الرئيسة للتيارات في البحيرة.

المال مهم بقدر الفكرة نفسها. ومن لا يملك المال لن يستطيع السيطرة. تبعا لهذه القاعدة، فإن المهمشين الذين كانوا يعتقدون أن الشبكات الاجتماعية تمنح آراءهم قيمة محددة، عليهم أن يعيدوا ترتيب أفكارهم جديا. إن المهمشين الذين كانوا عادة يطالعون الصحف في المقاهي، ثم يلقون بآرائهم على شكل تمتمة، تحولوا الآن إلى جيش مساعد في بناء الأفكار في الشبكات الاجتماعية. شخص لا يملك شيئا، بإمكانه أن يحول رأيا على هذه الشبكات إلى أمر مهم بمجرد الإعجاب به، ثم مشاركته. هذه متوالية هندسية لا توزع قيم الأفكار بالتساوي، لكنها تعزز فقط رأي المصدر الأصلي. وعلى نحو أدق، من الجدير ملاحظة العدد الهائل من الأشخاص الذين يملكون حسابات على الشبكات الاجتماعية، ممن ليس لديهم دور فعلي سوى إعادة توزيع الأفكار المنتشرة على نطاق واسع. تتحكم الخوارزميات في الطريقة التي تجعل منشورا يصل إليك دون غيرك. ولقد كتبت الكثير من الأبحاث عن هذه الوسائل التي تجعل متصفحا في الشبكات الاجتماعية شخصا منساقا بدل أن يكون مشاركا، وهو دوره الأصلي. لقد زرعت الشبكات الاجتماعية وعيا زائفا لدى الملايين من الأفراد ممن كانوا ينظرون إلى أنفسهم بصفتهم أشخاصا مهمين في سلسلة صناعة الرأي، فيما هم، في الواقع، مجرد حشود تملؤها الحماسة، وتؤدي الوظيفة نفسها التي كانت للحشود قبل أن تظهر هذه الوسائل التكنولوجية.

تشكل الشبكات الاجتماعية سلطة رخوة، لكنها مهمة لبناء سلطة واقعية على الأرض. مثلها كباقي وسائل الدعاية الجماعية، باتت هذه الشبكات هدفا للتلاعب. في نهاية المطاف، تتحلل الحدود بين ما هو صواب وبين ما هو خاطئ، وتصبح الأفكار الأكثر شعبية هي الأفضل. ولطالما تغذت التيارات الأكثر راديكالية على مؤشرات الشعبية لإثبات نفسها، لم، إذن، لا تفعل ذلك أنظمة الحكم هي الأخرى! لكن، مع ذلك، لا يجب إغفال ما قد تؤدي إليه نشوة الانتصار باستخدام العداد. من الواضح أن الطريقة التي يدير بها المتنفذون –كما ينبغي تسميتهم بدلا من المؤثرين- صناعة الرأي العام على الشبكات الاجتماعية تنطوي على تحد خاص بها عندما تتحول إلى قضية إخضاع. لنشرح ذلك بمثال بسيط؛ يتحول جمع من الأفراد الذين يمتلكون موارد وأدوات مساعدة، إلى جماعة «مستقلة» لإخضاع الآراء لقالب واحد. ويستخدمون هذه الطريقة آلية لمواجهة جماعة «مستقلة» أخرى. وكل شيء مباح؛ يمكن صاحب محتوى يقدم نصائح وإرشادات حول العلوم أن يتحول، فجأة، إلى مقدم برنامج سياسي، ويدفع بجمهوره كاملا إلى سلم أولويات جديدة. ويُستعمل هؤلاء من لدن القادة السياسيين بشكل نشط في المراحل الحاسمة من المناقشات الحادة بخصوص السياسات العامة. إذا أردت معرفة الحقائق جيدا، فإنك، غالبا، ستكون مثل شخص يقشر بصلة. كلما أزلت طبقة، اغرورقت عيناك أكثر بالدموع.

بالنسبة إلى الأشخاص الذين مازالوا يؤمنون بأن الأفكار يجب أن تخضع لفحص وتقييم مستمرين قبل أن ترمى على الناس، فإنهم يغامرون بفقدان الحس بالزمن. ما يحدث على الشبكات الاجتماعية ليس، فحسب، ما تصوره أمبرتو إيكو بشأن ثرثرة الحمقى في الحانات، وإنما هي لعبة للسيطرة على العقول. رقعة حرب يخطط لها خبراء الاستراتيجيات وقادة بارزون. تعطينا الشبكات الاجتماعية مظهر مجتمع حي، لكنها في الواقع تغلله وتضيق على أنفاسه باستمرار. وهي تفعل ذلك بدهاء، حيث بالكاد يشعر المرء بأنه لم يكن، في نهاية المطاف، سوى جزء من أعمال سخرة جماعية في عالم متخيل.

على كل حال، لا مجال للاستسلام. لقد فقدت وسائل الدعاية التقليدية بريقها، لكن لم يحكم على دورها بعد بالانقراض. تطرح تقنيات الشبكات الاجتماعية تحديات كثيرة على الأفراد الذين بمقدورهم أن ينتجوا أفكارا، لكنها بالكاد تُسمع. المدرسون الجامعيون أصبحوا يفهمون الدرس جيدا. هذه ليست ساحة في روما تلقى فيها الأفكار، فيما الناس متجهون للتسوق، لكنها دهليز تنشط داخله جماعات الضغط. في الواقع، بات ملحا أن يفهم الناس ما يجري تحويلهم إليه في الشبكات الاجتماعية. في غضون ذلك، فإن الأفراد المندهشين من القواعد الجديدة على هذه الشبكات، يقاومون بنيات التزييف هذه بحماسة ضعيفة؛ مثلي أنا.

شارك برأيك