الديبلوماسية المغربية والمهام الجديدة

04/05/2021 - 14:15
في المرحلة الجارية من التاريخ، التي تشهد إعادة ترتيب قطع الشطرنج الجيوستراتيجية، وبغض النظر عن المناوشات الروتينية، سواء مع الجزائر، أو غيرها، والتي ستستمر، حتما، مدة قد تطول، وحتى لا يشغلنا ذلك عن الارتقاء والنهضة، تبقى المهمتان الأساسيتان، المطروحتان أمام المغرب، حاليا، في سياق صحوته الوطنية، وريادته للصحوة الإفريقية، هما إعادة قراءة مفهوم، وأبعاد السيادة من جهة؛ وإعادة النظر في التحالفات من جهة أخرى.
ويمر ذلك عبر الاضطلاع بمهمتين أساسيتين:
– تتعلق المهمة الأولى بالعمل على إخراج القارة من وضع الكعكة، الذي تعيشه، منذ قرون، والذي جعل أقصى طموح للدول الإفريقية هو الاختيار بين من سيمارس عليها سطوته، وعنجهيته تحت ذريعة حمايتها من باقي الدول الكبرى، ويمكن اعتبار هذا المطلب استكمالا للمرحلة الثانية من الاستقلال السياسي، والاقتصادي، بعدما أصبحت ظروفه ناضجة.
ويتطلب ذلك منا أن نطرح، بشكل عاجل، وبإصرار ، في إطار تحالف أفريقي – أمريكي لاتيني-آسيوي، مطلب إصلاح منظمة الأمم المتحدة، من أجل عالم جديد أكثر عدلا، ومساواة، عبر توسيع التمثيلية، وإلغاء قوانين حالة الاستثناء، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، والتي تمخضت، آنذاك، عن شكل من أشكال الوصاية من طرف الدول المنتصرة على البلدان المنهزمة، والمستعمرة، والصغرى.
ولا يخفى أن العديد من الموازين اختلفت خلال نهاية أربعينيات القرن، إذ إن الصين، التي كانت من أكثر الدول تخلفا، وفوضى صارت ثاني اقتصاد في العالم، وأصبح الاتحاد السوفياتي طيفا من الماضي، وغدت العديد من الدول الأوربية مجرد أشباح لما كانت عليه، آنذاك، كما قد استقلت العديد من الدول، منذ ذلك الحين، وتطورت العديد منها، واخترقت جدار التخلف، وأصبحت تنافس على جميع الميادين والأصعدة.
وبالتالي، فإن الثوب، الذي تم تفصيله على الدول المذكورة، أصبح ضيقا أكثر من اللازم، وآن الأوان لاستبداله، وهو ما يتطلب إصلاحا جذريا لمنظمة الأمم المتحدة، أساسًا عبر إلغاء حق الفيتو، وتوسيع التمثيلية في اللجان الأممية، وإلغاء مجلس الأمن أو تدوير التمثيلية فيه بين مختلف القارات والتكتلات، إذ إن هذا الأمر صار حتميا في سياق التحولات الجيوستراتيجية، التي يشهدها العالم، والمغرب مطالب، من حيث موقعه، وتأثيره، أن يكون صاحب المبادرة بطرح هذا الملف.
– أما المهمة الثانية؛ فتتعلق بإعادة صياغة العلاقات شمال/ جنوب، وفي ما يخصنا فإنها تعني إعادة النظر جذريا في العلاقات مع الأورويين، خصوصا بعدما تبين أن أوربا ليست شريكا موثوقا، لا سياسيا، ولا اقتصاديا، كما أن إغلاق أوربا لأبوابها في وجه الجنوب يعتبر لوحده كافيا لفتح شراكات جديدة، والانخراط في سيرورة التحولات المقبلة.
وليس خافيا على أحد حالة الوهن، التي تسربت إلى القارة العجوز، التي أصبحت تجد عناء كبيرا في محاولة تكريس صورة القارة القوية، إذ إن السنوات الأخيرة، خصوصا مع اندلاع أزمة كوفيد -19، كشفت الوهم، الذي كانت تبيعه للدول الإفريقية، خصوصا، من أجل استغلال ونهب ثرواتها، بل يمكن القول إن الأوربيين فقدوا سيادتهم، بدورهم، واستمرار سيطرتهم على الأفارقة؛ وخضوع هؤلاء لهم لا يختلف عن قصة سليمان، الذي ظلت الجن خاضعة له لولا دابة الأرض، التي أكلت منسأته، ليتبين للجن أن سليمان قد مات، وكذلك يمكن القول إن « نبوءة » أوربا، التي دامت بضعة قرون قد انتهت، الآن، والعصا، التي كانت رمزا لقوتها، وسطوتها قد تآكلت.
ولا أدل على ذلك من فقدان الدول الأوربية لسيادتها على كل أسرارها، إذ أصدرت الولايات المتحدة، منذ سنتين ونيف، قانونا يسمى « قانون كلاود آكت Cloud Act »، الذي يتيح لها الحصول على أية معلومة تتعلق بتلك الدول، حتى دون موافقتها، وذلك عبر النظام المعلوماتي، الذي صنعته الولايات المتحدة، أو ما يسمى بتكتل « GAFAM »، أي جوجل، وآبل، وفايسبوك، وأمازون، ومايكروسوفت هذه المنظومة، التي تتحكم في تدفق المعلومات عبر كل أرجاء العالم، بما فيها الدول الأوربية الكبرى، ما عدا في الصين، التي طورت، بدورها، صرحها المعلوماتي الخاص.
وتحظى الصين باستقلال رقمي، ومعلوماتي حقيقي، منحها قدرة كبيرة على حماية أسرارها، وأسرار مواطنيها، ومؤسساتها، واقتصادها، إذ طورت ما يعرف بمنظومة « BATX »؛ أي بايدو، وعلي بابا، وتانسينت، وكزايومي، ولذلك لم يعد من الذكاء الاستمرار في التبعية لدول لا سيادة لها، بل أصبح من الضروري إعادة صياغة العلاقات معها، وفقا للمصالح الحيوية لدول القارة الإفريقية.
إذن، الورشان المذكوران كبيران، ومهمان جدا، ويعتبر المغرب مؤهلا بقوة لأداء دور محوري في بلورتهما، وريادتهما، ولذلك وجب على المملكة إحداث ثورة في دبلوماسيتها، لا من حيث الطواقم البشرية، التي ستعمل على صياغة، وتأطير وإنجاح هذين الورشين، ولا من حيث توسيع آفاق التفكير، والمبادرة أمام منظري، وممارسي الدبلوماسية المغربية.

شارك المقال