محاربة التهريب والمهربين الذين ينشطون في الصحراء خلف الجدار الأمني يتسبب في تبادل إطلاق النار بالخطأ بين أفراد من القوات المسلحة الملكية ودورية تابعة للجيش الموريتاني، مساء الثلاثاء المنصرم قرب منطقة « أنال » في الحدود الفاصلة بين البلدين، لكن الاشتباك انتهى، مباشرة، بعد تعرف الفرقين على بعضهما البعض، دون خسائر بشرية. هذا ما كشفه بيانان رسميان للجيش الموريتاني مساء أول أمس الأربعاء. هذا الحادث الطارئ يؤكد التحديات الأمنية في منطقة الصحراء، خاصة بعد الاتهامات التي وجهت إلى البوليساريو بدعم وغط الطرف عن التهريب والمهربين بشتى أنواعهم في المنطقة، ما يهدد استقرار المنطقة والجوار القريب والبعيد. وتزداد هذه التحديات خطورة بعد إعلان جبهة البوليساريو يوم 14 نونبر المنصرم أنها في حِلٍّ من اتفاق وقف إطلاق النار الموقع مع الأمم المتحدة سنة 1991 والاتفاقيات العسكرية الثلاثة ذات الصلة.
في هذا الصدد، أصدر الجيش الموريتاني، مساء الثلاثاء المنصرم البيان الأول يؤكد فيه أن « دورية عسكرية، كانت تطارد مجموعة من المهربين في المنطقة الحدودية قرب « أنال »، قد تعرضت لإطلاق نار مساء الثلاثاء »، مبرزا أنه لم تحصل أية أضرار بشرية في طاقم الآلية التي تعرضت لإطلاق النار، مؤكدا أنه جرى البدء في تحقيق فوري لتحديد مصدر النيران. ساعات بعد ذلك، كشف الجيش الموريتاني، أول أمس الأربعاء، نتائج التحقيقات في الحادث قائلا: « على إثر التحقيق الأولي الذي أُجْرِيَ بعد تعرض دورية عسكرية لإطلاق نار مساء أمس، تبين أن الدورية اقتربت من موقع دفاعي لقوة مغربية، حيث اعتبرتها هدفا معاديا وتم التعامل معها ». واستطرد: « تصرف أفراد الدورية بالرد على مصدر النيران وفقا لما تمليه قواعد الاشتباك، قبل أن يتم التعارف ويُفَضَّ الاشتباك. لم ينجم عن إطلاق النار أية أضرار في طاقم الدورية ».
وكان المغرب سباقا إلى محاربة التهريب والجريمة في منطقة الكركرات بعدما أقدم في النصف الثاني من شهر غشت 2016 بتمشيط المنطقة وتطهيرها من المهربين، بمن فيهم الذين حولوها إلى مستودع لتخزين السيارات المسروقة من أوروبا لإعادة بيعها في موريتانيا أو بعض الدول الإفريقية. وكانت شاركت عناصر من مختلف التشكيلات الأمنية المغربية في تلك العملية، حيث اختتمت بتشييد طريق إسفلتي لمسافة أربعة كيلومترات تقريبا صوب النقطة الحدودية الـ55 مع موريتانية، قبل أن تستكمل هذه الطريق كليا عقب استرجاع المنطقة في 13 نونبر المنصرم.
في السياق عينه، يظهر أن العلاقات المغربية الموريتانية دخلت مرحلة جديدة بعد استرجاع منطقة الكركرات من قبل القوات المسلحة الملكية يوم 13 نونبر المنصرم وإعادة فتح المعبر الحدود الذي يعتبر صمام أمان الأمن القومي الغذائي الموريتاني في الوقت الراهن. إذ قبل تبادل إطلاق النار بالخطأ بين الجيشين يوم مساء الثلاثاء المنصرم، كان المفتش العام للقوات المسلحة الملكية المغربية، عبدالفتاح الوراق، صباح اليوم نفسه بالعاصمة نواكشوط، حيث استُقبِل من قبل وزير الدفاع الموريتاني، حننه ولد سيدي، وتباحثا حول « علاقات التعاون القائمة بين جيشي البلدين الشقيقين خاصة في مجال الدفاع والأمن وسبل تطورها في المستقبل »، ووفق الجيش الموريتاني. علما أن زيارة الوفد العسكري المغربي إلى الجارة الجنوبية جاءت في إطار إعمال الدورة الثانية للجنة العسكرية المشتركة الموريتانية المغربية المنعقدة لمدة ثلاثة أيام.
وعلى غرار اللقاء العسكري بين المغاربة والموريتانيين بنواكشوط، بَدَأَت بوادر المرحلة الجديدة في العلاقات مع البلدين اللذين يحتاجان اليوم إلى بعضهما البعض لمواجهة التحديات الأمنية والتهديدات الإرهابية والإجرامية في منطقة ملتهبة، مع انتشار الجيش الموريتاني على طول حدوده الشمالية إلى النقطة الحدودية الـ55 مع المغرب، بالتزامن مع العملية الأمنية الخاطفة التي قام بها الجيش المغربي لتحرير المعبر وطرد العناصر المدنية والمسلحة التي أغلقته كليا ما بين 21 أكتوبر و12 نونبر الفائتين. ما يعني أن الجيش الموريتاني قطع الطريق على ميليشيات البوليساريو لاستعمال الأراضي الموريتانية لاستفزاز المغرب.
وجاء اتصال الملك محمد السادس الهاتفي بالرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني، ليؤكد بداية عهد جديد من التعاون، في إطار « رابح رابح » بين البلدين. القائدان طرحا إمكانية تبادل الزيارات؛ ما يرجح إمكانية أن يقوم الملك محمد السادس على المدى القريب أو المتوسط بزيارته الرسمية الثانية إلى الجارة الجنوبية بعد الأولى في شتنبر 2001. خلال هذا الاتصال « عبر قائدا البلدين عن ارتياحهما الكبير للتطور المتسارع الذي تعرفه مسيرة التعاون الثنائي، وعن رغبتهما الكبيرة في تعزيزها والرقي بها، بما يسمح بتعميق هذا التعاون بين البلدين الجارين وتوسيع آفاقه وتنويع مجالاته ».
بعد الاتصال الهاتفي بين القائدين، استُقبِل السفير المغربي بنواكشوط، حميد شبار، من قبل وزير الخارجية الموريتاني، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، بتاريخ 4 دجنبر الجاري، حيث تباحثا كيفية تعزيز سبل التعاون بين البلدين. علما أن وفدا من جبهة البوليساريو انتقل إلى نواكشوط، في 13 نونبر، يوم استرجاع المغرب معبر الكركرات، وانتظر حتى يوم الاثنين 16 نونبر ليستقبل استقبالا جافا من قبل الرئيس الموريتاني، ويعود خالي الوفاض إلى مخيمات تيندوف.
على ضوء المعطيات السالفة الذكر، يتضح أن البلدين نجحا في تجاوز الاختبار الأول ومعالجة هذا الحادث العسكري بطريقة ودية، نظرا إلى أن محاربة التهريب والمهربين في الصحراء تحد يواجهه البلدان، وهو الشيء الذي يفرض عليهما التعاون عسكريا وأمنيا.