المحاكمات عن بعد... أوهام ضائعة

08 مايو 2021 - 23:20

لم أجد مبرّراً للكتابة في موضوع مُماثل كهذا، غير حجم الاختلالات التقنية وما يُرافقها من أسى وإحباط إنساني لدى المعتقلين، الذين يَحضرون جلسات محاكمتهم عبر الفيديو، وما يترتب عنها من خروقات قانونية.

وحتى لَو وَددنا حصر حجم الاختلالات التي تُسبّبها المحاكمات عن بعد لَمَا استطعنا، أمام كثرة العثرات التقنية المستمرة. بين تجريب الاتصال مع إدارة السجن عبر الفيديو قبل بدء الجلسات، وأثرها في تضييع الزمن القضائي، ثم الانقطاع المُتواصل للصوت والصورة وضعف الصبيب وانعكاسها على جودة وعَدَالة المُحاكمة، وأخيرا في البناء التقني للقناعة الذاتية لقضاة الحكم.

فما السرّ إذن، في نجاح التقنية وتحقيق العدالة الرقمية “هناك” وفَشلها “هنا”، هل المؤسسة التي حاصرت الحضوريّة هي نفسها التي عمّمت الفشل الرقمي بحجة الانتقال الجديد لمفهوم العدالة؟

من الأكيد أن مشروع المحاكمات عن بعد ينطوي على رثائية جاذبة في مرحلة أولى، لكنه أضحى منفِّرا فيما بعد، بعد تأكد عدم نجاحه كما كان مُتصوّرا من قبل، وحصر تصوره العام في التقليل من حجم التبعات المالية لنقل المعتقلين، لا في ضمان عدالة محاكمتهم.

غدت المحاكمة عن بعد كشفاً لحقيقة مُعلنة، أنه لا ينبغي التعاطي معها إلا باعتبارها تدبيرا استثنائيا مثلها مثل الاعتقال الاحتياطي، تدبيرا فرضته جائحة لا مَكسبا فرضته قناعة.

والحقيقة اليوم فاضحة، كون التجربة تخفي إقصاءً ممنهجا لحقوق المعتقلين ودفاعهم غير المرئي… ولست في حديثي اليوم مُدافعاً عن جهة معينة، وإنما موضحا غياب الخيط النظري بين النص والتطبيق. فنحن أمام فقر نظري هائل من جانب أول، والتباساً في الفهم من جانب ثانٍ، وخللاً في الرؤية من جانب ثالث. ولا تدليل على هذه الأمور الثلاثة كلها سوى التسخير الرديء لأرقام وعدد المحاكمات في معترك الصراع على امتلاك -الشرعنة- الحقوقية.

كلّ ما ذُكِر هو إمارات وعلامات تدل على أن خطرا هائلا يتهدد منظومة العدالة، عبر محاولة تزييف حقيقة هذه الفضيحة الحقوقية بلغة تسجيل أعداد هائلة من المحاكمات عن بعد، كمطيّة لإضفاء الشرعية، كأن المؤسسات التي من المفترض هي قضائية أضحى لها بدورها خطابا وبُعدا سياسيا… وهذا هو الخطير.

هي أوهام ضائعة –نِسبة للكاتب الفرنسي بالزَاك-، غذت معه المؤسسات مُحرجة في الإعلان عنها، بالرغم من التبريرات المهدئة التي تُقدم لغير العارف بحقيقة الأمر. أوهام ضائعة… عنوان حقيقتهم وشهادة فشلهم.

  • باحث في سلك الدكتوراه

 

 

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

التالي

عاجل

عاجل.. الحكومة تقرر تشديد الاجراءات الاحترازية وتوسيع حظر التنقل مع منع الانتقال إلى ثلاث مدن X