مصطفى ابن الرضي يكتب: هل يتجه المغرب حقا إلى «البنْعلة»؟

15 يناير 2021 - 07:00

أُراجع هذه الجريدة في عنوان ملفها الأسبوعي الأخير بشأن الحريات في بلدنا، وأجدها قد شطّت وهي تتحدث عن «البنْعلة»، نسبة إلى المخلوع زين العابدين بنعلي، الذي حكم تونس بالحديد والنار، وخنقِ الأنفاس، واجتثاث المعارضات، وسعى إلى تجريف أي إمكانية للتعبير، فضلا عن التغيير.

في المغرب مشاكل بالجملة، وتراجعات، لكنها لم تصل إلى درجة المقارنة بما كان يقترفه بنعلي بحق شعب تونس ونخبه وهيئاته السياسية والحقوقية والمدنية المعارضة.

كاتب هذه السطور، ومنذ أتاحت له هذه الجريدة هذا الحيّز، ينشغل بمسألة الحريات والحق في التعبير، وبانتقاد سلوكاتٍ في المشهد الإعلامي تحديدا يرى أنها مدمّرة، وأيضا بالشطط الذي تتعرض له الحقوق الأساسية لمواطنين معروفين بانتقاد السلطة.

ورغم ذلك، أرى أن المقارنة، ولو على شكل تساؤل، بـ«البنعلية»، بكل شناعاتها، والتي دفعت كثيرا من أبناء تونس إلى الفرار إلى الخارج هربا من نظام بوليسي، واعتقلت العائلات بـ«جريرة» معارضة أبنائها، ومارست الاجتثاث ضد تيارات سياسية، خاصة الإسلاميين، تتضمن مبالغة، وأنها توصيفٌ يمارس إسقاطا، قد تسعفه بعض الحالات للاستدلال على وجود انتهاكات، لكنها لا تصل إلى درجة المقارنة بنظام بنعلي، رغم احتفاظنا بكل الملاحظات المتراكمة بشأن سلوك السلطة في بلدنا في تعاملها مع «المعارضين»، والانزياحات الحاصلة في سلوك الدولة إلى تواتُر التوتّر في تدبير العلاقة مع الآراء المخالفة، خاصة عندما يغذي هذا التوتر «الهمّازون والمشّاؤون بنميم».

في المغرب نعيش صراع إرادات ومصالح، داخل السلطة نفسها، وفي علاقتها بالتعبيرات السياسية والمجتمعية المعارضة، ونعيش توترات في العلاقة بالديمقراطية باعتبارها مسارا وطموحا، ونعيش استعصاءات مترتبة على طبيعة النظام وترتيبات ممارسة السلطة، ونعيش اختلالات في تمثّل وظيفة السلطة بكل أبعادها، وحدود التماهي بين الدولة والنظام السياسي، مثلما نعيش ارتباكا وضعفا في المعارضات، على صعيد النظرية والممارسة، والتي كان يمكن أن تسهم في تحصين مجالات التعبير والتأطير من تعديات السلطة، في إطار ديناميات وطنية لتحقيق التوازن، مادامت «السلطةُ المطلقة مفسدة مطلقة»، لكننا لسنا الآن في وضعية يمكن مقارنتها بنظام المخلوع الذي خنق كل تونس.

أتصور أن السلطة في بلدنا تعيش حالة تردد واضحة وعدم حسم في إدراك مرادها في العلاقة بالحريات والديمقراطية وتكاليفهما المستحقة، وهي حالة ربما تنشأ وتتعمّق بسبب عدم ثقة في المستقبل، وعدم ثقة في مآلات ديناميات المجتمع وتعبيراته المستجدة (وفي البال حراك الريف)، والتي تشكل حالة ضغط مضافٍ في لحظة «الانتقالات الكبرى»، داخليا وخارجيا، فضلا عمّا يقول به البعض من أن النظام السياسي يستبطن في ذاته ما يجعل مسألة الانتقال والاستقرار في الديمقراطية عملية عسيرة وشاقة في ظل قواعد صلبة لممارسة الحكم.

وإنني أتصور أن «البنعلة»، التي انتهت بسقوط مدو وغير متوقع، كانت نتاج مسار مخصوص لجمهورية تونس بعد الاستقلال، وبعدما عزل بنعلي الرئيسَ بورقيبة بانقلاب، سيكون صعبا إسقاطها على الحالة المغربية المخصوصة أيضا، والمتمايزة على أكثر من وجه.

وإلى هذا المستوى دعونا نقارن، إن جازت المقارنة، علاقة النظامين بالإسلاميين مثلا، على أمل أن يمنحنا هذا التمرين إدراكا مقبولا للاختلاف بينهما:

نظام بنعلي كان واضحا اختيارُه الذهاب إلى أبعد مدى في عملية اجتثاث الإسلاميين، وفي سبيل هذا المسعى انتهك الحقوق على أوسع نطاق، وبالشبهة أحيانا، فانتهى الأمر بكل المعارضين إلى لاجئين وفارّين إلى الخارج، أو مسجونين في بلدهم بعدما امتدت إليهم يد السلطة، أو متخفّين وقد أفلتوا من قبضتها.

وهذا مما يسعنا إسقاطه على ما فُعل بباقي العائلات السياسية للتمكين لنظام انقلابي بوليسي على مدى 23 عاما.

في المغرب، النظام اختار مسارين يبدوان واضحين ويبقيان دون مستوى غرض الاجتثاث؛ مسار الاحتواء والإدماج، كما حصل مع الإصلاح والتوحيد مثلا، ابتداء من كل روافدها، إلى تعبيرها السياسي الأكثر وضوحا ممثلا بالعدالة والتنمية، الذي وصل في ظروف مخصوصة وسياقات مضغوطة إلى قيادة الحكومة، ولايزال، وهو مرشح أن يبقى.

كما سلك مسار التحجيم وإدارة معركة سياسية بغرض الإنهاك مع العدل والإحسان، دون أن يصل إلى مستوى تجريب خيار الاجتثاث حتى في أكثر السياقات الدولية «إغراء». وفي هذه المعركة يعتمد «الكرّ والفرّ» السياسي، يوجه فيه ضربات قد تكون قاسية، لكنها لا تصل إلى الحد الذي يمكن معه ترتيب القناعة على أننا بصدد حالة اجتثاث.

هذا عن عنوان الملف.

أما ما أثاره من ملاحظات واحترازات ورسائل تغيّى توصيلها، وإضاءته على كثير من المساحات التي لا تريد بعض مركبات المصالح (أو المفاسد) تسليط الضوء عليها، فضلا عن أن يتحدث فيها أمثال الأكاديمي والسياسي المعروف محمد الساسي، والحقوقية البارزة خديجة الرياضي، وغيرهما، فيبقى عملا مهنيا محترما وجديرا بالنظر، وصوتا يجب أن يُسمع لمن بيدهم السلطة ليُقدّروا الأمور قدْرها، وليفهموا أن هناك مشاكل حقيقية تتراكم طبقات فوق بعض.

وضمن الملف كثير من الكلام المحترم، منه ما طرحه الساسي، الذي عبّر عن شعوره بـ«الإحباط» مما يجري، وأكد أنه لا يستطيع استيعاب ما يقع، قبل أن يشدد على أن «ما يقع في مواجهة الفكر والمعارضة والنقد والرأي، يجعل أطروحاتنا المتعلقة بالانتقال الديمقراطي وبالتطور التدريجي محط سخرية من الناس»، قبل أن يتساءل: «أليس في هذه البلد من الجهة الأخرى عقلاء؟».

وعلى سبيل الختم (والتكملة) أقول: إن تدمير المجالات التي تؤمّن المفاوضة المجتمعية، بالنسبة إلى أي نظام سياسي، لا يمكن النظر إليه إلا باعتباره عملية تدمير للذات، لأنه قد ينجح في إسكات الناس بعض الوقت، لكنه قطعا لن يتمكّن من إسكاتهم كل الوقت. وهذا بالضبط ما حدث لبنعلي تونس.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

احمد حسن منذ 3 أشهر

هل هناك فرق بين الاستئصال الخشن أو الناعم؟اليس الناعم أشد فتكا عندما يستهدف جميع التيارات التي لاتساير النظام عوض الخشن الذي يوجه ضرباته صوب تيارمعين؟الا يلتقيان في نهاية الامر عند تسييد الخوف وإجبار المخالفين على وضع الكمامات ولزوم الصمت في أسوء الأحوال وممارسة الرقابة الذاتية في أحسنها؟

مواطن منذ 3 أشهر

«في المغرب مشاكل بالجملة، وتراجعات، لكنها لم تصل إلى درجة المقارنة بما كان يقترفه بنعلي…» حقاً ؟ "تدوي من نيتك" ؟ إذا اكتفينا بقراءة سطحية، لا مجال للمقارنة فتونس جمهورية تقع شرق الجزائر و تطل على بحر واحد في حين المغرب يقع غرب الجزائر و له بحران و نظامه السياسي ملكية حسب الدستور دستورية و… و…

التالي