رحيل عبد الله زعزاع... "معركة رجل من اليسار" تضع أوزارها

11/05/2021 - 16:30

توفي اليوم الثلاثاء، بالدار البيضاء، عبد الله زعزاع، وهو ناشط يساري بارز، ومعتقل سياسي سابق.

كان زعزاع من المحكومين ضمن مجموعة أبراهام السرفاتي في محاكمة 1977 الشهيرة، وكان نصيبه السجن المؤبد. وكان زعزاع ممن رددوا في قاعة المحكمة الأغنية الشهيرة « لنا يا رفاق لقاء غدا سنأتي ولن نخلف الموعد ».

نال زعزاع نصيبه من التعذيب بـ »درب مولاي الشريف »، حيث كان مطالبا بالتكتم على أسرار التنظيم الذي كان ينتمي له، أي « إلى الأمام »، من الشرطة، فيما كان مطلوبا منه بسبب ذلك، أن يتحمل وطأة تعذيب قاس.

عندما اعتقل زعزاع، كان يحمل مفاتيح ثلاثة مقرات تابعة للمنظمة، وهو الذي كان مسؤولا عن جميع المخابئ السرية حيث كان يتنقل رفاقه بينها كلما أحسوا بأن خطر الاعتقال قد اقترب منهم، وتلك المفاتيح كانت سببا في الاستمرار بتعذيبه، وكشف في نهاية المطاف، موقع المقرات الثلاثة.

من كثرة التعذيب الذي تعرض له، يحكي زعزاع كيف أن الدماميل بجسده أصبحت متقيحة وتطلق رائحة لا تطاق، كما أنه وهو بدرب مولاي الشريف، لم يكن يقوى حتى على النهوض إلى المرحاض، إذ كان يُحمل من أجل الوصول إليه لقضاء حاجته.

وهو في المعتقل، سيبعث رسالة إلى الملك الحسن الثاني، ستسربها مجلة فرنسية، أراد من خلالها أن يوضح أن هناك من بين المعتقلين من لا يتبنى طرح « الانفصال » فيما يتعلق بقضية الصحراء، كما خاطب فيها الملك قائلا: « قد تستطيعون بسلطتكم أن تضعونا في السجون، لكنكم لن تستطيعوا تغيير آرائنا ».

يعتبر زعزاع، ممن واصلوا المشوار السياسي حتى قبيل وفاته، إذ بعد خروجه من الاعتقال، سيعود للعمل السياسي، تارة من خلال الصحافة، وتارة أخرى بالعمل الحزبي وخوض تجربة الانتخابات، وأحيانا كثيرة بالدفاع عن المعتقلين السياسيين وحقوق الإنسان وقضايا الأقليات، التي جرّت عليه الكثير من التشهير والإساءة.

ألّف زعزاع كتابا عنونه بـ »معركة رجل من اليسار »، وفيه يحكي عن تجربته السياسية بمنظمة « إلى الأمام »، وعن أهم اللحظات التي قضاها ضمن أنشطتها، وعن السجن وما عاناه تحت سياط التعذيب وأقبية « درب مولاي الشريف »، وغيرها من الحكايات التي شكلت حكاية رجل آمن بقيم اليسار الراديكالي، في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب.

عام 1945، سيخرج عبد الله زعزاع إلى الوجود في حي « الصخور السوداء »، وهو الذي كان معروفا بالحي الأوربي، إذ كان المغاربة يشكلون فيه أقلية مقارنة مع الأجانب. سيلتحق بالعمل في المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب سنة 1965، وسيبدأ في المشاركة في المعارك النقابية مع الاتحاد المغربي للشغل، كما شارك في الاحتجاجات التي اندلعت عقب اختطاف المهدي بن بركة، وتأثر كثيرا بهزيمة الجيوش العربية سنة 1967، كما تأثر بانتفاضة الطلاب في ماي 1968.

كل تلك الأحداث ستشكل خزانا في ذاكرة عبد الله زعزاع، ما دفعه إلى البحث عن تيار سياسي يستوعبه، وفي تلك الظروف، سيتعرف على عبد الله المنصوري، وسرعان ما سيجد نفسه عضوا في اللجنة الوطنية لمنظمة إلى الأمام منذ الندوة الوطنية الأولى، ومسؤولا عن العمل وسط الطبقة العاملة بالدار البيضاء، والمسؤول الأول عن الجوانب اللوجستيكية، كتوفير المنازل السرية ونقل الأجهزة والوثائق ونقل الرفاق.

استمر في مهامه داخل المنظمة، ولكن وبمجرد ما شرعت السلطات في شن حملة اعتقالات، وبينما كان زعزاع يهم بصعود الحافلة بالقرب من ساحة مارشال، تجمّع حوله رجال الشرطة بالزي السري، وأسقطوه أرضا ووضعوا القيود في يديه يوم 28 يناير 1975، ليقتاد إلى « درب مولاي الشريف »، حيث سيعاني التعذيب، لينقل بعدها إلى السجن المركزي بالقنيطرة، بعد الحكم عليه بالمؤبد، إذ سيقضي هناك 14 سنة، قبل أن يأتي العفو الملكي سنة 1989.

بعد خروجه من السجن بالعفو الملكي، لم يسلم عبد الله زعزاع في كل مرة من الاستجواب لساعات من طرف الأمن، الذي ظل واضعا عينه عليه، إذ تم استجوابه وهو يريد رخصة السياقة، وكذلك عندما أراد جواز السفر، ومع ذلك سيستمر في الدفاع عن قناعاته، وسيعمل على تأسيس مجموعة من الصحف، وكلما أغلقت إحداها بسبب مواقفها يؤسس أخرى.

ومن بين الجرائد الأسبوعية التي أسسها عبد الله زعزاع، أسبوعية « المواطن » التي تم إغلاقها، ثم أسبوعية « المواطن اليوم »، كما ترشح للانتخابات الجماعية والتشريعية في 1997، باسم منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، كما سيترشح للبرلمان أيضا.

وظل زعزاع متشبثا بقناعاته، طيلة حياته، وشارك في احتجاجات حركة 20 فبراير إلى جانب الشباب، وساند قبلها حركة “مالي”، كما ساند حزب الاشتراكي الموحد في انتخابات 2015.

شارك المقال