عبد الحق بلشكر يكتب: نموذج لأزمة الخطاب السياسي

22 ديسمبر 2020 - 19:00

قبل أيام ناقشت ندوة نظمتها مؤسسة الفقيه التطواني، موضوع: «أزمة الخطاب السياسي في المغرب»، حذر خلالها محمد عصيد، الناشط الأمازيغي، من ثنائية «التخوين والإجماع» التي يتسم بها الخطاب السياسي المغربي، لأنها ثنائية خطيرة تفقر الحياة السياسية المغربية، مثلما حذر الباحث في العلوم الاجتماعية، إدريس بنسعيد، من «تأثير الخطوط الحمراء» على دينامية الخطاب السياسي والنقاش العمومي المفتوح الذي يغني الحياة السياسية. وفي يوم الثلاثاء الماضي، تابعنا نموذجا حيا لهذا الخطر، حين وقف برلماني البام، العربي المحرشي، في جلسة عمومية، جرى بثها مباشرة في التلفزيون والإذاعة، ليطلب من رئيس النيابة العامة أن يفتح تحقيقا ضد من «يشكك» في قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الاعتراف بمغربية الصحراء. لقد اعتبر هذا البرلماني أن مجرد القول إن «الرئيس الأمريكي المقبل قد يلغي قرار ترامب»، يعد جريمة، بل طلب أن يمتد التحقيق إلى «البلاغات وكل ما كتب في مواقع التواصل الاجتماعي» بهذا الشأن. أكثر من هذا، فقد لجأ البرلماني إلى استعمال خطاب ملكي موجه أصلا إلى انفصاليي الداخل، جاء فيه أن الشخص «إما أن يكون وطنيا وإما خائنا.. فليست هناك مرتبة وسطى»، ليسقطه على من ناقش وعبر عن رأيه بخصوص القرار الأمريكي. هل إلى هذه الدرجة وصل مستوى التخوين والتحريض لمجرد التعبير عن الرأي؟ مع الأسف، فإن من قام بذلك ليس سوى برلماني ممثل للأمة، وحصل ذلك داخل مؤسسة تعد من تجليات الديمقراطية وفضاء للمساءلة وحرية التعبير التي يكفلها الدستور.

دون شك، فإن الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء يشكل تحولا استراتيجيا في مسار القضية الوطنية، ولا يمكن أي مغربي إلا أن يشيد به، لأن مغربية الصحراء حقيقة ثابتة، وجاء الموقف الأمريكي ليدعمها، لكن، هل هذا يمنع من تحليل هذا الموقف والاختلاف حول تقدير أبعاده، وترقب موقف الإدارة الأمريكية المقبلة منه، وقراءته في علاقته بقرار التطبيع مع إسرائيل؟ هل يمنع ذلك تحليل الموقف، وأثره على القضية داخل مجلس الأمن؟ الأصل هو أن يشكل البرلمان، الذي يعد من المؤسسات التي تتجلى فيها الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، مكانا لمناقشة السياسات والمواقف بكل حرية، فكيف يسمح برلماني لنفسه بأن يحول البرلمان إلى منصة لنصب المشانق لمن يختلفون معه في الرأي والتقدير؟ وهل دور البرلماني أن يقف في جلسة عمومية مخصصة لمساءلة رئيس الحكومة، ويطلب علانية من النيابة العامة فتح تحقيق مع كل من أشار إلى إمكانية تراجع الرئيس بايدن عن قرار ترامب؟ بإمكان المحرشي أن يعبر عن موقفه كما يشاء، لكن دون مصادرة حق من يختلفون معه في التحليل والتقدير السياسي، علما أن الإجماع حاصل على الثوابت التي نص عليها الدستور، ولا مجال للتخوين بسبب مجرد التعبير عن هواجس مشروعة.

لكن، عندما نعود إلى مسار المحرشي، فإننا لا نستغرب أن يصدر عنه هذا الموقف، فهو يجسد نوعية النخب والأعيان التي جمعها البام خلال نشأته؛ كان خياطا ينحدر من وزان، لم يكمل تعليمه الابتدائي، وفجأة عرف كيف يكون ثروة في فترة وجيزة. وبمزيج من الدهاء والذكاء، تسلق بسرعة إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة ليصبح ضمن الدائرة الضيقة للقيادة السابقة للحزب، بل أصبح من أعيان منطقة جبالة، وأحد منتخبيها الكبار، برلمانيا ورئيسا للمجلس الإقليمي.

هكذا يشكل المحرشي، وخطابه داخل البرلمان، مثالا صارخا لأزمة الخطاب السياسي المغربي، الذي يعكس في الواقع طبيعة الحياة السياسية. فخلال ندوة مؤسسة الفقيه التطواني، أكد المتدخلون أنه كلما كانت الحياة السياسية مفتوحة ودينامية، تطور الخطاب السياسي، وكلما كانت اللعبة السياسية واضحة، كان الخطاب السياسي واضحا. وفي ظل تراجع السياسة، فإن الخطاب يتسم بالضعف في الإبداع الفكري وبضعف المبادرة، ويفضل السياسي أن يلوذ بالصمت، كما أن مصداقية الخطاب السياسي ترتبط بالدفاع عن «الديمقراطية» و«حرية التعبير»، وليس بتحريض القضاء ضد الحرية، كما فعل المحرشي.

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي