الأمن القومي المغربي بين استراتيجيات الدفاع و الرفع من مقياس القوة الشاملة

22 نوفمبر 2021 - 12:38

يعيش العالم تحولات هيكلية على مستوى المحاور الاستراتيجية تتجه لبناء نظام دولي متعدد الأقطاب. هذه الأخير، بقدر ما أصبح يبنى على الفلسفة النفعية المتبادلة من خلال الارتكاز على المصالح المشتركة والبحث، للقوى الكبرى، على تأمين الممرات الطاقية، التجارية والأراضي الغنية بالمعادن النفيسة والنادرة، بقدر ما فرض أسلوبا جديدا يتجاوز منظومة سياسة متعددة الأطراف الكلاسيكية.

على  المستوى الأمني، التكتلات الجديدة والمستقبلية ستتجه إلى خلق أقطاب دفاعية-أمنية داخل مناطق التأثر الاستراتيجي.

والمغرب وبحكم موقعه الاستراتيجي، ومن خلال سياسة خارجية تتسم بالثبات والمؤسسية، ترتبط أهداف ومصالح سياسته الدولية بمجموعة من الثوابت تتضافر مع متغيرات ومستجدات آنية تفرضها سرعة الأحداث وطبيعة الملفات المفتوحة.

قدرة الرباط في التجاوب والمرونة في ترتيب حلول شاملة للقضايا كبرى، يمكن أن يجعلها محددا في مجموعة من المعادلات الجيواستراتيجية التي باتت تهندس للتكتلات المستقبلية. التوازن العبر-الإستراتيجي،  العبر القاري، فرض ديناميكية جديدة و صراع النفوذ الذي يسيطر على أجندات بعض القوى الدولية(الولايات المتحدة الأمريكية،  الصين و روسيا)أضحى أمرا واقعيا سيزيد من حالة الاستقطابات و الاصطفافات الإستراتيجية تستخدم فيه الوسائل الاقتصادية، السياسية،  الدبلوماسية و العسكرية.

في هذا الصدد، فإ المغرب   وبحكم موقعه المتميز من خلال تأثيره الاستراتيجي على مجالات جيوسياسية جد مهمة كغرب المتوسط،  الأطلسي والجنوب الأطلسي الممتد من المغرب نحو المحيط الهندي والهادئ،  مرورا بمجموعة من الدول الأفريقية، أصبح أمنه القومي مرتبطا بمعادلات جيواستراتيجية تستوجب ترتيبات معينة فيما يخص تعزيز محددات القوة الشاملة.

في هذا الاتجاه، تبقى العلاقات المغربية- الأمريكية، التي تدخل في نطاق الاستمرار دو القيمة العائدة على الإستراتيجية العليا لكلى البلدين، ولا تخضع لعنصر طارئ يعود إلى ظروف استثنائية، مبنية على ثلاثة قطاعات مهمة ورئيسية وهي: التعاون التقني في المجالات الصناعية و التنموية، والتعاون العسكري والاستخباراتي. وتتعاظم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية في المغرب بالنظر من جهة، إلى الأهمية الإستراتيجية لموقع المملكة المغربية باعتبارها دولة متوسطية،  أطلسية وأفريقية، ومن جهة أخرى تعتبر الرباط حليفا استراتيجيا في محاربة الإرهاب ودولة لها القدرة الكبيرة على حماية الأمن القومي الأمريكي المرتبط بشقيه الاقتصادي، التجاري و السياسي بمجالات جيوسياسية السالفة الذكر. ومن تم يأتي التعاون العسكري الأمريكي- المغربي في خضم فلسفة جديدة تمزج التوازن بين متطلبات السياسة الداخلية و تحديات تحول مركز الثقل الاقتصاد الإنتاجي نحو دول المحيط الهادي-الهندي الموسع و الذي سيشمل جزء كبير من خليج القارة الأفريقية.

في هذا الاتجاه، وحسب أحد تقارير وزارةالدفاع الأمريكية التي رفعت عنها السرية مؤخرا،فإن المملكة المغربية تتجه الى تقوية منظوماتها العسكرية الدفاعية لتستجيب للتحديات التهديدات الناشئة على المصالح الوطنية.

هذه الشراكة قد تتوسع مع دولة إسرائيل، والتي من المنتظر أن يقوم وزير الدفاع بيني غانتز زيارة عمل إلى الرباط، من أجل شراء منظومة الدفاع الجوي ShyLock dome ضد الطائرات بدون طيار و أيضا صواريخ ضد المدرعات Spike.

على مستوى التعاون الوثيق والاستراتيجي مع الولايات  المتحدة  الأمريكية،  فإن شراء احد اهم المنظومات والمنصات الدفاعية المعروفة بإسمPatriot Advanced Capability-3 Missile Segment Enhancement (PAC-3 MSE) ،سيعزز إمكانيات و قدرات القوات العسكرية المغربية التي أصبحت شريكا استراتيجيا في مناورات الأسد الأفريقي.

للإشارة،  ليست هذه العملية العنوان الوحيد للشراكة بين البلدين،  بل إن الرباط ومنذ توقيع خريطة طريق بين البلدين أثناء زيارة مارك اسبر إلى الرباط قام البنتاغون بترخيص بيع للطائرات F16 Block72 والتي تعتبر من الجيل الخامس من خلال نظام المعدات التكنولوجية التي تحتوي عليها. على مستوى قوات المشاة فاقتناء الرباط  للمروحيات أباتشي 64E سيدعم تحركات القوات المغربية الأرضية ويمكن من تعزيز إمكانية التشغيل البيني بين مختلف شرائح القوات المغربية المسلحة.

من المنظور الاستراتيجي،  المملكة المغربية باقتنائها لهذه المنظومة تدخل الى الدائرة الضيقة للدول القليلة التي تمتلك هذه القدرة الدفاعية المرتبطة بتهديدات الصواريخ البالستية أو التهديدات العبر الهوائية الفتاكة.  من الواضح،  أن أمام التهديدات المحتملة التي تعيشها منطقة الساحل الافريقي و جنوب الصحراء و احتمالية وجود صواريخ كشهاب 3  عند جماعات إرهابية وحركات محدثة للفوضى، ان المغرب سيتجه الى تقوية قدراته العسكرية ومن تم تحصين قوته الشاملة.  و بالتالي،  فإن المحدد العسكري في القوة المغربية، سيكون أمام بناءات جديدة ستمكنه من تحييد الاخطار الناشئة  هذه المنصات الدفاعية ليست فقط مفتاح للهيبة و لكن ستمكن الرباط من لعب أدوار مهمة في الأمن الإقليمي و الدولي و هو ما يعزز من مكانتها كقوة اقليمية بامتياز خاصة مع تنامي مخاطر أسلحة الدمار الشامل.

في هذا الإتجاه، فان وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد في إدارة جورج بوش،  نبه الى التحديات التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية و حلفاءها الاستراتيجيين و قال  “نحن نعيش في عصر التهديدات غير التقليدية والشكوك الإستراتيجية. نحن نواجه بشكل أساسي تهديدات مختلفة عن تلك التي واجهتها الولايات المتحدة خلال حقبة الحرب الباردة وما قبلها “.

و من تم،  فان تصريحات رامسفيلد،  الذي يعتبر احد مهندسي وواضعي استراتيجية الدفاع الأمريكية الى جانب سيبراوسكي، التي أكدت في مناسبة أخرى: “يجب علينا ، في الواقع ، أن نواجه اليوم مجموعة أكثر تنوعًا من الدول المعادية ، التي يكون سلوكها أقل قابلية للتنبؤ ، وأكثر تجنبًا للمخاطر ، وتعمل بعناد لتصنيع أو الحصول على أسلحة دمار شامل تحملها صواريخ بعيدة المدى. تعتبر هذه الدول مثل هذه الأسلحة على حد سواء أدوات حرب وأدوات قسرية للدبلوماسية تهدف إلى منعنا نحن وشركائنا من مساعدة أصدقائنا وحلفائنا في المجالات ذات الأهمية الحيوية. “. في هذا الاتجاه، يوضح هذان الاقتباسان القلق بشأن ما أصبح يعرف باسم أسلحة الدمار الشامل وأنظمة إيصالها من صواريخ بالستية تكتيكية أو غيرها. هذا القلق تشترك فيه جميع الدول المتحضرة و الدول التي تسعى الى تحقيق القدرة على مجابهة تحديات اللايقين الاستراتيجي الذي أصبحت تفرضه قدرات الصواريخ البالستية.

للاشارة، تختلف نطاقات الصواريخ الباليستية قصيرة المدى (SRBM) ، حتى 1100 كيلومتر (600 ميل بحري ، أو NM) ؛ الصواريخ الباليستية متوسطة المدى (MRBM) ، من 1100 إلى 2750 كم (من 600 إلى 1500 ميل بحري) ؛ الصواريخ الباليستية متوسطة المدى (IRBM) ، من 2750 إلى 5550 كم (1500 إلى 3000 ميل بحري) ؛ والصواريخ الباليستية العابرة للقارات (ICBM) ، أكثر من 5500 كيلومتر.  هذه الصواريخ أصبحت محدد في القوة الصلبة للمجموعة من الدول الكبرى و  تكييف الاستراتيجيات العسكرية المغربية مع هذه المستجدات سيزيد من مقياس القوة الاستراتيجية الوطنية.

تعتبر منظومة الدفاع الجوي باتريوت المتقدم ذو القدرة 3 (PAC-3 MSE) حسب التقرير الفني من اهم الصواريخ التي يمكن تسميتها ب”درع السماء ” وهو نسخة جد متطورة من  منظومة MIM-104 Patriot   .هو صاروخ أرض-جو عالي السرعة قادر على اعتراض وتدمير الصواريخ البالستية التكتيكية (TBM) والتهديدات التي تحلق في  الهواء. PAC-3 MSE هو البديل المتابع لصاروخ PAC-3. يتم تحقيق القدرة المحسّنة لـ PAC-3 MSE من خلال محرك صاروخي صلب عالي الأداء ، ومحسن معدل في الفتك ، وأسطح تحكم أكثر استجابة ، وبرامج توجيه مطورة ، وتحسينات الذخائر غير الحساسة. يستخدم PAC-3 MSE الطاقة الحركية لتدمير الأهداف من خلال قدرة الضرب للقتل ويوفر النطاق(spectre) والدقة والفتك للدفاع بشكل فعال ضد  الصواريخ  البالستية التكتيكية TBMsالمسلحة بأسلحة الدمار الشامل بالإضافة إلى توفير أداء موسع في ساحة المعركة ضد التهديدات المعقدة. يتطلب تكامل صاروخ PAC-3 MSE تعديلات طفيفة على محطة الإطلاق لاستيعاب تغييرات الفنية للكابلات و علبة الرمي.

في قراءة للورقة التقنبة، يتبن بأن القدرات الحركية المحسنة لـ PAC-3 MSE  تمت من خلال ترقيات النظام لبرنامج ما بعد النشر Build-8 والمعالج الرقمي للرادار.

كما أن نظام  PAC-3 Increment 2 اصبح يدعم  بشكل كامل تنفيذ جميع الأنشطة التشغيلية وتبادل المعلومات المحددة من طرف وزارة الدفاع و التي تعتمد هندسة الحلول للصاروخ و منصة الدفاع على محتوى DoDAF المتكامل و الذي يعتبر من أهم الأقسام إطار الهندسة الدفاعية بالبنتاغون، ويجب أن تفي بالمتطلبات الفنية للانتقال إلى العمليات العسكرية NetCentric لتشمل:

(1)  هندسة الحلول من خلال رسم و تحديث بيانات الأهداف المرصودة ؛

(2) متوافقة مع إستراتيجية بيانات NetCentric وإستراتيجية Net-Centric Services ؛

(3) متوافق مع الإرشادات الفنية لـ شبكة المعلومات الشاملة Global Information Grid ؛

(4) متطلبات ضمان المعلومات ؛

(5) متطلبات الدعم

على اعتبار  برنامج الصواريخ البالستية الذي يعتمد على أربعة أنظمة تكنولوجية: قدرة الإطلاق ، والقدرة على التوجيه ، والقدرة على إعادة الدخول ، وقدرة الرأس الحربي، فإن التصميم التقني للمنظومات الدفاعية الجوية الحديثة يروم إلى  الإجابة على الاعتبار الهيكلي و الوظيفي للصواريخ الخصم و غالبا، مثل إيران، فإن صاروخ شهاب 3 هو نسخة متطورة اعتمدت على  التقنيات التكنولوجية للنظام Scud.

في هندسة المنظومة الدفاعية الجديدة و من أجل الرفع من قوة الانطلاق و الاعتراض و ضرب الأهداف من المرجح جدا أن يكون مهندسوا شركة  Raytheon  ان قاموا  بمحاكات منظومة الصواريخ  الإسرائيلية Iron Dôme والتي تقوم بتصنيعها شركة RAFEAL.  و بالتالي فإن استخدام المواد أحادية الكتلة السائلة ، ولا سيما نترات هيدروكسيل الأمونيوم (HAN) ، والتي حاولت الولايات المتحدة استغلالها في برنامج NCADE (Net-Centric Airborne Defense Element) بهدف تعزيز AIM-120s للاعتراضات الباليستية الصاعدة والمدفوعة ، يتألف البرنامج (من بين أشياء أخرى) من استبدال الداعم الصلب للصاروخ بمرحلة دفع سائل ، مع العلم أن الدافع المحدد لهذه لا يزال أعلى جدًا (HANs لديها نبضة معينة مكافئة تقريبًا للهيدرازين  N2H4). هذا النوع من الوقود ، الذي يمكن تخزينه ، ومنخفض الأضرار و له خاصيات فيزائية مهمة كاللزج ، يجعل من الممكن أيضًا التفكير في حلول للمجموعة من الصواريخ التي يمكن تحسين قدراتها على المناورة و الإطلاق السريع خاصة تلك  التي يتم تخزينها في المناطق المكشوفة ، مثل SM-3 . في الوقت نفسه ، تنبئ التقنيات البديلة ، حول الوقود الدافع بالهلام أو المختلط (الصلبة – السائلة) بتطورات مهمة من حيث الأداء وسهولة الاستخدام .

من الواضح أن مثل هذه الصواريخ ذات الطاقة الموجهة تبقى  تكاليف الاستخدام مهمة ، لكن  تبقى احد خاصياتها  هي القدرة على الزيادة في السرعة والنطاقات (spectres)والقدرة على المناورة التي ستسمح بتقديم مجموعة من الحلول عبر مجموعة من الاعتراضات الباليستية و الاجسام العبر الهوائية التي تشكل تهديدات مباشرة أو غير مباشرة.

و بالتالي، فإن تطوير القدرات العسكرية المغربية سيقوي من مكانتها الاستراتيجية في المنطقة و يفتح جاذبية جديدة للصناعة العسكرية المغربية التي ستكون أمام آفاق واعدة مع مجمعات صناعية دولية أخرى.

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي