بعد محاكمة استئنافية استغرقت ثلاثة أشهر، أيّدت الغرفة الجنحية الاستئنافية التلبسية بمحكمة الاستئناف في مراكش، مؤخرا، حكما ابتدائيا قضى ببراءة موظف بجماعة « تسلطانت »، ضواحي المدينة، وعدم مؤاخذته من أجل جنحتي « التصرف في عقار غير قابل للتفويت، والنصب والمشاركة فيه ».
وأيّدت الغرفة، برئاسة القاضي عبد الهادي مسامح، أيضا، الحكم الابتدائي القاضي بإدانة متهم ثانٍ، كان معتقلا احتياطيا في إطار الملف نفسه، بسنة واحدة حبسا نافذا وغرامة نافذة قدرها 3000 درهم، بعدما برّأته من جنحة « المشاركة التصرف في عقار غير قابل للتفويت »، فيما آخذته من أجل تهم أخرى متعلقة بـ »ادعاء مهنة نظمها القانون، ممارسة مهنة دون استيفاء الشكليات المتطلبة قانونا، وسمسرة الزبناء ».
هذا في الدعوى العمومية، أما في الدعوى المدنية التابعة، فقد قضت المحكمة، بتاريخ 21 دجنبر الجاري، بتأييد عدم قبول المطالب المدنية المقدمة من طرف نظارة الأوقاف والشؤون الإسلامي بجهة مراكش ـ آسفي، وقبول مطالب مشتكيين اثنين آخرين في مواجهة المتهم الأخير، مع تعديل الحكم الابتدائي برفع التعويض الجزئي المحكوم به لفائدتهما من 8 ملايين درهم (800 مليون سنتيم) إلى 10 ملايين درهم (مليار سنتيم)، في الوقت الذي أيّدت فيه الحكم بعدم الاختصاص في المطالب المقدمة في مواجهة الموظف الجماعي.
وتقدم دفاع المشتكين الاثنين، اليوم الموالي، بطعن بالنقض ضد الحكم الاستئنافي في جميع مقتضياته، ومن المرجح أن تكون النيابة العامة ونظارة الأوقاف والشؤون الإسلامي بمراكش طعنتا بدورهما بالنقض ضده.
وقد استغرقت المحاكمة الاستئنافية سبع جلسات، إذ التأمت أول جلسة، بتاريخ 21 شتنبر المنصرم، وتم تأجيل المحاكمة خلالها لأكثر من شهر استجابة لملتمس بالتأخير من أجل إعداد الدفاع، واستمر التأجيل للسبب عينه طيلة أربع جلسات متوالية (26 أكتوبر، 9 نونبر، 30 نونبر، و7 دجنبر)، قبل أن يُناقش الملف خلال جلسة 14 دجنبر الحالي، وتحجزه المحكمة للمداولة، لتنطق بالحكم أسبوعا بعد ذلك.
وكان الحكم الابتدائي صدر، بتاريخ 10 غشت الفارط، عن الغرفة الجنحية التلبسية التأديبية بابتدائية مراكش، برئاسة القاضي فؤاد حلبي، وقد أحيل المتهمان على المحاكمة بعد انتهاء التحقيق الإعدادي، الذي استغرق حوالي ثلاثة أشهر، بناءً على ملتمس من وكيل الملك لدى ابتدائية مراكش، بتاريخ 15 دجنبر الفارط، بإجراء تحقيق في مواجهة كل من الموظف الجماعي « ر.ل » (44 سنة)، ووسيط عقاري، يُدعى « أ.ع » (38 سنة)، كان موضوع مذكرات بحث على الصعيد الوطني من أجل النصب، ويُشتبه في أنه ينتحل صفة محام، فيما ظل مشتبه به آخر في حالة فرار، وذلك على خلفية شكاية تقدم بها مهاجر مغربي بهولندا، يسمى « م.ع » (37 سنة)، وزوجته حول تعرّضهما للنصب وسلبه مبالغ مالية وصلت إلى 16 مليون و300 ألف درهم (مليار و630 مليون سنتيم)، موضحا فيها بأنه دفع أموالا مقابل اقتناء عقارات، واحد مساحته 6 هكتارات بمنطقة « النخيل » بمراكش بقيمة 600 مليون سنتيم، بالإضافة إلى عقارين بمنطقة « بوسكورة » بقيادة « النواصر »، ضواحي الدار البيضاء، تتجاوز مساحتهما هكتارين، بأكثر من 150 مليون سنتيم، وعقار بطريق « سيدي موسى » بمدينة الجديدة، بمبلغ 90 مليون سنتيم، دون احتساب مصاريف التقاضي والتحفيظ والتسجيل، قبل أن يكتشفا بأن هذه العقارات مثقلة بالنزاعات القضائية، بل إن العقار الواقع بمنطقة « النخيل » السياحية في مراكش هو في الأصل موضوع مطلب تحفيظ عقاري من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
وفيما أمر، منذ البداية، بإيداع الوسيط العقاري السجن، سبق لقاضي التحقيق أن قرر، في ختام جلسة الاستنطاق الابتدائي، متابعة الموظف الجماعي، في حالة سراح، مع اتخاذ إجراءات المراقبة القضائي في حقه، بينها أداء كفالة المالية بقيمة 50 ألف درهم (5 ملايين سنتيم)، قبل أن يعود ويأمر، بعد انتهاء جلسة الاستنطاق التفصيلي، بإيداع الموظف سجن « الأوداية »، مجددا، بدلا عن إجراءات المراقبة القضائية. وبعد انتهاء التحقيق الإعدادي، أصدر قاضي التحقيق أمرا مكتوبا، بتاريخ 13 مارس المنصرم، بإحالة المتهمين على المحاكمة، خلص فيه إلى أن الأبحاث القضائية التي أجراها أنتجت أدلة وقرائن كافية على ارتكاب الوسيط العقاري لجنح منصوص عليها وعلى عقوبتها في الفصول 500 و129 و542 و381 من القانون الجنائي والفصل 100 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، فيما تابع قاضي التحقيق الموظف الجماعي بجنح منصوص عليها وعلى عقوبتها في الفصول 540 و129 و542 من القانون الجنائي.
هذا وكانت نظارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بجهة مراكش ـ آسفي تقدمت للمحكمة، بواسطة أحد المحامين، بمذكرة حول الدفع بعدم الاختصاص النوعي، تلتمس فيه التصريح بعدم اختصاص المحكمة الابتدائية بمراكش نوعيا للبت في النزاع وبإحالة الملف على غرفة الجنايات الابتدائية باستئنافية المدينة عينها للبت فيه طبقا للقانون، أما في المطالب المدنية، فقد التمست الحكم على المتهمين بأدائهما تضامنا تعويضا إجماليا قدره مليون درهم (100 مليون سنتيم).
يُذكر بأن المشتبه الثالث، الذي كان في حالة فرار، وبعدما تنازل المهاجر المغربي بهولندا عن شكايته بمقتضى تسوية بينهما، تقدم بشكاية أمام وكيل الملك بمراكش، مسجلة تحت عدد 5270/3101/2020، يتهم فيها الموظف الجماعي بـ »خيانة الأمانة والنصب والاحتيال »، موضحا فيها أنه كان مسيرا لشركة يتقاسم معه ملكية أسهمها، غير أنه قال إن شريكه استغل مبالغ مالية باسم الشركة بدون وجه حق واحتفظ بها لنفسه، مضيفا بأن الموظف الجماعي، وتفاديا لأي مطالب قضائية في مواجهته، وضع مبالغ مالية بين يدي زوجته، التي اتهمتها الشكاية بأنها « تتدخل في علاقات الشركة ووضعيتها المالية والقانونية، وقامت بعدة إجراءات باسم الشركة، وسعت لتغيير المسير بدون موافقته »، وهي الأفعال التي اعتبرها المشتكي « تشكل جرائم خيانة الأمانة والمشاركة فيها، وتبديد أموال مشتركة، والنصب والاحتيال… ».
يشار، أيضا، إلى أن المهاجر المغربي، الذي صرّح أمام الضابطة القضائية بأنه يجهل اللغتين العربية والفرنسية بحكم ازدياده بمدينة « بريدا » الهولندية، سبق له أن تقدم بشكاية أخرى حول تعرّضه للنصب في مشروع للسكن الراقي بضواحي مراكش، يتكون من 78 فيلا تبلغ مساحة كل واحدة منها 500 متر مربع، بثمن يصل إلى 360 مليون سنتيم للفيلا، وأوضح المشتكي بأنه دخل شريكا في هذا المشروع رفقة شخصين آخرين، وقد تكلف المشتكي بأداء ثمن العقار الممتد على مساحة 5 هكتارات، بمبلغ وصل إلى 34 مليون درهم (3 ملايير و400 مليون سنتيم)، تشمل 500 مليون سنتيم تم أداؤها للممثل القانوني لإحدى الشركات مقابل التنازل عن تقييد احتياطي (تعرُّض) ضد العقار المذكور، و600 مليون سنتيم للرسوم الخاصة بالتجزئة ورخص البناء، فضلا عن اقتنائه 15 فيلا في اسم شقيقه وأحد أقاربه لتشجيع المشروع وتوفير السيولة المالية لتغطية تكاليفه، وهو المشروع الواقع بالمجال الترابي لجماعة « تسلطانت »، وقد تم إنجازه في إطار جمعية للأعمال الاجتماعية، رغم أنه يتعلق بفيلات سكنية راقية.
وقد أنجزت المصالح الأمنية بمراكش بحثا تمهيديا في شأن الشكاية الثانية، ليوجّه وكيل الملك ملتمسا إلى قاضي التحقيق بإجراء تحقيق إعدادي، في حالة اعتقال، في مواجهة شخص، يدعى « م.ب » (35 سنة)، كان يملك محلا للمأكولات الخفيفة بمراكش، قبل أن يصبح وسيطا عقاريا ثم مالكا لشركة متخصصة في البناء.
وكان المتهم المذكور موضوع تحقيق إعدادي، منذ 19 يناير الفائت، للاشتباه في ارتكابه جنحا متعلقة بـ »النصب، وخيانة الأمانة، والسرقة، والتصرف في مال مشترك بسوء نية، والمشاركة في تزوير محرر عرفي، والمشاركة في استعماله، وإساءة استعمال أموال مشتركة »، المنصوص عليها وعلى عقوبتها في الفصول 505، 540، 547، 523، 542، 129 و359 من القانون الجنائي، وبعدما أيّد قاضي التحقيق، في ختام جلسة الاستنطاق الابتدائي للمتهم، ملتمس النيابة العامة بوضعه رهن الاعتقال الاحتياطي محرّرا أمرا مكتوبا بإيداعه السجن، طعن دفاعه ضد الأمر الصادر عن قاضي التحقيق أمام الغرفة الجنحية باستئنافية مراكش (غرفة المشورة)، باعتبارها الهيئة القضائية الموكول إليها قانونيا الفصل في الاستئنافات المرفوعة ضد أوامر قضاة التحقيق، وقد قضت الغرفة، بتاريخ الاثنين 24 فبراير الماضي، بإلغاء الأمر الصادر عن قاضي التحقيق، والأمر بتمتيع المتهم بالسراح المؤقت مع إخضاعه لتدابير المراقبة القضائية المتمثلة في أدائه كفالة مالية قدرها مائة مليون درهم (10 ملايير سنتيم) وسحب جواز سفره وإغلاق الحدود في حقه، وشدد الحكم على أن يوضع مبلغ الكفالة بصندوق المحكمة نفسها داخل عشرة أيام من تاريخ صدور الحكم، تحت طائلة إبقاء المتهم تحت الاعتقال الاحتياطي، وهي الكفالة التي أكدت مصادر قانونية متطابقة بأنها الأكبر من حيث القيمة المالية في تاريخ القضاء المغربي، مرجعة تقييد الغرفة الجنحية، برئاسة القاضي عبد الكريم قابيل، منح السراح المؤقت بأداء كفالة مالية مرتفعة القيمة المالية وسحب جواز سفره وإغلاق الحدود في وجهه، إلى « خطورة الأفعال المرتكبة من طرف المتهم ».
وقد ظل المتهم المذكور قابعا في سجن « الأوداية » بسبب عدم أداء مبلغ الكفالة، قبل أن يُحال على المحاكمة أمام الغرفة الجنحية التلبسية التأديبية بابتدائية المدينة، التي قضت بالموافقة على ملتمس منحه السراح المؤقت ومحاكمته في حالة سراح، بعدما أدلى دفاعه بتنازل مكتوب عن متابعته قضائيا من طرف المشتكي بمقتضى تسوية مالية بينهما