دور المغرب  في عملية السلام الليبية يعزز مصالح المملكة

02 يناير 2021 - 21:00

يموضع المغرب نفسه وسيطا موثوقا في الصراع الليبي لتعزيز صورته دوليا بصفته مصدرا للاستقرار الإقليمي، للتحقق من تطلعات الجزائر المنافسة لتصبح قوة مهيمنة إقليمية، وتحسين علاقاته الثنائية مع ليبيا. وعلى الرغم من الضغط أو الإغراء من بعض الحلفاء الخليجيين، فإن المغرب لن يغير موقفه لصالح حفتر، لأنه سيكسب أكثر من خلال الاستمرار في الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني باعتبارها السلطة الرسمية الوحيدة في ليبيا.

 ياسمين أبو الزهور*

 ابتداء من 30 نونبر،  اجتمع ممثلو مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة، على مدى يومين في طنجة، لتناول مسألة تعيين المناصب في المؤسسات السيادية. وجاء ذلك عقب المحادثات التي جرت في طنجة من 23 إلى 28 نونبر، والتي جمعت أكثر من 120 برلمانيا ليبيا من طرابلس وطبرق، فرعي مجلس النواب المنقسم، لمناقشة الخطوات المقبلة في العملية السياسية الليبية. وتعد جولة المحادثات هذه   الرابعة من نوعها التي ينظمها المغرب في سنة 2020، وتأتي بعد  العديد من الأحداث المماثلة منذ انتفاضات 2011.

يطرح التواتر المتزايد للاجتماعات التي يتوسط فيها المغرب بين المسؤولين الليبيين السؤال التالي: لماذا يهتم النظام المغربي بمستقبل ليبيا السياسي في حين أن المملكة لا تشاطر حدودا ولا علاقة ثنائية قوية مع الدولة المنكوبة بالصراع؟

آخر التطورات

ركزت   أهداف اجتماع طنجة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على توحيد مؤسسات الدولة، والتوصل إلى حل توافقي حول آلية تعيين المناصب العليا بشكل تمثيلي. أما بالنسبة إلى المحادثات التي عقدت في طنجة من 23 إلى 28 نونبر، والتي   لقيت استحسان بعثة   الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، فقد كان الهدف هو توحيد المجموعات المختلفة داخل مجلس النواب، ومساعدتها على بناء   توافق بخصوص موعد اجتماع مستقبلي بين الفصائل المتنافسة في ليبيا (كما تقرر خلال  منتدى الحوار السياسي الليبي برعاية الأمم المتحدة). أسفرت هذه المحادثات عن موافقة أعضاء مجلس النواب على عقد جلسة برلمانية في مدينة  غدامس، وهي خطوة رئيسة في عملية السلام في ليبيا.

سياسة المغرب تجاه ليبيا

ما هو دور المغرب في كل هذا؟ وصفت المملكة موقفها من الصراع الليبي بأنه موقف  حيادي نشط، يسعى إلى تسهيل الوصول إلى حل سياسي للأزمة مع تعزيز سيادة ليبيا وتثبيط   التدخل الأجنبي (راجع الرسم 1). وفي الواقع، صرح وزير الشؤون الخارجية المغربي، ناصر بوريطة،   أخيرا بأن المغرب «يفضل دعم الحوارات الليبية-الليبية بدلا من تلك التي تدور حول ليبيا، لأن الأولى أساسية والثانية مكملة لها». وفي الوقت نفسه، جدد بوريطة   اعتراف المغرب بحكومة الوفاق الوطني في ليبيا المدعومة من الأمم المتحدة باعتبارها السلطة الوحيدة في ليبيا، وواصل دعم الشروط المتفق عليها في   اتفاقية الصخيرات لعام 2015 (والتي   رفضها المشير خليفة حفتر في وقت سابق من هذا العام).

مصالح المغرب

تأمل الملكية المغربية -والتي   تحدد السياسة الخارجية للمملكة- من خلال وضع نفسها وسيطا رئيسا في العملية السياسية في ليبيا، تعزيز مكانتها الدولية وقيمتها لدى الحلفاء الرئيسيين   باعتبارها مصدر أمن إقليمي، للتحقق من نفوذ الجزائر المنافسة في شمال إفريقيا، وتحسين علاقاتها الثنائية مع ليبيا في حقبة ما بعد القذافي.

نجح المغرب في اتخاذ دور وسيط محايد يسعى إلى تسهيل عملية السلام بين الفصائل الليبية المتنافسة، وكذا حليف إقليمي يؤيد الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي من خلال الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني فقط، باعتبارها السلطة الرسمية في ليبيا. وقد جرى توقيع  اتفاقية الصخيرات لعام 2015 في المغرب، والتي نتج عنها اعتراف دولي بحكومة الوفاق الوطني باعتبارها السلطة الشرعية الوحيدة في ليبيا. وقد تُعتبر المفاوضات الأخيرة التي نظمتها المملكة أنها استمرار لدور المغرب في تسهيل الحوار الليبي-الليبي، ونتيجة لذلك يُصور النظام المغربي نفسه للمجتمع الدولي على أنه جهة فاعلة محايدة لا تسعى إلى   تعزيز مصالحها السياسية والاقتصادية خلال المفاوضات الجارية.

ومع ذلك فإن دور المغرب في عملية السلام الليبية يعزز مصالح المملكة بشكل غير مباشر، حيث يجعلها شريكا ذا أهمية كبيرة لدى حلفائها بالغرب. وقد يفسر هذا سبب استغراب المغرب إقصاءه من   مؤتمر برلين في يناير 2020 حول ليبيا، وسبب استمراره في تسليط الضوء على أهمية اتفاقية   الصخيرات لعام 2015 باعتبارها أساس أي حل سياسي؛ فقد جرى التوقيع على الاتفاقية في المغرب، وكانت تتويجا لجولة من المفاوضات المدعومة من الأمم المتحدة والتي بدأت في عام 2014.

كما أن القيام بدور  متميز» في عملية السلام في ليبيا يسمح للمغرب بزيادة نفوذه في شمال إفريقيا، والتحقق من تطلعات   منافسته الجزائر في أن تصبح قوة مهيمنة إقليمية. وبالفعل، استغلت المملكة الفراغ الذي خلفه عدم الاستقرار الإقليمي والمشاكل الأمنية بعد سنة 2011 بسبب الأزمات في ليبيا   ومالي، لتثبيت موقعها حليفا مستقرا وشريكا دبلوماسيا   ومصدر أمن. وقد عزز ذلك نفوذ المغرب المتزايد في إفريقيا جنوب الصحراء بعد عودته التاريخية إلى الاتحاد الإفريقي في سنة 2017،   وإعادة توجهه الاقتصادي والدبلوماسي نحو المنطقة منذ ذلك الحين.

وأخيرا، فمن شأن الاضطلاع بدور نشط وإيجابي في عملية السلام الليبية أن يمنح المغرب فرصة لتحسين علاقاته الثنائية مع ليبيا، فقد جمعت علاقة متوترة بين النظام الملكي المغربي ومعمر القذافي، الذي   تبين لاحقا أنه ساهم في أحد الانقلابين الفاشلين ضد الملك الراحل الحسن الثاني. انتقد القذافي الحسن الثاني بسبب علاقاته الوثيقة بالولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى ولتوفيره ملاذا آمنا   للمعارضين الليبيين، فيما ألقى الحسن الثاني باللوم على القذافي بسبب تمويله   جبهة البوليساريو وانتقاده العلني   للمؤسسات الملكية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وهكذا أدى التوتر بين النظامين إلى تقييد العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ومن المتوقع أن يستفيد المغرب كثيرا من تطوير العلاقات و  الروابط الاقتصادية مع ليبيا، خاصة في ما يتعلق   بالتجارة والطاقة..

*عن المعهد المغربي لتحليل السياسات

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي