بيــانٌ من أجلِ تربيةٍ جديدة.. عندما سمعتُ صوتَ إدغـار موران!

24 يونيو 2021 - 18:15

عبد الصمد محفوظ

هناكَ في إحدى ضواحي مدينة مونبلييه، يختلي إدغار موران – عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي المرموق – بنفسهِ في بيتهِ، يُناجي الحِبرَ والورق، واقفا على عتبةِ المئة من عمره (8 يوليوز 1921 – …)، وهو يرمُقُ بنظرتهِ المُتوثِّبة وذهنهِ الوَقَّاد مسارهُ ومسيرتهُ الطويلة في التنظير الفكري والنقاش الفلسفي، والاحتكاك بجملةٍ من الإشكالات الكبرى التي تُسائل العقل الإنساني المعاصر؛ المعرفة، العولمة، الثقافة… والتربية، أعقدُ القضايا المصـيرية، التي شغلت حيّزا مهما من تفكير موران، وقد برز ذلك في كتابه “تربيةُ المستقبل” التي نُشرت ترجمته الأولى سنة 2002، فيما بان وتبيَّن واضحا جليا في آخر كتابٍ تُرجِم له في نونبر 2020 تحت عنوان “مدرسةُ الحياة: بيانٌ من أجل تربيةٍ جديدة”؛ وهو موضوع الحديث في هذه المساهمة المتواضعة.

أن نحيا بشكلٍ أفضل.. تلك هي مَهمة التعليم الجوهرية

ينطلق موران في معالجته للمسألة التربوية من فكرةٍ عميقةٍ على بساطتها، تلقَّفها من فيلسوف الثورة الفرنسية جان جاك روسو، الذي أقام عليها بِدورهِ أساس كتابه المرجعي “إيميــل”، وهي أنَّ الغاية الأسمى التي ينبغي أن يحققها أي نظامٍ تعليمي يجب أن تكون “التَّدريسُ من أجل الحياة”، أي أن تمُدَّ المدرسة الإنسان منذ فجرِ طفولتهِ الأول بطرائق تُمكِّنه من تحقيق استقلاليته، وفهم الآخر وتقبله، ومواجهة جملة المشاكل التي ستعتري حياته… هذا طبعا دون إغفال التعليم التقني المتخصص الذي يبقى ضروريا للحياة المهنية، على ألا يستحوذ هذا الأخير على كل الاهتمام بين ثنايا البرامج والمخططات، لأن الذي “يعوزنا، أكثر فأكثر، هو إمكانية مواجهة القضايا الرئيسية والشمولية للفرد والمواطن والكائن البشري”. ذاك هو الطريق الأمثل لنقف في وجه مكامن الخلل والوهم، حتى نحيا أفضل.. حتى نحيا كِراما أحرارا.

أزمة التربية وأبعادها المتعددة

إنّ أزمة التربية – حسب إدغار موران – متعددة الجوانب والأبعاد؛ وفي ذلك إحالةٌ على الطّابع المركب والمعقد للإنسان والمجتمع على حد سواء. بدءً من معضلة العنف التي يتخبط فيها الواقع التعليمي، وما يُصاحبها من الصراع والشتم والتمرد والعقوبات… والإذلال، الذي يُعتبر أسوأ ما يصيب المُتعلم والمُدرِّس معا. مرورا بارتباط أزمة التعليم بأزمة الثقافة، وما عرفته هته الأخيرة من انفصال البُعد العلمي المتخصص عن بُعد الإنسانيات، حيث يعرف النظام التعليمي (خصوصا الثانوي والعالي) تدفُّقا كبيرا للمكوِّن التقني – الاقتصادي، على حساب مكون الأدب والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع، الذي لا يُرى فيه إلا اللغو والثرثرة؛ وهكذا يتم الانتصار لمنطق المقاولة، الذي يتحرك وفق المعايير التجارية، بدل إعطاء الأولوية للمعارف التأملية القادرة على خدمة رسالة الإنسان الأبدية. وصولا إلى ارتباط أزمة التربية بأزمة الحضارة وأزمة المعنى من وراء الوجود الإنساني ككل؛ حيث نشهد تراجع مساحات التضامن القديمة المعهودة، التي تُعلي من قيمة العائلة والجيران والأصدقاء… إضافة إلى اهتزاز الإحساس بالانتماء للوطن، وسيادة النزعة الفردانية وثقافة الأنانية… ليبقى المطلوب هو أن تسعى التربية المتجددة إلى بناء أشخاص قادرين على الانفتاح على الحياة وفهم دوائرها الإنسانية والاجتماعية والتاريخية المعقدة، الشيء الذي يؤهلهم لمواجهة مصيرهم وتفهم غيرهم.

الفـــــهم.. أعزُّ مطلوب وأنفسُ مرغوب

لقد تَـقرَّرَ سَلَـــفاً أنَّ الإذلال هو أسوأ ما يصيب الإنسان/المُتعلِّـم؛ في حين يبقى الفهم هو أثمن هدية قد تُمنحُ له. غيــر أنَّ فهم الآخر يستلزم منسوبا مُرتفعا من التعاطف والمودة، وليس فهما ميكانيكيا مبني على مؤشرات وأدوات منزوعة الروح. (يضرب موران مثالا لفهم طفلٍ يبكي، ويبين أن ذلك لن يتم عبر معرفة درجة الملوحة في دموعه المنسابة على خده، وإنما عبر استرجاع معاناتنا في طفولتنا وأن نتماهى معه في وضعه ذاك). ثم إن فهم الغيــر يفرض الاعتراف له بالصفة الانسانية وتفرده الشخصي في نفس الآن، فيجعلنا ذلك نتقبل اختلافه معنا، بل ونرى فيه عامل إثراء وغنى؛ اختلافه من حيث تكوينه وثقافته ومعتقده والمحددات الأساسية التي ساهمت في نحت شخصيته، مع الإعلاء من قيمة المشترك الانساني.
أن نعترف بأن الآخر مُماثلٌ لنا (من حيث الصفة الإنسانية) ومختلفٌ عنا (من حيث التفرد الشخصي)، ذلك شرطٌ لا مفر منه ومدخلٌ لا مَنْدُوحة لنا عنه لتحقيق غاية الفهم النبيلة.

المعرفة ورِهـانُ إدخال تغييرٍ على حركيةِ الفكر

إن من مهام التربية الأصيلة أنْ تحمي الإنسان من “عمى المعرفة”؛ من الخطأ والوهم. فالمعرفة الإنسانية المناسبة هي القادرة على إيجاد نمط معرفي له من القدرة ما يكفي لتحديد القضايا الكبرى الرئيسية، التي وجب أن تُدرج في إطــارها كل المعارف ذات الطابع الجزئي والمحلي. ولذلك ينبغي أن تجعل التربية في صدر أولوياتها الربط بين المعارف المجزأة حسب التخصصات وبين الكليات، حتى نتفادى ما يُسميه موران “الذكاء الأعمى” الذي يكون وليد المعرفة الجزئية والوحيدة التخصص. هذا المبتغى لن يتم بمعزلٍ عن إصلاح الفكر، بشكلٍ يجعله عابرا للتخصصات، وقادرا على التحليلِ والربط ووضع المعلومات في سياقها، وميّالا إلى تحقيق الرؤية الشاملة، عبر ترتيبِ المعارف في كُلٍّ واحدٍ مُنظّم.
إنّ إدخال التغيير المناسب على حركيةِ الفكر، كفيلٌ بإصلاح الحياة، وهو يحمل في عمقه “إمكانات تجاوز إصلاح التربية نفسها”.

في الحاجةِ إلى تعلُّمِ معنى الكــائــن الإنســاني

الإنسـان أكرم الكائنات على وجه الأرض، ميّزه الله بالعقل عن سائر المخلوقات؛ وهو يرتقي في مراتب الإنسانية كُلَّما اتَّسعت ماهيتهُ الأخلاقية (حسب نظرية الفيلسوف طه عبد الرحمن في الأخلاق). هذا الإنسان ليس كائنا ذو بُعدٍ واحد، بل هو مخلوقٌ يتميز بوحدته المعقدة والمركبة، حيث يجتمع فيه ما هو بيولوجي بما هو نفسي بما هو اجتماعي بما هو تاريخي… هذه الوحدة المركبة لا تحظى بالمكانة الرفيعة داخل البرامج التعليمية، بل نجدها مفككة ومتناثرة في مختلف التخصصات العلمية، حتى يغدو من الصعب جدا التعرف على معنى وماهية الإنسان. وهو ما يتطلب إعادة الاعتبار لهذه الوحدة الإنسانية المركبة وجعلها في صلب المواضيع الرئيسية للنظام التعليمي.

يتعلق الأمر إذن، بتبيان كيف يكون ممكنا، انطلاقا من التخصصات التعليمية، أن نتعرف على الوحدة والتركيب الإنسانيين بتجميعنا وتنظيمنا لمعارف مشتتة في علوم الطبيعة والعلوم الإنسانية والآداب والفلسفة، وأن نبين الرابط السرمدي بين الوحدة والتنوع في كل ما هو إنساني؛ بتعبير موران.

وأحسِبُ، استنادا إلى خبرتنا الجضارية، أن كتابات العملاقَين علي عزت بيجوفيتش وعبد الوهاب المسيري، بما فيها من سعة الاطلاع على الفكر الإنساني، وفي لُبِّها الفكر الغربي، وباعتبارها نابعة من عقلَيْنِ جبَّارَين ناقدَين لما راكماه من معارف، لها من الأهلية ما يكفي وزيادة لتُسند جهود التأسيس لمعنى الكائن الإنساني في برامجنا التعليمية.

أن نكون فرنسيين..درسُ موران الكبير؛ وإنَّ فيه لعبرة لمن أراد أن يعتبر!

“أن نكون فرنسيين، هو أكبرُ رهانٍ لإصلاحِ التربية!”، بهذهِ العبارة الأثيرة عنده، يسيرُ إدغار موران الهُوينى نحو إسدالِ ستائرِ تصورهِ لإصلاح النظام التعليمي، بل وربما تجاوزه. يدفع موران باتجاه إدماج كل المواطنين الفرنسيين باختلاف اديولوجياتهم وأصولهم العرقية وتحيزاتهم المعرفية (المهاجرين، الفرنسيين ذوي الأصول الافريقية، المسلمين…) في قالب “الفرنسة”، كمرجع يحتكم إليه الجميع ويتم الانطلاق منه لإصلاح التربية والتعليم.
غير بعيدٍ عن هذا المعنى، يبقى المطلوب منا قبل أي إصلاحٍ تربوي، ونحن نسعى إلى تذليل الصعاب واقتحام الآفاق، أن ننطلق أيضا من هويتنا الحضارية، من حيث كوننا مغاربة، صاغت رؤيتنا للوجود محددات كبرى وقيم جامعة، لنبني تربية تقوم على التفكر والإبداع لا النقل والاستنساخ، ونرسخ فيها مفهوم الأمة ومكوناتها المتلاحمة، دون أن نهمش الخصوصيات الثقافية، فذلك من شأنه تخريج جيل معتز بانتمائه للوطن وفخور باختلاف مكوناته التي ما تفرقت إلا لتجتمع في إطار الوحدة، إيمانا منها بالمصير المشترك.

على سبيلِ الختم: الحب.. هو المبتدأ والمُنتهى؛ هو غايةُ المُنى ومَناطُ النَّظَر!

“ماذا تُريدونني أنْ أُعلِّمه؛ إنه لا يُحبُّني!” / سقراط

نافلة القول، إن الحديث في قضايا التربية حديثٌ ذو شجون، تختلط فيه الآمال بالآلام، والطموحات بالعقبات، لكن ذلك لا يَجب أن يُقعِدنا عن استفراغِ الوُسع وشحذ الهمم، وفاءً لِــدَيْنِ التربية، لا باعتبارها مهنة نعتاشُ منها، ولكن باعتبارها رسالة سامية، وقبل ذلك باعتبارها علاقة حُــبٍّ إنسانية بين المُدرِّسِ والمُتعلِّم. لا يُمكن أن يُدرِّس الأستاذ دون أن يكون شغوفا برسالته وتلاميذه ذوي القلوب الغضَّةِ اليافعة؛ ولا أجملَ مِن أن يستلم الإنسان أفئدة الصغار فيغرس فيها الأحلام العِظام والمعاني الكِبار ، لِـيراها تكبُرُ على عينهِ بِتُؤدةٍ وتُؤتي أُكلها.

في رحلةِ الكثيرين مِنَ الذين كان لهم بالغُ الأثر في حياة الناس أجمعين، كانت أولى البشائر كلماتٌ وأفعالٌ تحملُ قدْرا مرتفعا من المحبة والتحفيز لبلوغ المعالي. فهذا عبد الوهاب المسيري – مثلا – الذي درس الأدب الإنجليزي في الولايات المتحدة الأمريكية وبرع فيه، ثم ناداهُ علم الاجتماع وفتح له منازلهُ الفسيحة يَتبوَّأ منها حيثُ يشاء، ليُصبح جهبذا فيه ورمزا من رموزه، يحكي كيف كانت نقطة التحول في مساره العلمي عندما خاطبه أستاذ التاريخ في المرحلة الثانوية بمحبةٍ آسِــرة: “أنت عبقريٌّ يا عبد الوهاب”؛ وكيف تغيرت حياته بعد سماعه تلك العبارة، وجعلتهُ يبُـزُّ أقرانه في أرقى الجامعات الأمريكية.

إنّ مفهوم المربي القائد، المُحِب الفاعل، المَسكُون بالشغف البيداغوجي، من شأنه أن يقلب فكرة التدريس نفسها، فيجعلها – إضافة إلى توزيع المعارف على التلاميذ – موهبة مُقبِلة على ما هي فيه، وقادرة على صقلِ ميولات كل واحد من المتعلمين، وتجميعهم تحت سقف التربية القائمة على فهم الغير والاعتراف به والتعاون معه خدمة للقضايا المشتركة وتحقيقا للنهضة المنشودة؛ وهو ما يستلزم وجود أبناء بررة غيورين على مستقبل وطنهم،لا يتنصلون من مهمتهم التاريخية، إضافة إلى إرادة سياسية لا تنظر بانتهازية إلى التربية باعتبارها ملفا أمنيا، ولكن باعتبارها قضية بالغة الأهمية تتحكم في مصير ومسار الأُمم والحضارات.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.