سلسلة الاعتقالات مستمرة ضد الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان...سنة ملطخة بالانتهاكات

10 يناير 2021 - 19:00

انتهت سنة 2019 بحدث إعلامي وحقوقي حاز على متابعة واسعة بالمغرب وخارجه، لقد أطلقت السلطات المغربية سراح الصحفي عمر الراضي ساعات قبل حلول العام الجديد آنذاك، فغزت وسائل التواصل الاجتماعي موجة ترحيب بجرعة الفرح في تلك الليلة الانتقالية بين عامين، خرج عمر الراضي وعاد بعد أشهر قليلة في قضية أكبر بكثير من قضية التغريدة، وفي الزمن القليل الفاصل بين عام يترجل للرحيل وآخر مقبل بما حملته الأماني بأن يكون أخف من سابقه في الأوجاع الحقوقية والمتعلقة بالحريات التي واكبته على طوله، تكرر مشهد من نفس الطبيعة وفي نفس الزمن، في منتهى 2020 وبداية 2021، لكن ليس بنفس المخرجات، فالداخل إلى السجن هذه المرة لم يتم إدخاله ليخرج منه ليلة رأس السنة، وإنما ليدور الحول وهو في السجن.

لقد تم اعتقال المؤرخ والحقوقي والأكاديمي والناشط في مجال الإعلام وحرية الصحافة المعطي منجب. فتكررت العملية كأنها تتم بزر أتوماتيكي يكفي إدخال اسم جديد حتى يتكرر المشهد كاملا: حديث في وسائل الإعلام عن قرب قطف رأس ما من الأسماء المعروفة بانزعاج السلطات من مواقفها، وتهم يتم تدويرها قبل أن تصير رسمية لدى القضاء، ثم اعتقال، فماكينة اتهامات إعلامية تخرق كل الحقوق الدستورية في قرينة البراءة وحماية المعطيات الخاصة والحياة الخاصة، هكذا دأب الاعتقاد لدى الرأي العام مؤخرا حين تثار قضايا تتعلق باعتقال واحد من ذوي الآراء التي لا تروق السلطات، وهكذا يقول محللون ضمن هذا الملف، وتقول جمعيات ومنظمات حقوقية دولية، بل الأكثر من ذلك صار نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي يتساءلون عن من التالي في حلقة ابتلاع الآراء المخالفة خلف الزنازين، وصاروا يرشحون كل من أكثرت منابر محددة الحديث عنهم من زاوية الهجوم في خانة المعتقل اللاحق الفارغة في جدول القابعين خلف القضبان.

انتهى العام قبل الماضي بحكاية عمر الراضي، وسكنت قضيته العام المنصرم قبل أيام، وانتهى الذي تلاه بحكاية المؤرخ والحقوقي معطي منجب وبدأ الجديد على وقع قضيته في كبريات المنظمات الدولية والمحلية وعلى لسان مثقفين ومفكرين عالميين سارعوا لمطالبة السلطات بإطلاق سراحه وحثها على الكف عن مضايقته، وبين نهاية العامين تم اعتقال رئيس تحرير جريدة “أخبار اليوم”، سليمان الريسوني في ماي 2020، ومنذ ذلك الحين وهو في زنزانة انفرادية بسجن عكاشة بالبيضاء يعاني الرطوبة العالية وقسوة العزلة وظروف السجن، حسب عائلته، وإلى جانبه مدونون ونشطاء على اليوتوب، وهو أمر نبهت له جمعيات مدنية مغربية ومنظمات غير حكومية دولية، وصدر سيل من البيانات ومن عبارات الشجب والتضامن محليا ودوليا، لكن هذا لا يوقف أن تتصدر كل مرة قضية ما المشهد الإعلامي، وشيئا فشيئا بدأت أصوات الفاعلين المدنيين والسياسيين تنتبه للطلاء الأخلاقي الذي يتميز به كل ملف من الملفات المثارة بالنسبة للشخصيات الصحفية والتي تحظى بمتابعة إعلامية، في حين عادت تهم المس بالمقدسات ليتابع بها الكثير من المدونون سنة 2020.

 “تعيش حريات المواطنين والمواطنات أسوأ مراحلها منذ أن تقرر استقلال النيابة العامة، بفعل سياسة الاعتقال الاحتياطي بالمغرب، الذي يضرب يمينا ويسارا بدون اتزان ولا حكمة أو تدبر من قبل سلطة النيابة العامة بعد مرحلة استقلاله”، هكذا وصف بيان للائتلاف المغربي لجمعيات حقوق الإنسان، الذي تحرك سريعا غداة اعتقال الحقوقي معطي منجب، وهو نسيج يضم أزيد من عشرين جمعية وهيئة حقوقية، قائلا إن “ما جرى قبل أيام للمؤرخ والحقوقي المعطي منجب، الذي أوقفته الشرطة، ثم اعتقل بطلب من النيابة العامة من طرف قاضي التحقيق حتى تتنصل من وضعه بالسجن مباشرة، وما جرى قبل ذلك من اعتقالات بالعشرات بمناسبة الحراكات الاجتماعية، وخلال حصار المخالفين لتدابير الحجر الصحي، من آلاف المتابعات والمئات من الاعتقالات، وما تعرض له عدد من الصحفيات والصحفيين، بمناسبة ممارسة عملهم المهني والإعلامي، كله وغيره يشدد الخناق على قرينة البراءة، ويضع حرية المواطنين تحت درجة الصفر من سلم الحماية والاحترام”، بهذه اللغة تحدث الائتلاف الذي لم يرق تحركه السريع بعض الجهات التي راهنت على تآكله داخليا بعد النزاع الذي حدث في قضية اعتقال الصحفي، سليمان الريسوني، وطالب بلغة صريحة بإطلاق سراحه وسراح عمر الراضي والمؤرخ منجب، مؤكدا في بيانه المقتضب والجامع لآخر ما مس مجال الحريات أن “الحرية تعيش سنواتها العجاف في ظل منظومة جنائية مبنية على مقاربة مركزية غير حقوقية، تتبنى قرينة الإدانة بنسبة أصيلة إلى أن يصدر حكم بالبراءة، منظومة تطلق يد السلطة، ومنها سلطة النيابة العامة لتعلو على الدستور، وتمارس الاعتقالات العشوائية والتحكمية، وتزج بالمواطنين والمواطنات بالسجون حتى درجة الاختناق بسبب الاكتظاظ”.

 شاءت واقعة اعتقال منجب أن يصدر آخر بيان للائتلاف في نهاية عام 2020 وهو يصفها بأنها ستبقى سنة ملطخة بالانتهاكات الحقوقية واضعا سؤالا عريضا حول: كيف يمكن الحديث عن سياسة جنائية تحترم حقوق المواطنات والمواطنين وتضمن الحرية، إن كانت مساطر التحقيق تسمح بالاعتقال حتى في الجنح العادية، قبل أي تحقيق، وقبل أن يتأكد قاضي التحقيق من ارتكاب حقيقي لفعل جرمي، ومن وجود أسباب الاعتقال، ومن مبرراته، مما يعني أن الاعتقال الاحتياطي ليس في مفهوم النيابة العامة تدبير استثنائي، بل هو تدبير مفروض تستعمله مباشرة، أو تأمر باستعماله عن طريق قاضي التحقيق وذلك من دون أية مراقبة لأعماله، لا سياسيا من قبل البرلمان، ولا قضائيا من قبل المحكمة، يقول الائتلاف.

جرد بدون نهاية

يوم 23 شتنبر 2020، وجهت منظمة “مراسلون بلا حدود” وهي منظمة دولية تعنى بحرية الصحافة والتعبير، “نداء عاجلا” إلى المقررة الخاصة بالأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد المرأة، لطلب إدانة علنية لـ”توظيف القضايا الجنسية ضد الصحافيين المنتقدين في المغرب”، قائلة في ندائها “إن كان من الطبيعي أن يؤخذ أي ادعاء بالاغتصاب أو الاعتداء الجنسي على محمل الجد وأن يقع التحقيق فيه بجدية، فإن مراسلون بلا حدود تقدم قائمة لعدة معطيات تشكك في مصداقية عدد من التهم الموجهة لبعض الصحافيين..”، وهو النداء الذي تم توجيهه بعد فتح ملف جديد للصحفي عمر الراضي يتعلق بشبهة “الاغتصاب”، إلى جانب ملف “التجسس وتلقي تمويلات من جهات لها علاقة بجهات استخباراتية”، حسب التوصيف الرسمي، وهما الملفان اللذان يوجد على خلفيتهما بوضعية الاعتقال الاحتياطي منذ يومين قبل عيد الأضحى الأخير، حيث قالت المنظمة على لسان بول كوبان، مسؤول

القسم القانوني بـ”مراسلون بلا حدود”، قال إن “اتهام صوت ناقد بالاغتصاب أصبحت ممارسة معروفة لأجهزة الاستخبارات المغربية، من أجل ضرب مصداقية الصحافيين والحد من إمكانية دعمهم، وهذا الأمر بيّن في قضية عمر الراضي، مثلما كان الأمر مؤخرا في قضايا تورط عددا من الصحافيين. وهذه الأساليب إذ تعيق الصحافيين المنتقدين فإنها تضعف النضال من أجل حقوق النساء أيضا”.

 وفي مثال عن قضية الصحفي عمر الراضي ذكرت المنظمة بتقرير منظمة العفو الدولية الذي تحدث عن مزاعم تعرض هاتف الراضي للتجسس بواسطة تقنية “بيغاسوس” المملوكة للشركة الإسرائيلية “إن إس أو”، لتوضح مراسلون بلا حدود في ندائها “أنه يومين بعد إصدار التقرير تعرض الراضي لـ”هرسلة” (تحرش) “قضائي” “عبر اتهامه رسميا بتلقي “تمويلات أجنبية” ارتباطا بـ”أجهزة استخبارات”، وقبل سجنه في 29 يوليوز 2020، تم التحقيق مع الصحفي عشر مرات من طرف الشرطة القضائية بمزاعم التجسس، قبل أن يتهم بالاغتصاب على خلفية ما اعتبره الصحفي علاقة رضائية، وهذا ما أكده أحد زملائه الذي حضر الوقائع التي كانت خلال سهرة”، كما أورد النداء سلسلة من التهم على لسان جمعيات وناشطة حقوقية، معتبرا أنه تم اللجوء إليها في السنوات الأخيرة، “يتعلق الأمر بتهم أخلاقية وخاصة الاتهام بالاغتصاب والاتجار بالبشر والزنا والإجهاض غير القانوني والعلاقات الجنسية خارج الزواج المجرّم في القانون المغرب”، مضيفا أن “هذه الأنواع من التهم ترافقها حملات تشهير مُمنهجة من قبل وسائل إعلام قريبة من النظام”.

ورصدت المنظمة خلال الخمس سنوات الأخيرة سلسلة من “صحافيين منتقدين أو مزعجين للنظام تمت إدانتهم بتهم أخلاقية” بدءا من:

توفيق بوعشرين، مدير جريدة” أخبار اليوم”، تم اعتقاله منذ فبراير 2018، وحكم عليه في الاستئناف بـ15 سنة سجنا بتهمة “الاتجار البشر” و”الاغتصاب”. وقبل أشهر تمت ملاحقة سليمان الريسوني، رئيس تحرير نفس الجريدة، بتهمة “الاعتداء الجنسي” على ناشط مثلي شاب، تقول مراسلون لتضيف أنه تم إيقاف الريسوني في 22 ماي 2020. وتم الحكم على هاجر الريسوني، ابنة أخيه، في 30 شتنبر 2019، التي تشتغل لفائدة “أخبار اليوم”، بسنة سجن بتهمة “الإجهاض غير القانوني” و”العلاقات الجنسية خارج الزواج” (وهما مجرمان في القانون المغربي). وقد نفت الصحفية قيامها بعملية إجهاض واعتبرت أن التهم الموجهة إليها كانت “بدوافع سياسية” لضرب مصداقيتها. وأكدت أنه تم التحقيق معها على خلفية مقالاتها المتعلقة بمعتقلي “الحراك” وأنشطة عمها”.

وإضافة إلى حالات الصحافيين الثلاثة الذين يعملون لنفس الجريدة، فقد كانت أول قضية أخلاقية تم توجيها لهشام منصوري سنة 2015، الذي كان يشتغل في “الجمعية المغربية لصحافة التحقيق وتم توجيه تهمة جنسية له”، تقول المنظمة التي سارعت في الأسبوع الأخير إلى جانب منظمات عديدة إلى إدانة اعتقال المؤرخ معطي منجب، بتهمة “غسيل الأموال”، التي تكتسي هي الأخرى طابعا أخلاقيا في حق معارض وكاتب رأي تثير مواقف انزعاجا لدى جهات في السلطة.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي