اختتمت مساء أمس بالمعهد العالي للقضاء، ندوة وطنية حول مدونة الأخلاقيات المهنية، نظمها المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بتنسيق مع رئاسة النيابة العامة، تميزت بفتح نقاش غير مسبوق حول « القاضي وحرية التعبير »، وذلك عقب نشر مدونة الأخلاقيات القضائية في الجريدة الرسمية في مارس الماضي.
ويواصل « اليوم 24 » نشر تفاصيل النقاش بين كبار مسؤولي القضاء، حول حدود حرية التعبير عند القاضي، في ظل جدل أثير مؤخرا حول تدوينات القضاة في « الفايسبوك ».
واختار منظمو الندوة إسناد مهمة تسيير النقاش حول موضوع « حرية التعبير بين الحق الدستوري والواجب الأخلاقي، أي ضوابط؟ »، إلى شخصية مستقلة عن الجهاز القضائي، لم تكن سوى الحقوقية آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والتي مهدت للنقاش بالتأكيد على أن « حرية التعبير من الحقوق الأساسية التي ينص عليها العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية.
وشددت بوعياش، على أن حرية التعبير، ليست من الحقوق المطلقة، ولكن من الحقوق التي يتم تقييدها انطلاقا من الشروط الأساسة لتأسيس دولة الحق والقانون، وهي « المشروعية والتماسكية والضرورية ».
وترى بوعياش، أن عددا « من الأسئلة تطرح من قبل القضاة، أهمها، أين يبدأ وأين ينتهي حقهم في التعبير؟ وهل هناك مسافة أو ضوابط؟ ».
واجب التحفظ
أول تدخل في جلسة النقاش حول الموضوع، كان لمحمد جلال الموسوي، عضو لجنة الأخلاقيات ودعم استقلال القضاة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي شدد على أن « التمثل المجتمعي لوظيفة القضاء، يفترض في المنتسبين إليه، التقيد التام بواجب الحياد، بما في ذلك الترفع عن الاصطفاف وراء فكرة أو توجه معين بشكل صريح ».
ويرى الموسوي، أن « ممارسة القاضي لحقه كإنسان أولا ثم مواطن ثانيا، في التعبير عن آرائه ومواقفه بشكل غير مضبوط، لاسيما مع الطفرة التي تعرفها وسائل التواصل الاجتماعي وتزايد تأثيرها، قد ينزع عنه ما هو مفترض فيه، ويجعله موضع تشكيك ».
وتساءل عضو المجلس الأعلى للسلطة القضائية: أين يبدأ حق القاضي في التعبير وأين تنتهي حريته في ذلك؟
دوليا، بحسب المتحدث، « حظيت الإجابة عن السؤال بالكثير من النقاش والاهتمام، حيث كل الوثائق ذات الصلة بالموضوع تكاد تجمع على أن حق القاضي في التعبير لا يمكن ممارسته على إطلاقه ».
أما وطنيا، يضيف الموسوي، « شكل دستور 2011 لحظة فارقة في التعاطي مع الإشكالية، من خلال التنصيص الصريح على الحق في حرية التعبير، لكن بما يتلاءم وواجب التحظ والأخلاقيات القضائية ».
إقرأ أيضا:
« عبد النباوي »: واجب التحفظ يجعل القاضي أقل حرية من غيره
وشدد المتحدث على أنه قد يؤدي سوء فهم طبيعة ممارسة حق القضاة في التعبير، ومدلول التقييدات الواردة عليه، إلى توسع غير مقبول أو في اتجاه آخر، إذا أفقد التضييق هذا الحق مكانته، مشيرا إلى أن وجود اتجاهين، الأول يقول بأن « حرية التعبير المكفولة للقضاة، لا تمنعه من الإدلاء برأيه في مختلف القضايا ذات الصلة بالشأن العام دون تقييد، وأن واجب التحفظ مرتبط فقط بالتزام القاضي بسرية المداولات »، وهو توجه يؤمن به الكثير من القضاة بحسب المتحدث.
أما التوجه الثاني، فيرى أنه لا ينبغي أن تتجاوز حرية التعبير لدى القاضي حدود الدفاع عن استقلالية القضاء، وأنه لا مجال لإشهار هذا الحق في قضايا ذات طابع عمومي.
التعريف الوارد في مدونة الأخلاق القضائية، في المادة 21، يؤكد المسؤول القضائي، « يسمح نظريا بتحديد المقصود بواجب التحفظ وذلك لأول مرة، مؤكدا أن التعريف بتحديد المقصود بواجب التحفظ كضابط قانوني لممارسة الحق في التعبير، كما هو يثير ثلاث ملاحظات، وهي، « الطابع التوقعي لذلك المفهوم، وذلك من خلال حرص واضعي المدونة على استحضار كل صور التعبير عن الرأي الممكن تصورها، وأيضا مختلف الوسائل الممكن استخدامها ».
ثاني الملاحظات، تتعلق بنص المدونة على تعامل القاضي مع الإعلام ومع وسائل التواصل الاجتماعي، مع تصور كل الاحتمالات والطرق المعتمدة من طرف رواد هذه المواقع، بما فيها تلك التي تسمح بإخفاء هوية صاحبها.
والملاحظة الثالثة، أن تعريف واجب التحفظ، وإن كان يبدو للبعض، يقول المتحدث، « شكلا من أشكال محاصرة الحق في التعبير من خلال توسيع مساحة الالتزام بواجب التحفظ، فإن البعض وعلى خلاف ذلك تماما، يرى أن في ذلك تجسيد لتمثلات واجب التحفظ ».
وخلص المسؤول القضائي إلى القول بأن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، استطاع أن يرسم خطا ناظما لطبيعة الضوابط التي يتعين أن يمارس فيها الحق في التعبير.
إقرأ أيضا:
قاض ملحق بالديوان الملكي: غير مطلوب من القاضي أن يظل متقوقعا