عبد الحق بلشكر يكتب: البيجيدي ومأزق التطبيع

29 ديسمبر 2020 - 19:00

يعيش حزب العدالة والتنمية هذه الأيام مأزقا غير مسبوق بسبب «التطبيع» مع إسرائيل، وتعمق هذا المأزق حين وقع أمينه العام ورئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، على الاتفاق الثلاثي المغربي الأمريكي الإسرائيلي في 22 دجنبر.

وجد الحزب نفسه أمام مفارقة، فهو يدعم الاعتراف الأمريكي غير المسبوق بمغربية الصحراء، لكنه، في المقابل، محرج تجاه التطبيع مع إسرائيل، وقواعده، التي نشأت على أدبيات ومرجعيات إسلامية ترفض التطبيع، لم تهضم الموقف الذي وجد الحزب نفسه فيه وهو يعبر عن موقف غير واضح من جهة، ويسكت عن توقيع أمينه العام العثماني. يدعم الحزب ويساند الخطوات التي اتخذتها الدولة، لكنه غير قادر على تقبل هذا التحول الذي يضرب قناعاته ويمس بمصداقية خطابه الذي بناه منذ سنوات. هذا التناقض هو الذي يفسر الارتباك الذي عاشه أخيرا بإعلانه اجتماعا استثنائيا للمجلس الوطني يوم الأحد 27 دجنبر، والتراجع عنه ثلاثة أيام بعد ذلك. هذه القضية بالمناسبة ليست فقط محرجة للبيجيدي، إنما أيضا محرجة للطبقة السياسية وللأحزاب التي طالما رفعت شعارات ضد التطبيع، وشاركت في مسيرات ضد الانتهاكات الإسرائيلية في حق الشعب الفلسطيني، بل أيضا هو قرار صعب بالنسبة إلى الدولة، لهذا، نتابع حضور القضية الفلسطينية في مختلف بلاغات الديوان الملكي منذ 10 دجنبر، والحرص الملكي على الاتصال بمحمود عباس مباشرة بعد الاتصال بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وحتى خلال المكالمة مع نتنياهو، كان الحرص على إعلان دعم القضية الفلسطينية، وإعلان عقد اجتماع لجنة القدس بالرباط. الرسالة واضحة وهي أن المغرب قام باختيار استراتيجي موضوعه الأساس هو الصحراء، وليس التطبيع، وأن هذا القرار لا يعني التخلي عن فلسطين، ولهذا، رفض وزير الخارجية، ناصر بوريطة، الحديث أصلا عن التطبيع، وفضل الحديث عن استئناف العلاقات، أي أن العلاقات مستمرة مع اليهود المغاربة الذين يزورون المغرب منذ سنوات، في حين أن العلاقات الدبلوماسية هي التي ستُستأنف بعدما قطعت بإغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي.

يعرف البيجيدي أهمية الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، ويدرك أبعاد فتح قنصلية أمريكية في الداخلة، وأمينه العام، سعد الدين العثماني، الذي كان وزيرا للخارجية، يعرف أكثر معنى الاعتراف الأمريكي وأثره الاستراتيجي، ويعرف أكثر أن هذا الاعتراف مترابط مع العلاقات مع إسرائيل، بل إن إحدى ضمانات استمرار الاعتراف الأمريكي في عهد الرئيس المنتخب بايدن هي إسرائيل نفسها، لأن بايدن لن يجرؤ على المساس باتفاق تستفيد منه حليفة أمريكا في الشرق الأوسط. هذا ما يسفر البلاغ الذي أصدرته الأمانة العامة للحزب في 12 دجنبر، مباشرة بعد بلاغ الديوان الملكي في 10 دجنبر. فبعد نقاش دام حوالي 7 ساعات داخل الأمانة العامة، جرى الاتفاق بالأغلبية على نص البلاغ الذي وقعه سلميان العمراني، نائب الأمين العام، والذي خصص أربع فقرات للإشادة بالقرار الأمريكي والجهود الملكية، وفقرة وحيدة في نهاية البلاغ تذكر بمواقف الحزب من التطبيع. فما الذي حصل بعد هذا البلاغ؟ حركة التوحيد والإصلاح، المقربة من الحزب، انتقدت التطبيع، وكذلك فعلت شبيبة العدالة والتنمية، وكان الحزب، الذي بالكاد ابتلع قرار استئناف الرحلات مع إسرائيل وفتح مكتبي الاتصال، يتوقع ربما وقعا أقل حدة للتطبيع، وكان يفضل لو بقي وزراؤه وأمينه العام بعيدين عن توقيع أي اتفاق، وعن أي لقاء مع الإسرائيليين، لكن، منذ وصول طائرة كوشنير رفقة مائير بنشبات، في 22 دجنبر، كان رئيس جهة الرباط من البيجيدي، عبد الصمد السكال، ضمن الوفد الذي حضر الاستقبال، لكن المفاجأة الأكبر وقعت حين ظهر العثماني وهو يوقع على الاتفاق الثلاثي، ما خلق صدمة لدى قواعد الحزب. فهل كان بإمكان الحزب تفادي هذه التداعيات التي أحرجته أمام قواعده وأمام الرأي العام المساند لفلسطين؟ ربما لم يقرأ الحزب جيدا التحولات التي كانت جارية منذ زيارة كوشنير للرباط، في 2018، وإعلان أربع دول عربية التطبيع مع إسرائيل، وقيام الإمارات العربية المتحدة بفتح قنصلية في العيون، لتكون أول بلد عربي يدشن سفارة في الصحراء المغربية متبوعة بالبحرين، والكويت في الطريق. كل هذه الأحداث المترابطة كانت توحي بأن الضغوط جارية على المغرب ليكون ضمن الدول التي عليها أن تلحق بهذا الركب، لكن الفرق بين المغرب وباقي الدول العربية هو أنه حقق كسبا غير متوقع، أو لنقل إنه «اقتنص» اعترافا غير منتظر من دولة عظمى بمغربية الصحراء، بكل ما يعنيه ذلك من تحول استراتيجي في مسار قضية الوحدة الترابية التي واجهت تحديات مع تحرير معبر الكركرات، وإعلان البوليساريو عدم التزامها بوقف إطلاق النار، والتهديدات الجزائرية. سيكون على البيجيدي، إذن، أن يتعامل مع التحولات المقبلة، ويقرأ تموقعه فيها. إن وجوده على رأس الحكومة سيفرض عليه التعامل مع هذه التحولات، وأن يكون فاعلا فيها. اليوم وقع العثماني على اتفاق في الرباط، وغدا ربما سيكون على وزرائه أن يسافروا إلى إسرائيل لتوقيع اتفاقيات أخرى. البعض، مثل عبد العزيز أفتاتي، اقترح حلا، بأن يأخذ الحزب مسافة من الحكومة، وأن يبتعد العثماني عن القيادة مادام يتصرف بإكراهات سياسة الدولة، لكن، هل هذا حل أم هروب إلى الأمام؟ المرحلة المقبلة ستجعل الحزب أمام خيارين؛ إما التكيف مع التحولات الجارية، والقيام بمراجعات فكرية وسياسية براغماتية تؤدي إلى مراجعة مسلماته، وإما اتخاذ قرار الابتعاد عن التدبير الحكومي بعد الانتخابات المقبلة.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي