إسماعيل حمودي يكتب: ديمقراطية البنتاغون

15 يناير 2021 - 19:20

تحتمل صور الجيش الأمريكي داخل وحول مقر الكونغرس، بذريعة حماية الانتقال السلمي للسلطة من الرئيس المنتهية ولايته إلى الرئيس المنتخب، أكثر من قراءة؛ سيقول أمثال فرانسيس فوكوياما إن تلك الصور تؤكد قدرة الديمقراطية الليبرالية على حماية مؤسساتها من الرعاع والأوباش، وبالتالي، قدرتها على تصحيح انحرافات المسير، بل وتجديد نفسها للتغلب على التحديات التي تواجهها، وهي فرضية قوية تؤكدها تجارب ومحن سابقة تعرضت لها الديمقراطية وخرجت منها قوية سالمة، لكن ذلك يجب ألا يدفعنا إلى استبعاد فرضية ثانية، يمليها علينا السياق العالمي الذي تمر منه الديمقراطية الليبرالية، والمتميز بصعود السلطويات.

في ضوء الفرضية الثانية، يمكننا تقديم قراءة أخرى لصور الجنود الأمريكيين حول وداخل مقر الكونغرس، تفترض أن الديمقراطية الأمريكية تمر بمحنة جديدة، مصدرها ليس السلطويات المنافسة في الخارج، كما قيل سنة 2016، حين اتُّهمت روسيا بالتدخل في العملية الانتخابية الأمريكية لترجيح كفّة دونالد ترامب على حساب هيلاري كلينتون، كما زعموا، بل مصدرها داخلي هذه المرة، وتُجسده حالة الانقسام بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي قبل وخلال الانتخابات الرئاسية لسنة 2020، علما أن حدث اقتحام مقر الكونغرس، الذي يوصف بمعبد الديمقراطية المقدس، في يوم «الأربعاء الأسود»، قد اختزل بشكل أعمق الصورة الحقيقية التي توجد عليها أمريكا اليوم.

سيغادر ترامب السلطة، لكن الترامبية ستستمر في الحفر وسط المجتمع الأمريكي، بعدما تحولت إلى يافطة تلتقي في ظلها كل الحركات اليمينية المتطرفة، ممن يعتقدون بالتفوق العرقي، ويؤمنون بواجب حماية الأصول المسيحية لأمريكا، ويرون في الملونين والمهاجرين تهديدا، ويعتقدون أن النيوليبرالية سرقت منهم الدولة. قد يتقاعد ترامب، وقد يُسجن في حال قرر بايدن إحالته على القضاء، لكن الترامبية مستمرة، والأرجح أنها ستكون التحدي الأكبر للديمقراطية الأمريكية من داخلها، فيما تشكل السلطويات التحدي الأكبر لها من خارجها.

إن وضع الترامبية في سياق صعود السلطويات المنافسة قد يكون مفيدا للفهم، فالعالم اليوم يشهد تحولا كبيرا، تنحسر فيه الديمقراطية، فيما تحظى السلطويات بجاذبية، ما يعزز القول، مرة أخرى، بأن الترامبية حالة رفض واعتراض على هذا التحول الجارف أيضا، والذي كانت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية قد رصدت بعض معالمه الكبرى في دراسة بعنوان: «نهاية قرن الديمقراطية.. صعود الأوتوقراطية» (ماي 2019)، خلصت فيها إلى القول: «إن القرن الطويل الذي هيمنت فيه معايير وقيم الديمقراطية الليبرالية الغربية قد انتهى»، في إشارة قوية إلى أن الديمقراطية الليبرالية تمر بأزمة تاريخية، قد لا تخرج منها سالمة. والأهم في الدراسة، من وجهة نظري، أنها ربطت بوضوح بين صعود الديمقراطية خلال القرن الـ20 وبين نجاح الرأسمالية، للقول إن تقدم النموذج الديمقراطي لم يكن ممكنا دون قوة اقتصادية، بدليل أن التجارب الديمقراطية كانت تفشل في البلدان الأقل نموا، بل تسببت في صعود الشعبويات. وقد أشارت الدراسة إلى تراجع جاذبية قيم الديمقراطية لدى مواطني الغرب، إذ عبّرت استطلاعات للرأي في أمريكا عن تفضيل ثلثي كبار السن الديمقراطية في حد ذاتها، فيما يريدها الثلث المتبقي، وأغلبه أقل من 35 سنة، مقرونة بالوفرة.

تحول قناعات الشباب الأمريكي مرتبط بتحول في ميزان القوة الاقتصادية، فلم تعد السلطوية مرتبطة بالفقر، كما لم تعد الديمقراطية مقرونة بالثراء، وقد أكدت الدراسة هذا التغير حين أشارت إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي للقوى الليبرالية الغربية إلى ما دون 50% خلال 100 سنة الأخيرة، وأنه، وفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي، سوف تنخفض هذه النسبة إلى الثلث في أفق 2030. في المقابل، تُبيّن الدراسة أن حصة الدول السلطوية في الناتج الاقتصادي العالمي تتنامى بسرعة، حيث كانت تمثل 12% سنة 1990، لكنها تستحوذ اليوم على 33%. هذا التحول في القوة الاقتصادية ستكون له نتائج، فإذا كانت الديمقراطيات الغربية استعملت الثروة لممارسة النفوذ الثقافي والإعلامي والفني واللغوي، حيث كانت لعقود موطنا لأكثر العقول إبداعا، وأكثر البرامج والأفلام مشاهدة، وأكثر الصناعات تقدما، ومحضنا لأعرق الجامعات، فإن انتقال مركز الثروة خارج الغرب من شأنه أن يعادل الكفة لصالح السلطويات، حيث أصبحت للاستبداد قوته الناعمة التي قد يستعملها للتدخل في شؤون الديمقراطيات الغربية. والمثال البارز هنا، التأثير المحتمل لروسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016.

هكذا، إذن، تبدو الترامبية ردّ فعل رافض على تحول كبير، تكاد تُجمع الدراسات على أنه تحول ماضٍ نحو سحب أمريكا من موقع القوة العظمى في العالم، وهو مآل ترفضه الترامبية لأنها تدرك أن الديمقراطية مجردة من القوة والثروة، ومن تفوق العرق الأبيض، لن تنفع في شيء، أو هكذا يعتقد الذين دنسوا مقر الكونغرس، وفرضوا على البنتاغون التحرك لحماية الديمقراطية، بعدما صارت أقل جاذبية بالنسبة إلى أبنائها. 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي