خالد البكاري: منسوب الإشاعة والترهيب الرمزي ارتفع- حوار

10 يناير 2021 - 22:00

ما تقييمك لوضعية حقوق الإنسان، وللنقاش الدائر حول حالة حرية الصحافة والتعبير، بصفة عامة؟

لن يختلف تقييمي عن مختلف التقييمات الواردة في تقارير المنظمات الحقوقية الدولية والوطنية، والتي تجمع على اعتبار سنة 2020 امتدادا للتراجعات الحقوقية المتصاعدة منذ 2016، وقد تميزت هذه السنة باستغلال حالة الطوارئ الصحية من أجل فرض المزيد من التضييق على حرية الرأي والتعبير، والحريات العامة والخاصة، ولم تكتف السلطات بالأشكال التقليدية للتجاوزات الحقوقية، من قبيل الاعتقال التعسفي (حالات سليمان الريسوني وعمر الراضي والمعطي منجب،)، وعدم احترام شروط المحاكمة العادلة، ومنع الحق في التظاهر السلمي، بل رفعت من منسوب الإشاعات والترهيب الرمزي، عبر استهداف الحياة الخاصة ليس للمعارضين فقط، بل كذلك للمقربين منهم، وهو ما أشاع مناخا من الخوف والرقابة الذاتية، يمكن تلمسه عبر مقارنة كتابات وتصريحات الفاعلين الحقوقيين والمدنيين اليوم بما كان عليه الحال قبل سنوات قصيرة، والملاحظة الأخيرة وهي استهداف من ينعتون بالإلكترونات الحرة، أي تلك الديناميات والتعبيرات الفردية غير المنتمية إلى تنظيمات حزبية أو نقابية، والتي تستغل الفضاءات الرقمية لتصريف مواقفها، فبعد تجريف الحقلين الحزبي والنقابي، تحاول السلطة السيطرة على الفضاءات الافتراضية، ومن خلال اعتقال مجموعة من المدونين واليوتوبيرز، أو إصدار بلاغات رسمية ضدهم. يمكن أن نقول إن مشروع قانون 20.20، وإن جُمِّد مؤقتا في المدونة القانونية، فإن روحه هي التي تتحكم عمليا في تعامل السلطات مع المدونين واليوتوبيرز والصحافيين المغردين خارج سرب الإجماعات القسرية.

انتهت 2019 بالإفراج عن عمر الراضي في قضية التغريدة، بعدما اعتُقل أياما قليلة قبل حلول 2020، وحل هذا العام الجديد بقضية أخرى، وهي اعتقال الحقوقي والمؤرخ معطي منجب يومين قبل رأس السنة الجديدة. كيف تنظر إلى هذه الحلقة من القضايا الحقوقية التي تخلق اهتماما لدى الرأي العام؟

إن الأساليب التي جرى اتباعها في اعتقال الريسوني والراضي ومنجب تؤكد أن هذه الملفات ليست معزولة عن بعضها البعض، ذلك أنها كلها كان يقع التمهيد لها بحملات تشهير وتهديد معلنة، مع حياد سلبي للنيابة العامة، ثم انتقاء توقيت لحظة الاعتقال يتوافق مع أجواء عيد ما، وذلك لإضفاء نوع من «الاحتفالية» التي ترسخ البعد الانتقامي، واستغلال النصوص القانونية التي تتميز بأنها فضفاضة تسمح بتأويلات متعددة، في اتجاه انتقاء التأويلات التي تخدم مصلحة جهة الادعاء، لا مصلحة المشتبه بهم، وهي التأويلات التي سمحت بالمتابعة في حالة اعتقال رغم وجود ضمانات فعلية ومؤكدة للحضور، وطول مدة الاعتقال الاحتياطي في حالتي الريسوني والراضي، ويرتقب أن يسري الأمر على الأستاذ منجب كذلك.

اللافت أن هذه الأسماء الثلاثة بينها قواسم مشتركة، فيها تقاطعات من الاشتغال في الحقلين الحقوقي والصحافي، مع سمعة وعلاقات خارجية مع منظمات غير حكومية وقطاعات بحثية وأكاديمية وإعلامية، ثم علاقات إيجابية في الداخل مع كل التعبيرات المناهضة للسلطوية، سواء كانت حقوقية أو يسارية أو إسلامية أو حركات اجتماعية، فقد كانت لهم إسهامات في تجسير الهوة بين التيارات السياسية والإيديولوجية المعارضة، وأخيرا يجمع بينهم خطابهم الانتقادي لبعض ممارسات مؤسستي الأمن والنيابة العامة، لذلك، فكل هذه التقاطعات تجعل من الصعب الاقتناع بأن تلك الاعتقالات في سنة واحدة بملفات مختلفة في الظاهر، يمكن أن تكون مصادفة فقط.

أصبحت الكثير من الأصوات، ومنها جمعيات حقوقية، تلفت النظر إلى دور بعض وسائل الإعلام في قضايا الصحافيين والحقوقيين، وتتحدث عن انخراطها في حملات ضدهم. كيف تتابع هذا الأمر؟

هو أمر يبعث على القلق، ليس بسبب مخلفاته المباشرة، بل بسبب تداعياته المستقبلية، لأنه في ما يخص النتائج الآنية، فقد فشلت ماكينة التضليل هذه في جعل الرأي العام ينساق مع ما تطرحه، بل من كثرة استسهال هذه الآلية الفضائحية، وتشابه أساليب الإخراج، فقد انقلب السحر على الساحر، وساد التشكيك حتى في ما يخص ملفات قديمة، فمثلا ما حصل مع المحامي زيان جعل ملفي بوعشرين وزكريا المومني يعودان إلى الأضواء مع منسوب تشكيك أقوى في سردية السلطات، لذلك، فالخاسر الأكبر هو الجهة التي توفر الحماية لنشر غسيل الحياة الشخصية للمواطنين، بغض النظر عن صحة ما ينشر من عدمه، وبغض النظر عن الأشخاص المستهدفين ومواقفهم، لكن الذي يبعث على القلق بالنسبة إلي، هو التطبيع مع هذه الممارسات، والتي قد يكون ضحاياها مستقبلا مسؤولون في مراكز حساسة في الدولة، وستصبح للابتزاز اليد الطولى في حسم الخلافات، ليس بين السلطة والمعارضة فقط، بل حتى داخل أجهزة السلطة. أتذكر أنه إلى عهد قريب، كان هناك إجماع على رفض هذه الممارسات، إلى درجة أنه في التسعينيات تعرض الأستاذ ولعلو لتشهير مس شرفه، على صفحات جريدة صفراء مما كان يسمى جرائد الرصيف، فكان رد مساندي ومعارضي ولعلو موحدا في رفض ذلك الاستهداف، بل حتى النيابة العامة تدخلت بسرعة لترتيب المتعين. كان هناك رفض جماعي للابتذال والنزق واستسهال استهداف الحياة الخاصة.

يجب أن نميز بين سقوط المواطن أخلاقيا أو قانونيا، أي ما لا يتجاوز أثره السلبي دوائر ضيقة، وبين السقوط الأخلاقي للدولة الذي تكون انعكاساته خطيرة على الدولة والمجتمع والمستقبل، وغير مقبول أن يحاول البعض شرعنة استخدام أساليب قذرة في مواجهة من يصفهم المدافعون عن تجاوزات السلطات بأنهم طابور خامس أو متعاونون مع الأجنبي أو يمارسون معارضة غير مقبولة. يجب أن تكون هناك صرامة في مواجهة هذه التسويغات والتبريرات، فحتى حكام مقابلات الكرة والملاكمة يواجهون الأساليب غير الشرعية للمتنافسين بأدوات لا تخرج عن القانون، فالدولة هي التي يجب أن تكون ضابطة لإيقاع الحريات والحقوق وضامنة لممارستهما، وهذا هو المعنى الحقيقي لدولة الحق والقانون، ولنلحظ أن الحقوق تسبق القانون، والقانون وضع لحمايتها وتنظيمها، وليس للحد منها.

أي صورة تتراءى لك عن مغرب 2021 حقوقيا وصحافيا؟

هي صورة تلخصها العبارة الغرامشية:  «علينا التسلح بتشاؤم الحقيقة/الواقع، وتفاؤل الإرادة»، فالمقدمات حاليا انطلاقا من سيطرة مقاربة الأمننة من جهة، وضعف الحقل المضاد للسلطوية، لا يمكن أن تقود سوى إلى الأسوأ، لكن حركة التاريخ لا تتحرك دائما خطيا، فثمة منعرجات مفاجئة قد تقود إلى بدايات تصحيح الوضع، وفتح نوافذ للانفراج تحتاج إليه الدولة كذلك إذا استحضرت المستقبل، ومرحليا، لن يكون مقبولا تقديم خلاصات عمل لجنة النموذج التنموي وتدبير الانتخابات المقبلة في ظل هذا الانحسار الحقوقي.

خالد البكاري*: ناشط حقوقي ومحلل سياسي

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي