يونس مسكين يكتب: نحن وإسرائيل والصين في حسابات أمريكا

21 ديسمبر 2020 - 19:40

ينعقد اليوم اجتماع استثنائي لمجلس الأمن الدولي حول الصحراء، بطلب من ألمانيا، على إثر التطوّر الذي عرفه الملف من خلال اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على صحرائه. وينتظر أن يحل منتصف هذا الأسبوع ببلادنا وفد إسرائيلي كبير، يصحبه صهر ومستشار الرئيس الأمريكي، جاريد كوشنير، بما يعنيه ذلك من ربط جوي مباشر بين المغرب وإسرائيل وتوقيع اتفاقيات ثنائية… أي أننا أمام لحظة فارقة في تاريخ المغرب ومنعطف حاسم في مصيره ومستقبله.

هناك سرّ غريب وغامض يسكن العلاقات المغربية الأمريكية طيلة القرنين ونصف اللذين عاشتهما دولة الولايات المتحدة الأمريكية منذ إعلانها الاستقلال عام 1777. صحيح أن المغرب، في فترة تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية وخروجها من تحت وصاية الأوربيين، كان قوة إمبراطورية يضرب لها حساب، وتقف ندا للند مع أعتى القوى الاستعمارية، وهو ما سمح له عام 1862، مثلا، باعتقال اثنين من قادة حركة الانفصال التي وقعت في الشطر الجنوبي من الولايات المتحدة الأمريكية وقتها، بمجرّد وصولهما إلى مدينة طنجة، وإثارتهما حفيظة القنصل الأمريكي بتصرفاتهما الاستفزازية لممثل الدولة الأمريكية الوحيدة التي يعترف بها المغرب؛ لكن ذلك وحده لا يكفي للإمساك بناصية السر الذي ميّز العلاقات المغربية الأمريكية على مدى القرن الماضي على الأقل.

ففي العام 1906، وقبل أكثر من أربعين عاما من الخروج الأمريكي الكبير من العزلة التقليدية لحسم معارك الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بأول خروج رسمي لها من عزلتها الاختيارية، لتشارك في مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي ضم 13 دولة أوربية كانت تتنازع النفوذ داخل المغرب وقتها.

كانت الأوضاع السياسية المحيطة بالمغرب وقتها توحي باحتمال اندلاع حرب طاحنة بين ألمانيا وفرنسا، بعد قيام الإمبراطور الألماني، غيوم الثاني، بزيارة طنجة، ورفضه التسليم بالسيطرة الفرنسية على الدولة الشريفة. ووحده «التحكيم» الأمريكي نزع فتيل المواجهة، وخفف نسبيا وطأة الضغوط الأوربية على المغرب وأجل استعمارهم إياه.

كان الرئيس الأمريكي، تيودور روزفلت، في حاجة إلى مبرّر يقنع به الكونغرس والنخب السياسية الأمريكية المعترضة على أي «تورط» أمريكي في مشاكل العالم، فلم يجد أفضل من الدفع بفائدة تحول بلاده إلى طرف في اتفاقيات تجارية مع المغرب، وسهرها على حماية اليهود المغاربة. نعم، لم يجد روزفلت أفضل من ورقة الحرص على حماية حقوق اليهود المغاربة، في تلك «الوزيعة» العالمية حول المغرب، للمشاركة في ذلك المؤتمر.

بعد ذلك، سوف يصبح الدور الأمريكي عاملا مؤثرا في مجريات الأحداث التي عاشها المغرب تحت الحماية، حيث كانت مشاركة الولايات المتحدة في مؤمر الجزيرة الخضراء تمنحها صوتا مسموعا، فكان السلطان المغربي يستعمل هذه الورقة الأمريكية لتعديل ميزان القوة المختل مع فرنسا، فيما كانت هذه الأخيرة تقبل بالأدوار الأمريكية على مضض للجم إسبانيا التي لم تكن تخفي استقواءها بألمانيا في بعض اللحظات.

بلغ هذا الدور الأمريكي ذروته مع الإنزال العسكري في السواحل المغربية بداية الأربعينيات، والذي قلب كفة الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء، وتوّج ذلك في لقاء «أنفا» الشهير في يناير 1943، حين التقى الراحل محمد الخامس الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت وحصل منه على تعهد بدعم استقلال المغرب عن فرنسا بعد الحرب. ومرة أخرى، كان اليهود المغاربة ضمن الأجندة الأمريكية، حيث كانوا من بين أكبر المستفيدين من الإنزال العسكري الأمريكي في المغرب، لما مثله من تخليص لرقابهم من قوانين حكومة «فيشي» الفرنسية، الموالية للنازية.

بعد ذلك سوف يكون للولايات المتحدة الأمريكية دور مؤثر وحاسم في طريقة خروج المغرب من الحماية الفرنسية-الإسبانية، حيث كانت واشنطن شديدة الحرص على مراقبة الوضع والحفاظ على التوازن بين القوى الدولية، وشكل حضورها ورقة ضغط في يد الفرنسيين على إسبانيا التي لم تكن تخفي استعدادها للتحالف مع الاتحاد السوفياتي…

أصبح هوى السلطة في المغرب فرنسيا خالصا في السنوات الأولى للاستقلال، وباتت علاقة الملك الراحل الحسن الثاني بالصديق الأمريكي يطبعها بعض التوجس، خاصة بعد المحاولتين الانقلابيتين في بداية السبعينيات، حيث شعر بأن أمريكا «تخلت عنه»، لكن، حين كان يهندس انعطافة جديدة في حكمه ودولته، كان الدعم والسلاح الأمريكيان أساسا لتنظيم المسيرة الخضراء واسترجاع الصحراء.

في المقابل، كان الملك الراحل الحسن الثاني يقوم بأدوار خاصة في قضية الشرق الأوسط، ويستقبل إسحاق رابين الذي كان يحل في ضيافته متنكرا، لينتهي ذلك المسار باتفاقية كامب ديفيد للسلام بين إسرائيل ومصر، ثم باللقاء الرسمي الشهير بين الملك الراحل ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شمعون بيريز في مدينة إفران عام 1986.

هناك، إذن، خيط رابط بين الأحداث التي جمعت المغرب وأمريكا منذ أكثر من قرن، وشعرة دقيقة من الحضور اليهودي-الإسرائيلي تلتحم به. وإذا كان المغرب قد ابتلي بجوار يكن له العداء من الشمال كما الشرق، فيما جنوبه ملغّم بحرب انفصالية، فإن الطبيعة تعوّضه بـ«جار» غربي تقرّبه المصالح بقدر ما تبعده أميال المحيط الأطلسي، هو الولايات المتحدة الأمريكية. وحدها الجغرافيا السياسية تقدّم عناصر مفيدة لفهم هذا الحلف العابر لبحر الظلمات.

الحقيقة أن ما أعلنه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من اعتراف بمغربية الصحراء ودعم للحكم الذاتي، ليس مفاجئا ولا طارئا على الموقف الأمريكي. بل نستطيع قراءة هذا الموقف بجلاء في تقرير استخباراتي أمريكي يعود إلى 1987، تضمن خلاصة ما انتهت إليه الحرب والمواجهة الدبلوماسية وقتها؛ «إنهاء هذا النزاع سيخدم المصالح الأمريكية في المنطقة، لأنه سيقوي الحليف الأقرب إليها، الذي هو المغرب، كما أن ذلك قد يشجع الملك الحسن الثاني على القيام بخطوة ما في إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي»، تقول هذه الوثيقة.

ما الذي أخر، إذن، إعلان هذا الموقف الأمريكي أكثر من ثلاثة عقود؟ إنها لعنة المصالح. فالعقل الاستراتيجي الأمريكي لا يسمح بأية خطوة مجانية، والدور المغربي، القديم والجديد، في الملف الفلسطيني، ليس له الوزن الكافي لمعادلة مثل هذه الخطوة الأمريكية في الصحراء.

يوجد التفسير الأكثر إقناعا وواقعية في ساحة الصراع الجيوسياسي الدائر حاليا بين أمريكا والصين. «في السنوات الأخيرة أصبحت الولايات المتحدة تنظر إلى الجغرافيا السياسية للمغرب بصفتها جزءا من استراتيجيتها لمنع التمدد الصيني في غرب المتوسط والمحيط الأطلسي»، يقول الصديق وأستاذ العلاقات الدولية فؤاد فرحاوي، في حواره الأخير مع الزميلة «العلم». وفي ما يشبه الطمأنة، يؤكد فرحاوي أن إدارة بايدن المقبلة «لن تختلف عن إدارة ترامب في تقييمها لدور الجغرافيا السياسية المغربية في استراتيجية المواجهة مع الصين».

يحق للبعض أن يتخوّف من هشاشة المرسوم الرئاسي الذي أصدره ترامب للاعتراف بمغربية الصحراء، ومن واجب الأكاديمي كما الصحافي أن يقوم بدوره في التنبيه والتحليل والتفكيك؛ لكن الهاجس الصيني بالفعل عنصر مهيمن على السياسات الأمريكية الحالية. أذكر أنني دعيت عام 2016، في عهد إدارة أوباما، لزيارة نظمتها السفارتان الأمريكيتان بالمغرب وتونس لفائدة صحافيين إلى قاعدة شتوتغارت الألمانية، حيث توجد مقرات قيادة «أفريكوم» العسكرية، وأذكر أنني كتبت من هناك تقريرا بعنوان: «هكذا يحضّر أوباما إفريقيا للحروب المقبلة». ولا يبدو أن تغيّر الإدارات في واشنطن سيمسّ أيا من الترتيبات المرتبطة بالحد من النفوذ الصيني. ولا أظن أن من قبيل الصدفة أن وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، قام بزيارة كل من المغرب وتونس خمسة أسابيع قبل إعلان الاتفاق المغربي الأمريكي الجديد، وكل ما صدر رسميا عن تلك الزيارة أنها شهدت توقيع اتفاق عسكري كبير بين المغرب وواشنطن يمتد إلى عشر سنوات.

أمريكا آتية، إذن، إلى صحراء المغرب، حاملة سرّ حلفها الغامض معه، وعينها الساهرة على مصالح إسرائيل، لكن، قبل هذا وذاك، ذرعا لمنع إقامة طريق الحرير والحزام الصيني في الواجهة الأطلسية، المقابلة لسواحل جارنا البعيد.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي